احتدام معركة الهوية كتب يحيى رباح

التطور الأخطر الذي اجتاح القضية الفلسطينية، على يد الإحتلال أولا ثم على يد منظومات الإسلام السياسي في المنطقة، ومن بينها حركة حماس في طورها الأول كجزء من الإخوان المسلمين، أو تحت مسماها الجديد “حركة المقاومة الإسلامية حماس” هو الخطر المتمحور حول تفتيت الهوية الوطنية الفلسطينية، وجعلها أشلاء متصارعة بلا ملامح، لأن الهوية الوطنية هي المقاومة الفعلية المستمرة ضد المشروع الصهيوني الذي هو مشروع احتلال الأرض ونكران وجود الشعب الفلسطيني، وبالتالي طرده من ارضه وإحلال تكوين بشري آخر بدلا منه، ونكران أي وجود سياسي وحضاري لهذا الشعب، وبالتالي تجريده من كل مرتكزات الوجود كشعب واحد له وطن واحد وكيان واحد ومرجعية شرعية واحدة. ورغم ان الحركة الصهيونية حققت نجاحات كبرى في فترة الحربين العالميتين الأولى والثانية بإقامة دولة إسرائيل ومنع قيام دولة فلسطين، عن طريق تحالفات واسعة النطاق أقامتها مع الدول الكبرى ومع أطراف إسلامية وعربية، وإقامة صلات علنية وسرية مع الطوائف والأقليات القومية، إلا أن هذا النجاح الكبير ظل يعيش في حالة من عدم اليقين، وخاصة عندما عادت القضية الفلسطينية الى الحضور تحت اسمها الفلسطيني، ومن خلال انبثاق جديد للهوية الوطنية الفلسطينية تجلى في انجازات كبرى مثل انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، والاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وانطلاق الانتفاضة الأولى ودخول الهوية الوطنية في الميدان السياسي والعسكري والثقافي والاجتماعي، وبروز الكيانية الفلسطينية الوطنية كلاعب معترف به على المسرح، وحضور هذه الهوية من خلال الانتشار الكبير الواعي تحت مسمى الذات الفلسطينية الوطنية، وقدرة هذا الحضور الفلسطيني على التجلي الواقعي، في ارض الوطن”السلطة الوطنية” وفي مواقع الشتات، والحيوية الجدية لهذا الحضور الوطني الفلسطيني بأشكال متميزة الى الحد الذي أجبر الحركة الصهيونية وإسرائيل على الاعتراف بوجود شعبنا وهويته الوطنية وتوقيع اتفاق ذي طابع دولي مع ممثليه. كل هذا دفع الحركة الصهيونية للهجوم من جديد ضد الهوية الوطنية بصفتها حقيقة كبرى مركبة سياسيا وثقافيا واجتماعيا وفكريا، ومحاولة تشتيتها من جديد. ووجدت إسرائيل ضالتها في الإسلام السياسي، الذي ترك القضية الفلسطينية وذهب يلاحق أوهاما اخرى، بل إن إسرائيل وجدت ضالتها في حماس، برغم أن حماس تشتبك مع إسرائيل بين وقت وآخر ولكنها تشتبك خارج سياق الوطنية الفلسطينية، وبناءا على معايير اخرى، تشتبك من اجل تأكيد الإنقسام، من أجل دحر الهوية الوطنية واستبدالها بهويات أخرى هي مثار للخلاف العميق، كما نرى الآن في سلوك جميع مفردات الإسلام السياسي، التي تخلت عن القضية المركزية فلسطين وتاهت وراء قضايا فرعية وخلافية أخرى، وأهدرت من خلالها الدم الفلسطيني والعربي والمسلم، وأهدرت الحق الإسلامي الأعلى ممثلا بفلسطين والقدس، وقد وصل الخطر الى حد الترويج بدويلة بديلة في غزة، دويلة تتنفس في سيناء أرض الشعب المصري ولا تتنفس برئة فلسطينية. معركتنا المحتدمة الآن مع اسرائيل تدور حول هويتنا الوطنية، فما دامت هذه الهوية حية وفاعلة ومتحققة فإن المشروع الصهيوني سيظل قلقا وتحت عنوان الفرضية مهما تجمع لديه من عناصر القوة والعربدة، ولذلك فان معركة بقاء الهوية وحضورها هي معركتنا الرئيسية في هذه المرحلة.

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا