الرئيسيةمختاراتمقالات«حماس» وإيران وحدود الرهان كتب أحمد دياب

«حماس» وإيران وحدود الرهان كتب أحمد دياب

بعد قطيعة بين إيران وحركة «حماس» الفلسطينية امتدت لأكثر من ثلاث سنوات، بسبب اعتراض «حماس» على القمع الذي يمارسه النظام السوري بدعم من إيران بحق المعارضة السورية، جمدت طهران علاقتها بالحركة، التي لم تكترث بدورها بموقف طهران المستجد، إذ كانت ترى في تقدم موجة الربيع العربي تعويضاً عن خسارتها الحليف الإيراني، خصوصاً مع صعود نجم «الإخوان المسلمين» في مصر والإسلاميين عموماً في أكثر من بلد عربي. لكن خلال الشهور القليلة الماضية تواترت التقارير والتصريحات واللقاءات التي تشير إلى إمكانية عودة العلاقات بين «حماس» وطهران إلى سابق عهدها، ففي كانون الأول (ديسمبر) الماضي، زار وفد قيادي من المكتب السياسي لـ «حماس» طهران، ما اعتُبر عودة للدفء في علاقات الطرفين.
أما أحدث التطورات في علاقات «حماس» بطهران، فكان اللقاء بين رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني، ورئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل، في الدوحة في 11 آذار (مارس) الجاري، وهو الأول من نوعه على هذا المستوى، ما يؤكد عودة المياه إلى مجاريها بين الطرفين، وإيذاناً بعدم وجود «فيتو» على زيارة مشعل إلى طهران، وهي الزيارة التي جرى الحديث عنها مراراً، ولم تتم حتى هذه اللحظة، لما تردد عن اعتراض النظام السوري وبعض الأجنحة في «حزب الله» اللبناني عليها، لكنها باتت مسألة وقت لا أكثر.
وبطبيعة الحال، لا تطرأ الأحداث والتطورات مصادفة، فثمة حوافز وضغوط تدفع الطرفين إلى معاودة استئناف العلاقات بينهما، فـ «حماس» بحاجة ليس فقط إلى قوة إيران ووزنها الإقليمي، بل كذلك إلى التسليح الإيراني، وكذلك دعمها المالي، وترددت أحاديث كثيرة، خلال العامين الماضيين، عن أزمة مالية تعانيها الحركة، بعدما أوقفت طهران مساعداتها عقب القطيعة مع «حماس». كما تراجع مخزون الأسلحة والذخائر داخل القطاع بعد استنزاف معظم المخزون منها أثناء الحرب العدوانية الإسرائيلية الأخيرة على القطاع، لكن الأهم هو سقوط رهان «حماس» على تنظيم «الإخوان» في مصر بعد عزل محمد مرسي عقب ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، وتفاقم الخلافات مع رئاسة السلطة الفلسطينية حول الكثير من القضايا الأمنية والسياسية.
أما إيران فمن مصلحتها توثيق العلاقة مع «حماس» من أجل منح خطابها وادعاءاتها في شأن المقاومة والممانعة الصدقية، وحتى لا تكون الساحة الفلسطينية بعيدة من تأثيرها ونفوذها، علاوة على سبب أكثر أهمية، يتعلق بحاجة إيران الماسّة إلى حليف سنّي، أو غطاء سنّي، تتصور أنه يبعد عنها شبهة الانحياز الطائفي والقومي لتدخلاتها وعربدتها في المنطقة.
وإذا كانت الأوضاع الذاتية لـ «حماس»، والموضوعية المحيطة بها، تضطرها إلي «خيار» العودة إلى «الحضن الإيراني»، فإن التطورات والمستجدات الإقليمية في المنطقة تجعل من هذا «الخيار» أشبه بجلد الذات حسياً وبالانتحار السياسي معنوياً، لأنه ينطوي على خسارة سياسية مؤكدة. فمن ناحية أولى، قد يحرج هذا الخيار القوى السنّية التي تناصر «حماس» في العالمين العربي والإسلامي، حيث سيكون من الصعب على الحركة تفسير تحول موقفها من إيران، في ظل إصرارها على مواصلة دعمها نظام الأسد في سورية والحوثيين في اليمن، فضلاً عن الاجتياح الإيراني للعراق تحت مزاعم محاربة «داعش».
ومن ناحية ثانية، فإن هذا الخيار يأتي في وقت تبدو طريق «حماس» إلى الرياض «سالكة» واحتمالات عودة الدفء نحوها واردة، غير أن الأمل المعقود الذي تعقده «حماس» على إعادة ترميم علاقاتها مع السعودية ولو في الحد الأدنى، لن يكون متاحاً، في المدى القريب، إذا زادت الحركة وتيرة علاقتها مع إيران، كما يتزامن هذا الخيار مع «مراجعة» القاهرة موقفها من تصنيف «حماس» حركة «إرهابية»، كما أن هذه التطورات الإيجابية نحو «حماس» مرتبطة بطريق مباشر وغير مباشر بالسياسات الإيرانية الاستفزازية في المنطقة.
ومن ناحية ثالثة، فإن رهان «حماس» على عوائد تحسين العلاقة مع طهران مبالغ فيه إلى حد كبير. ففي الوقت الذي تواجه فيه إيران مشاكل في تمويل حلفائها التقليديين (في سورية و»حزب الله» والعراق واليمن) بسبب الضائقة المالية الناجمة ليس فقط عن العقوبات الدولية الطاحنة، بل أيضاً عن تراجع أسعار النفط والغاز خلال الشهور الستة الماضية، فإنه لا يمكن تصور أن إيران ستهب لمساعدة غزة مالياً في هذه الظروف. وعلى رغم أن هناك مصلحة إيرانية واضحة في تعزيز قوة «حماس» العسكرية، إذ إن إيران معنية بوجود أكثر من طرف يمتلك القدرة على مناوشة ومشاغلة إسرائيل عسكرياً، لكن حتى عندما كانت العلاقات بين الطرفين في أوجها، فإن الدعم العسكري الإيراني لـ «حماس» كان محدوداً، إذ إن إيران لم تزود الحركة بالصواريخ المتطورة التي زودت بها «حزب الله»، وحتى إذا أرادت إيران إمداد «حماس» بالسلاح حالياً، فإن الحصار المُحكم الذي تفرضه إسرائيل على غزة يحدّ تماماً من إمكانية وصول هذا الإمداد.
وفي الأحوال كافة، تبقى علاقة «حماس» بإيران «استثنائية» على صعيد الطائفة، و»تكتيكية» على صعيد السياسة، في ضوء حال الحصار الذي تعانيه «حماس». لكن حالة الاستقطاب الطائفي في المنطقة، وسياسة الغطرسة الإيرانية نحو أزماتها، ستدفعان «حماس» إما إلى مراجعة خطواتها نحو طهران أو الاستمرار في الرهان الخاسر عليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كاتب مصري

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا