الرئيسيةمختاراتمقالاتنحو قراءة موضوعية علمية للواقع الفلسطيني كتب د. محمد صالح الشنطي

نحو قراءة موضوعية علمية للواقع الفلسطيني كتب د. محمد صالح الشنطي

إن أحوج ما تكون إليه الساحة الفلسطينية- التي تعمد أطراف فيها إلى تزييف الوعي و خلط الأوراق – إلى التمييز بدقة و موضوعية بين الوقائع التي تحفل بها المرحلة وبين المفاهيم التي تضطرب في خضمها ، فثمة أسئلة يتم تحاشي الرد عليها والإجابة عنها حتى يظل المستور عن عمد و قصد مستورا و مغيّبا ، لأن في حضوره و الكشف عنه انهيار تام لكل مقومات الخطاب التي تتذّرع به تلك الجهات، وسأحاول أن أتوقف بشيء من التحليل عند جملة من المحاور حتى تنقشع المغالطات والأضاليل بصدق وموضوعية ، ولسوف أعمد إلى المكاشفة حول جملة محاور ، أهمها:
أولا – الخطاب السياسي الذي تستخدمه أطراف في الساحة الفلسطينية إعلاميا وجماهيريا، وما ينطوي عليه من تكنولوجيا التضليل التي تدربت عليه في كبريات المعاهد التي أنشأتها فضائيات ذات أجندات لها مطابخها السياسية التي يشرف عليها خبراء مردوا على التزييف ونصب الكمائن الإعلامية بكفاءة و اقتدار.
ثانيا – ما تعمد إليه بعض الأطراف من طي لصفحات النضال الفلسطيني السابقة على الانفصال وشطبه ، وتسكين الوقائع الجديدة بدلا منه في الوجدان الشعبي وفق تفسيرها وسرديتها الخاصة بها، لتسجل لنفسها السبق في أضخم عملية تزييف للتاريخ و أخطرها منتزعة شهادات زور على العصر بلا أدنى خجل و لا وجل.
ثالثا – العمل على صياغة مفاهيم مطلقة غير قابلة للتحديد أو النقض للمقاومة والنضال والبطولة ، وأخيرا العزف على وتيرة الحاضنة الشعبية المزعومة ، وهي حاضنة أنشأتها المؤتمرات التي اختير المتحدثون فيها من الذين امتهنوا التصفيق وأنشئت المراكز البحثية لأغراض دعائية مهمتها حشد الباحثين من اللون المطلوب في أسوأ عملية امتهان للعلم و البحث العلمي .
رابعا – الصياغة الانتقائية لمعطيات المرحلة وتقديم تعريفاتها المصطفاة الخاصة للتبعية ( متجاهلة عن عمد موازين القوى الدولية وحقائق السياسة بوصفها فن الممكن) ومتغافلة عن عمد بأنها إحدى مجاهيل المعادلة في هذه الموازين،و الوطنية (وتعريفها على هواها و وفق مقاييسها ، وهي التي لا تعترف بمفهوم الوطن ) والخيانة التي تمنحها دلالاتها الفجة و ترمي بها من شرعوا في النضال قبلها بأكثر من ربع قرن من الزمان) والتنسيق الأمني (الذي أخذت تلح عليه في خطابها السياسي والإعلامي على نحو غير مسبوق ، وتسمه بالخيانة العظمى في الوقت الذي تمارسه بأشكال متعددة على نحو من الأنحاء ، فما هو محرم على غيرها حلال لها) ، وما إلى ذلك من افتئات على الواقع والتاريخ والمناضلين.
خامسا – المنهج التبريري في تحليل الوقائع وتطويعها لمنطقها الخاص على أسس برجماتية ميكافيلية ( الغاية تبرر الوسيلة) ، فالمفاوضات حلال متى شاءوا (كما حدث حين صرح أبو مرزوق في أعقاب الحرب الأخيرة من ؟أنه لا مانع من إجراء محادثات مع العدو ) حرام متى أردوا ، ومقولة الصواريخ عبثية جريمة إذا صدرت من فصيل ، حكمة بالغة إذا صدرت عنهم ، وهكذا
سادسا – بناء التحالفات التي تخدمها فصائليا ومرحليا بغض النظر عن المصلحة الوطنية ، وفق أجندات أيديولوجية عفا عليها الزمن ، فتارة مع هذه الجهة ، وتارة مع تلك .
سابعا- تزوير الحقائق واعتماد الكذب الصراح منهجا كلما لزم الأمر.
ثامنا – الإسفاف واستخدام لغة السوقة لتهييج الجماهير واستقطابها ، وتوظيف الخطاب الديني وفق الهوى وبتره عن سياقاته المعنوية و التاريخية .
تاسعا – التنزيه المطلق للذات الحركية ووضعها في موضع لا يأتيه الباطل من بين يديه أو خلفه .
عاشرا – التربص بالآخر و تضخيم الأخطاء أو اختلاقها ، واستخدام مصطلح المفاوضات و التنازل وتجاهل ما تخلل هذه المفاوضات من انتفاضات كبرى دفعت فيه الحركة الوطنية الآلاف من شبابها ومواقعها و مقدراتها منذ أن دخل مقاتلوها في فلسطين عندما اشتبك هؤلاء المقاتلون عام 1995 مع العدو في معبر (إيرز)وفي انتفاضة تالية في الأقصى وصولا إلى الانتفاضة الثانية ، كل ذلك يتم تجاهله ليقال مفاوضات على مدى عشرين سنة من أجل التأليب عليه وشحذ مشاعر الكراهية ضده .
الخطاب السياسي :
لا يخفى على المخضرمين من مجايلينا- الذين عاصروا سلسلة الكوارث والانكسارات التي ألمت بأمتنا منذ أن حلّت النكبة الفلسطينية حتى – الآن كيف يتم استنساخ الخطاب السياسي الذي كان سائدا في حقبة الخمسينيات الميلادية متنا وهامشا بقضه و قضيضه : المطلقات المجردة عن الكرامة والحرية والقومية و البطولة و الشهادة والمبالغة في تغطية الأحداث و التأويلات الرومانسية التي تتجاوز الواقع و تتجاهله ، فالخطاب الشعاري الطابع الطنّان الذي يعد بالجنة الموعودة والحرية الحمراء الساطعة في سماء الأمة الذي لا يستند إلا على الأوهام التي تعشش في أذهان البعض هو السائد : فلننظر كيف مرت علينا عقود من التبشير بالتحرير و العودة وكنس الغزاة ؛ وإذا حصيلة كل ذلك ضروب من الوهم ؛ حتى إذا أفاقت الحركة الوطنية الأم على الواقع المرير بعد عقود من النضال و مواجهة التحديات و التناقضات و الصدامات وإذا بعاصمة الحريات العربية (بيروت) تقع في قبضة العدو ، وإذا بالقوى الوطنية تندحر لتحل محاها قوى الانعزال و العنصرية والشعوبية ؛ وإذا بمذبحة القرن (مجزرة صبرا وشاتيلا) ومأساة العصر (تل الزعتر) أسوأ نموذج لظلم ذوي القربى ،يشارك فيها من ظننا أنهم في مرحلة من المراحل هم المخلصون من دعاة القومية والعروبة ممن أقاموا نظامهم السياسي على أسس ديكتاتورية عنصرية و طائفية أفرخت دما ودمارا لمشروع الوحدة و المقاومة و الحرية ، وهيمنت على الأمر كله فنصبت فرسان المذبحة وزراء وجعلت من أمراء الحرب ساسة لا يشق لهم غبار، وعملت على تصفية آخر معاقل المقاومة في طرابلس وألبت المقاومين بعضهم على بعض وإحداث شرخ عميق بين رفاق السلاح وإسقاطهم في وهدة التبعية لهم وربط مصائرهم بمصالحهم الذاتية ثم سقوطهم وشطبهم من تاريخ النضال الوطني كله ، فخرجت المقاومة إلى تيه الشتات في مشارق الأرض ومغاربها لتبتعد عن ساحة المعركة الحقيقية و ليزج بها في أتون صراعات إقليمية لا ناقة لها فيها و لا جمل ، ولتتعرض للغدر من العدو و الصديق ؛ فكانت غارات حمامات الشط ، وكانت حرب الخليج التي زج بها في غياهبها تحت ضغط لا مثيل له ممن نصبوا أنفسهم حماة للأمة و رعاة لها ، فتحملت المقاومة خطاياها ، واضطرتها إلى الدخول في مضايقها ، فكانت أوسلو التي عمل على إفشالها من ظنوا أنفسهم قيميين على الأمة ، ويمكننا أن ننظر إلى الخطاب السياسي بعد أوسلو من زاويتين:
موقف الحركة الوطنية : وقد تباينت رؤاها؛ فكانت رؤية ا لغالبية في فتح ترى أن أوسلو على الرغم من ثغراتها الكثيرة ونقائصها العديدة تحقق أمرين :
الأول – يتمثل في اعتراف العدو بمنظمة التحرير و ما تمثله من شعب فلسطيني ينبغي أن يكون له كيان سياسي على أرضه ، وفي ذلك اختراق للاستراتيجية الصهيونية التي كانت ترى أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ، وقد عبر عن ذلك قادة الكيان الإسرائيلي أكثر من مرة وعلى رأسهم جولدا مائير وتلامذة غلاة الصهيونية من أمثال جابوتنسكي ثم زعماء الليكود الذين ورثوا أفكاره الصهيونية المتطرفة.
الثاني – الخروج من مأزق التيه بعد حرب الخليج الثانية وتشتت قوى المقاومة وتفرقها في أنحاء الأرض العربية بعيدا عن الميدان الرئيس في فلسطين ؛ والجفوة التي حدثت بينها وبين قادة دول عربية مهمة في أعقاب الموقف الذي دفعت إليه دفعا في حرب تحرير الكويت نتيجة التهديد الذي مارسته بعض القوى ، وقد رأينا كيف دفع الرجل الثاني في فتح وبعض القادة معه أرواحهم ثمن مطالبتهم نظام صدام حصين بالخروج من الكويت ، وما نال ياسر عرفات من عنت لاضطراره إلى موقف لم يكن راضيا عنه بالتأكيد، فكان اغتيال صلاح خلف وأبو الهول والعمري ثمن تمردهم على سادة البوابة الشرقية كما كانت تسمى آنذاك.
وقد كبر كثير من المقاتلين في المنافي الجديدة وبدأ بعضهم يتردد على أبواب السفارات خلاصا من حال الضياع التي وجدوا أنفسهم فيها بعد خروجهم من بيروت ، وعمليات الاستقطاب التي بدأت تتنازع الكوادر والقيادات في الحركة الأم حركة فتح ، وما انتهت إليه الانتفاضة الأولى بعد أن تم اعتقال القادة من الصف الأول والثاني ، وبدت بلا أفق ، خصوصا بعد أن توقفت كثير من مظاهر الحياة ، وضربت حركة التعليم في الصميم ، و لم تنجح محاولات تأسيس نظام بديل للتعليم في ظل الإضرابات المستمرة و تسرب الطلبة، و الوقوف عند مفترق طرق حضاري بالغ الخطورة و الحساسية ؛ فكانت أوسلوا مفتاحا سحريا لفض مغاليق هذا المأزق التاريخي الذي وجدت فتح ومنظمة التحرير بكل فصائلها نفسها و قد تردت في شراكه.
أما المعارضون في فتح وبقية الفصائل التابعة لمنظمة التحرير فكانت ترى في أوسلو ثمرة غير ناضجة لتضحيات عقود طويلة من النضال ، وأنها مليئة بالمطبات مبهمة آفاقها ليست بيّنة ، ولكن ابا عمار رحمه الله بحسه التاريخي اليقظ كان يراها فرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والتأسيس لمرحلة جديدة أقرها المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد في الجزائر عام 1974 ،خصوصا وأن إسرائيل أقرت بمبدأ لم تلتزم به فيما بعد وهو عدم القيام بما من شأنه تغيير الوضع القائم ، أي وقف الاستيطان .
ومن خلال القنوات القانونية الدستورية استطاع أبو عمار ان يكسب أوسلوا شرعيتها الوطنية ، فمرت بسلام من خلال المجلس المركزي لمنظمة التحرير ، وقد استطاع القائد أن يخترق الجدار الصهيوني المصمت ، و شعر الإسرائيليون أنهم في مأزق تاريخي ، فكان التحريض على رابين الذي تم اغتياله خلاصا من هذا المأزق.
موقف القوى الإسلامية :
قام الخطاب الإسلامي لحماس الفصيل الإسلامي الرئيس على ركيزتين أساسيتين :
الأولى – اغتنام الفرصة التي كانت سانحة من وجهة نظرها للتشكيك بالموقف الوطني لفصائل منظمة التحرير، و خصوصا فتح التي كانت منافسها القوي في الساحة الفلسطينية ، حيث جعلت من نفسها ندا لهذه الحركة لتقويض خطابها السياسي واتهامها بالتفريط في الثوابت الوطنية ، خصوصا و أنها (أي حماس) رفضت الانضمام إلى القيادة الموحدة للانتفاضة الفلسطينية ، وظلت بمنأى عنها ، فكانت الفرصة سانحة لتأكيد تمسكها بالخط المقاوم في مواجهة الموقف الاستسلامي لمنظمة التحرير الفلسطينية كما نعتته في حينه ، وكانت منظمة الجهاد الإسلامي مصفّدة بأغلال ارتباطاتها الإقليمية بإيران التي تمولها وتنفق عليها عن سعة ، ولكن الحركتين التقتا على صعيد المعارضة لأوسلو ، فتجاهلتا التناقض القائم بينهما والذي وصل إلى درجة الاحتراب في معارك الجنازير الشهيرة ومصادمات المجمع الإسلامي و الجامعة الإسلامية بينهما وجمعتهما المصالح فعملا على تقويض أوسلو مجتمعتين من خلال الأعمال (الاستشهادية) التي أعقبت توقيع الاتفاقية ، وأعاقتا معا تنفيذ الاتفاقيات؛ فكلما كانت المنظمة على وشك نيل أحد استحقاقات أوسلو تقوم حماس بتنفيذ عملية توقف إسرائيل التنفيذ سواء في المراحل الأولى التي كان ينتظر أن تتسلم فيها السلطة مناطق (أ) أو في المراحل التالية حيث كان من المقرر تسليم الطريق الآمن بين غزة و الضفة ، وكان أن قامت حماس بأكبر تحرك حين نفذت ثلاث عمليات في شارع ( محنا يهودا ) في القدس حيث قام سفراء الدول الغربية بوضع أكاليل الزهور على مواقع العمليات مستنكرة لها ؛ الأمر الذي أدى حصار الرئيس عرفات في المقاطعة. وراحت حماس تفاخر بعدد عملياتها الاستشهادية إلى أن تمكن اليهود من إيقافها تماما ببناء الجدار العازل الذي أوقف عمليا تنفيذ أوسلو ، وكان خطابها السياسي يركز على جانب واحد : المقاومة والاستشهاد بغض النظر عن النتائج التي ترتبت على ذلك ، ودون أن يكلف أحد نفسه بدراسة علمية موضوعية تقيم هذه المرحلة خوفا من التشكيك في وطنيته و دينه ، ومضى خطاب حماس في سبيله متحصنا وراء المقاومة ومشكّكا في كل من يجرؤ على الاقتراب من محرمات الحديث في المقاومة ، وأما في غزة فقد كثفت المقاومة من تحركها وكان خطاب حماس أن الأرض لمن حررها بدعوى أنها هي التي طردت اليهود من غزة ، ولم تتنبه للمخطط الشاروني الذي أدى إلى انسحاب اليهود من طرف واحد ليوقع بين حماس و فتح ، وقد حدث ، وقد تعاظمت قوة حماس ، واستقطبت عددا من كوادر فتح وجعلتهم كحصان طروادة ، ثم راحت تتحدث عن الفلتان الأمني الذي كان لها يد فيه بالاتفاق مع بعض الأطراف في الحركة الوطنية تمهيدا للاستيلاء عليه ، وحين حدثت الانتخابات استغلت الانفلات الأمني والاستقطاب الذي أحدثته للتركيز على فساد فتح وترهلها ، الأمر الذى أدى فوزها في الانتخابات . وقد أقر بذلك الدكتور الزهار ، حيث أشار في كتابه إلى أنهم في حماس ركزوا على تلك القضية ؛ حيث بدا أن الاستراتيجية الإعلامية أثناء المعركة الانتخابية قائمة على تهشيم صورة الحركة الوطنية ، وخصوصا على مسألة الفساد في فتح ، وهو ما أدى إلى كسبهم معركة الانتخابات .

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا