الرئيسيةمختاراتمقالات«داعش» لتبرير يهودية «إسرائيل» كتب عطالله السليم

«داعش» لتبرير يهودية «إسرائيل» كتب عطالله السليم

أرسى وعد بلفور الشهير دعائم «الدولة الصهيونية». وتعبير بلفور في قوله: «إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي»، اعتراف واضح بأنّ اليهود يشكلون شعباً بلا أرض، وأنهم قومية موحدة في الوقت الذي ينتشرون فيه بالعالم مجموعات على طريقة «الغيتو». كان لتأسيس هذه الاسطورة دور مهم في تعزيز الروابط الاجتماعية بين يهود العالم وجعل اسرائيل – الفكرة تتحول الى اسرائيل – الدولة. في تلك المرحلة، سادت في أدبيات الطبقة الاسرائيلية عبارة «دولة اسرائيل» بدلاً من «دولة اليهود»، علماً أن الاسم الاخير كان قد اقترحه تيودور هرتزل. أمّا السبب الرئيسي في ذلك، فيكمن في رغبة الآباء المؤسسين للكيان الصهيوني بتغليب الطابع العنصري للدولة المزعومة على الطابع الديني، انسجاماً مع الاساطير التي نسجها بعض المؤرخين الصهاينة حول الظلم اللاحق بفئة مجتمعية. أي بمعنى آخر، أراد المؤرخون ابراز طابع اللامساواة والتفرقة العنصرية التي عانى منها اليهود، بدلاً من استخدام العامل الديني. أضف الى ذلك. فقد كان العقل الصهيوني يريد الربط بين اسم الدولة والاسم العبري لفلسطين وهو أرض إسرائيل (إيرتس يسرائيل)، لذلك غاب استخدام عبارة «الدولة اليهودية» لمصلحة عبارة «دولة اسرائيل» عند النخب السياسية والدينية. وفي مرحلة لاحقة من عمر الكيان، برزت اشكالية المواءمة بين يهودية الدولة من جهة وديموقراطية نظامها السياسي من جهة أخرى. اذ إنه ومجرد أن تكون دولة لفئة دينية محددة، يعني هذا أنها لاغية للمساواة في الحقوق المدنية والسياسية للشعب العربي في أراضي الـ48. لذلك لم يستخدم تعبير الدولة اليهودية كثيراً في أدبيات الطبقة السياسية مذاك. ولعّل تعريف وزارة الخارجية الاسرائيلية «دولة إسرائيل» بأنها «دولة يهودية وديموقراطية»، يعني عملياً إصباغ صفة الديموقراطية الى جانب يهودية الدولة في تناقض مفارق.
غابت عبارة «الدولة اليهودية» عن المسرح السياسي الدولي طويلاً قبل أن تعود في الاعوام القليلة الماضية. كان رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ايهود أولمرت أوّل من أعاد لفظ هذه العبارة العام 2007 عشية اعادة انطلاق المباحثات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي في أنابوليس. استطاع اللوبي الصهيوني الفاعل ضمن الادارة الاميركية أن يضغط باتجاه طلب الاعتراف بيهودية الدولة مقابل فكرة استئناف المفاوضات، وكانت الادارة الاميركية الجديدة برئاسة باراك أوباما قد وضعت على رأس أولوياتها اعادة احياء مسار التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتي كانت قد توقفت لسنوات عديدة لاسباب لا مجال لذكرها هنا. بموازاة السعي الاسرائيلي لكسب الدعم الاميركي لفكرة الاعتراف بيهودية الدولة كمدخل لاعادة إحياء ما يسمى بعملية السلام، عمل «الاستبلشمنت» السياسي في اسرائيل على استصدار عدد من القوانين والتشريعات التي تمهّد ليهودية الدولة. وفي هذا السياق، أقدمت حكومة بنيامين نتنياهو في تشرين الاوّل العام 2010 على إجراء تعديلات على «قانون المواطنة» بحيث يتضمن أداء قسم الولاء لـ «الدولة اليهودية» شرطاً لاكتساب الجنسية الإسرائيلية. وزعم نتنياهو أن هذا الطرح «استمرار لما بدأه بن غوريون أي دولة لليهود، لا دولة يعيش فيها مواطنوان من اليهود». وفي أيار 2014، عرض بنيامين نتنياهو تشريعاً جديداً أمام الكنيست من شأنه ترسيخ مكانة إسرائيل كالدولة القومية للشعب اليهودي، قائلا: «إنّ الاعتراض على اعتراف كهذا من شأنه تقويض حق الدولة في الوجود». ومن شأن قانون الأساس الجديد احترام حقوق الأقليات غير اليهودية التي تعيش في إسرائيل، وفقا لإعلان استقلال إسرائيل، بحسب ما قال نتنياهو. وبرغم عدم وجود دستور في اسرائيل، الا أن ما يسمى بقوانين الاساس لديها المكانة نفسها من حيث القوّة الدستورية.
على مستوى آخر، نجم عن «الربيع العربي»، من جملة ما نجم عنه، اشتداد العنف الطائفي بين السنّة والشيعة على امتداد العالم العربي. كان فتيل العنف الطائفي قد تفجّر في العراق إبّان الغزو الاميركي العام 2003. وفّرت مناخات «الربيع العربي» المخطوف حالات تفكّك الدول العربية المركزية. فاستنزفت سوريا على مدار ثلاث سنوات ونصف من عمر الازمة فيها، ما مهّد الطريق لبروز جماعات جهادية متطرفة كان أبرزها «جبهة النصرة» في البدء، ثمّ «الدولة الاسلامية في العراق والشام» التي عرفت باسم «داعش». من الصعوبة بمكان اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة، حتى ولو صرّح بعض قادتهم تلميحاً بقبولهم هذه الفكرة أو بصرفهم النظر عن حق الشعب الفلسطيني في الشتات بالعودة الى فلسطين. وفي هذه الحالة، تبرز الوقائع السياسية كأحد مرتكزات قيام الدولة اليهودية بعد معركة تثبيت المفهوم في الاعوام الماضية. بدأت ملامح تشكل الدولة المذهبية في المنطقة تتبلور على خلفية العنف الطائفي المفتوح. بدأ الحديث ولو بشكلٍ خافت عن حدود الدولة الشيعية – العلوية، وحدود الدولة الدرزية، والدولة السنية، وعبّر الاكراد صراحةً، عبر ممثليهم السياسيين، عن رغبة اقليمهم بالانفصال نهائياً عن الدولة العراقية. أما مسيحيو الشرق، فبــــدا مصيرهم الخـــروج من هــذه المنطقة إما طوعاً أو بفـــعل المجازر التي ترتكب ضدّهم في سوريا والعراق.
إنّ السبيل الأنجع لإرساء الطابع اليهودي للدولة الاسرائيلية يمر حكماً عبر تقسيم الدول المركزية العربية وتحويلها الى كيانات مذهبية صافية. حينما توجد دول للسنّة والشيعة والدروز والاكراد العرب، سيبدو سؤال الاسرائيلي «أين دولتي الدينية أيضاً»؟، سؤالاً واقعياً جداً.

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا