مفاوضات بمقاس إسرائيل، والامارة المنتظرة كتب حسن سليم

إسرائيل بتركيبة حكومتها اليمينية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو ليست جادة، كما لم تكن في سابقاتها، في عرضها للعودة لطاولة المفاوضات، وجميعنا يذكر شعارات نتنياهو وشركائه في حملاتهم الانتخابية، بان لا إعادة للحقوق لأصحابها، وتعهد بعدم السماح لقيام دولة فلسطينية، وهذا ما ساعد على فوزهم.

ما يدفع حكومة نتنياهو لتقديم عرضها المزعوم هو السعي لتحسين صورتها التي أصبح قبحها محرجا حتى لأشد حلفائها وأصدقائها، ولإظهار أن الفلسطينيين هم من يرفضون خيار السلام، والعودة للتفاوض كطريق لإنهاء الصراع، فيما هم حمامة سلام مجروحة تجوب أصقاع الأرض بحثا عن سلام وطمأنينة للأرض المنكوبة. وفي ذات الوقت، وعلى الأرض تمعن الحكومة اليمينية في قتل أي فرصة لإحياء عملية السلام باستمرارها بالاستيطان الذي يشكل المعطل الأساس لأي تفاوض، ويتعارض كليا مع الهدف المنشود لنا بإقامة دولتنا على حدود الرابع من حزيران عام 67.

اشتراط القيادة الفلسطينية وقف الاستيطان قبل العودة للتفاوض، ليس جديدا، وتم التأكيد عليه غير مرة، وتم إبلاغه للوسطاء الذين خرموا آذاننا بالنصيحة للعودة لطاولة المفاوضات كخيار لا بديل عنه، ودون شروط مسبقة. إسرائيل ومنذ توقف المفاوضات لم تتوقف عن مصادرة الأراضي بحجج وذرائع مختلفة، منها ما سمتها أمنية، ومنها بحجة النمو الطبيعي للمستوطنات، وفي الحالتين صنفه القانون الدولي الذي قال كلمته عبر الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية التي أحالت لها الجمعية العامة للأمم المتحدة السؤال عن مدى شرعية جدار الفصل العنصري الذي التهم آلاف الدونمات من أراضي الضفة والقدس، بأن كل ما يقوم به الاحتلال من إجراءات وتغييرات على الأرض الفلسطينية في حدود الرابع من حزيران عام 1967 باطلة. إسرائيل بالطبع تدرك تماما أهمية الأرض للفلسطينيين، وقيمتها في أي تسوية نهائية، واعتمادا على ذلك تعمل على الاستيلاء على اكبر قدر ممكن، يمكنها من التفاوض عليه، لتعيد الفتات او تساوم لتظهر وكأنها منحت الفلسطينيين شيئا من جيبها.

وفي ظل عدم نجاح مساعي اسرائيل بجر منظمة التحرير لمفاوضات بمقاسها، ووفق رؤيتها، اخذت تطلق تهديداتها باعادة احتلال المناطق الفلسطينية الخاضعة للسلطة الوطنية ردا على الاجراءات التي تقوم الاخيرة بها، سواء فيما يتعلق بالتوجه للمحاكم الدولية والى اروقة الامم المتحدة او حملة المقاطعه، او الجهد الدبلوماسي لفضح اجراءات الاحتلال الهادفة لتقويض أي مسعى للحل السياسي، وكان هذا هو تعبير حقيقي عن الهدف البعيد المدى لدولة الاحتلال بالسيطرة الكاملة على الارض الفلسطينية وهدم أي فرصة لاقامة دولة فلسطينية.

فمنذ توقيع اتفاقية اوسلو عام 1993 لم تتوقف اسرائيل عن التصرف كدولة احتلال، وتذكير القيادة الفلسطينية بانها صاحبة اليد الطولى على الارض، بل تستعرض بعضلات القوة العسكرية المتجبرة سواء عبر الاقتحامات للمدن المصنفة (A) والخاضعه امنيا واداريا للسلطة الوطنية بحسب اتفاقية اوسلو، او من خلال الاعتقالات والاغتيالات للفلسطينيين التي لم تتوقف، ومؤخرا كان الاستعراض بحجز اموال الضرائب لاكثر من ثلاثة اشهر كعقاب للسلطة الوطنية على توجهها لمحاكمة الجرائم الاسرائيلية، وكل ذلك في اطار عملية الاخضاع للسلطة للقبول باحتلال رخيص الثمن، واقناعها بدور وظيفي، وان تكون وكيلا امنيا لها، وهذا ما رفضته القيادة مرارا، وبالمقابل تتمدد هي لاكمال مشروعها التوسعي على كافة المناطق الفلسطينية. بالمقابل تواجه السلطة الوطنية اتهامات لاذعة من قبل حركات الاسلام السياسي على وجه الخصوص بانها تقوم بالادوار السالفة الذكر، بل وتعمل على احراج السلطة بما يضعفها ويظهرها دون حول ولا قوة. وبين فك اسرائيل الضاغطة عليها لتكون بمقاس رغباتها، وبين فك حركات الاسلام السياسي الضاغطة لإضعافها.

فمواجهة ضغوط اسرائيل تارة بالالتجاء للمجتمع الدولي، وتارة أخرى للعرب المنشغل بعضهم بقضاياه الداخلية، وبعضهم الراضي باستمرار ضغط حركات الإسلام السياسي على السلطة بل ويدعمها، اما بهدف استخدامها او بهدف اتقاء شرها على ارضه، وبعض آخر يعيش حالة غرام مع إسرائيل.

وفي ظل مواجهة السلطة لضغط الفكين، وما تعيشه من ظروف هي الأصعب، فان الأهمية كبيرة لإعادة النظر في الاستراتيجية والخيارات الممكن إتباعها، سواء فيما يتعلق بمواجهة إسرائيل او في دفاع المواجهة لها، او فيما يتعلق بمواجهة الوضع الداخلي وما نجم عن الانقسام وما يتبعه من تقسيم يتجه نحو انتاج نظام الامارة في غزة، الذي اصبح قاب قوسين او ادنى حقيقة بانتظار الوقت لترسيمها، وحينها ستكون العودة بالغة الصعوبة، ويكون المشروع الوطني في اخطر حالاته.

وفق ما هو ملموس فان التأجيل في طرح الحل لن يفيد في المعالجة، والدعاء وحده لن يكون كفيلا، لا للشفاء ولا في التخفيف من الالم، وسبق لسيدنا عمر رضي الله عنه ان نصح صاحب الجمل المريض الذي استراح لجلب الجمل كل يوم والدعاء له بالشفاء بجانب المسجد، بان يكون مع كثير من الدعاء قليل من القطران، ( القطران نوع من انواع الدواء ).

قد تكون الخيارات الدولية صعبة المنال ومحدودة، وخيار المفاوضات كيفما اتفق كما المقاومة المسلحة غير منتجة لأي أفق سياسي محتمل، الا ان الساحة الداخلية وترابطها واتفاقها كفيل بانجاب ما يعيد للمشروع الوطني عافيته الكاملة، وهو الذي كان دائما مفاجئا بامتلاكه كلمة السر القادرة على استقدام الدبلوماسية الدولية، والقادر ايضا على تنبيه دولة الاحتلال ان انهاء الصراع لن يكون دون اعادة الحقوق لاصحابها واقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 67، وهو القادر ايضا ان يواجه كل مشاريع التقسيم، ويرفض المس بهيبة المشروع الوطني، وقدسية الدم الذي نزف من اجل استعادة الحقوق واقامة الدولة، وكنس الاحتلال.

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا