أضواء على الصحافة الإسرائيلية 19-20 حزيران 2015

قتل شاب يهودي واصابة اخر في منطقة دير بزيع

تناولت مواقع الاخبار الالكترونية العملية التي استهدفت شابين يهوديين بالقرب من قرية دير بزيع، ظهر يوم الجمعة، والتي اسفرت عن قتل داني غونين من مدينة اللد (25 عاما) واصابة آخر بجراح متوسطة. وحسب ما نشرته المواقع فقد وصل داني ورفيقه الى منطقة الينابيع القريبة من مستوطنة دوليب، لكنهما قررا المغادرة، بعد مشاهدتهما للكثير من العرب هناك، حسب افادة مستوطن من دوليب قال ان الشابين اتصلا به وابلغاه ذلك قبل الحادث.

وحسب ضابط في الجيش الاسرائيلي فقد اعترض فلسطيني سيارة الشابين اثناء خروجهما من منطقة العين، واطلق عليهما النار بواسطة مسدس من مسافة قصيرة، ثم لاذ بالفرار، كما يبدو الى القرية القريبة دير بزيع. وقامت قوات من الجيش بتمشيط المنطقة بحثا عنه.

ونشر موقع المستوطنين ان ضابطا اسرائيليا رفيعا في قيادة قطاع الضفة الغربية قال ان العملية كانت كما يبدو عملية منفردة ولا علاقة لها بشهر رمضان. ونفى الضابط ان يكون الجيش قد تلقى أي معلومات استخبارية مسبقة حول الحادث، واعتبر ما نشر بهذا الصدد مجرد شائعات. وقال انه لن يتم حاليا اجراء أي تغيير في النظم التي تم تحديدها لشهر رمضان.

وعقب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على صفحته في الفيس بوك، مساء الجمعة، على الحادث، وكتب ان “الدلائل تشير الى ان الحادث الذي وقع بالقرب من مستوطنة دوليف، هو عملية ارهابية، ونحن نعمل للكشف عن منفذها. يمنع ان يضللنا الهدوء النسبي الناجم عن عمليات الاحباط الكثيرة، محاولات التعرض لنا تتواصل طوال الوقت، وسنواصل محاربتها بكل الوسائل”.

وقال رئيس الدولة رؤوبين ريفلين ان “هذه العملية هي حلقة اخرى في سلسلة التصعيد الهادئ للارهاب الذي نشهده في الأشهر الأخيرة. لن نسلم بواقع يفقد فيه سائح شاب حياته في ارض اسرائيل بسبب يهوديته. من المناسب ان نسمع شجبا حاسما لهذا العمل من قبل القيادة العربية التي تتحمل المسؤولية عن الاعمال الارهابية التي تخرج من اراضيها، وكذلك من قادة الجمهور العربي في اسرائيل”.

وحسب موقع “هآرتس” فقد اثنى حسام بدران، من حركة حماس، على العملية وقال “اننا نرحب بالعملية البطولية التي وقعت في اول يوم جمعة من شهر رمضان، ونشد على ايدي منفذها دون أي علاقة بانتمائه التنظيمي”. وحسب اقواله فان “الاحتلال يتوهم اذا كان يعتقد انه يمكنه توقع رد الشعب الفلسطيني في الضفة، سواء كان الحديث عن عملية منفردة او عمليات للمقاومة المنظمة”.

الفلسطيينون سيسلمون لمحكمة لاهاي ادلة تسمح بالتحقيق ضد إسرائيل

كتبت “يسرائيل هيوم” انه من المتوقع ان تتسلم محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، الأسبوع القادم، ملف ادلة يشمل معلومات تسمح، ظاهرا، بفتح تحقيق رسمي ضد إسرائيل، حسب ما قاله عماد حجازي، المسؤول في وزارة الخارجية الفلسطينية لوكالة الانباء الفرنسية.

ويدعي حجازي ان الادلة ستشمل معلومات حول “الاعتقالات العشوائية التي تنفذها إسرائيل” ومعطيات تبين “السهولة غير المحتملة لقتل الفلسطينيين بأيدي إسرائيل”. وكانت محكمة الجنايات الدولية قد اعلنت في كانون الثاني انها فتحت تحقيقا في احداث الجرف الصامد، لفحص ما اذا كانت هناك ادلة تبرر فتح اجراءات قضائية ضد إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

نتنياهو يهاجم الامين العام للامم المتحدة

كتب موقع “واللا” ان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هاجم تصريحات الامين العام للامم المتحدة بان كي مون الذي دعا إسرائيل الى العمل من اجل حماية ارواح الاطفال الفلسطينيين خلال النزاع الحربي بينها وبين الفلسطينيين. وقال نتنياهو انه “بدلا من الاشارة الى حقيقة قيام حماس بتحويل اولاد غزة الى رهائن عندما اطلق النار من داخل رياض الاطفال على اسرائيل، وحفر الانفاق الارهابية باتجاه رياض الاطفال الإسرائيلية، تختار الامم المتحدة مرة اخرى وعظ اسرائيل على الاخلاق. ويتضح انه لا حدود للنفاق”.

وكان مون قد صرح خلال نقاش خاص في الامم المتحدة حول اوضاع الاطفال في مناطق النزاع ان “السنة الأخيرة كانت اكثر سنة رهيبة بالنسبة للاطفال في الدول التي تشهد نزاعات. انا قلق بشكل خاص من معاناة الكثير من الاطفال جراء الحملات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة في العام الماضي”. واضاف: “اطالب اسرائيل باتخاذ خطوات عملية وفورية، بما في ذلك فحص السياسة والنظم القائمة، من اجل حماية الاطفال ومنع قتلهم والمس بهم، واحترام الحماية الخاصة التي تستحقها المدارس والمستشفيات”.

“عريقات يوصي بالغاء الاعتراف باسرائيل”

كتب موقع المستوطنين ان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ورئيس طاقم المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات، اوصى القيادة الفلسطينية بالغاء اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل. وجاءت توصية عريقات هذه، الى جانب توصيات اخرى، تضمنتها وثيقة قدمها مؤخرا الى المجلس الثوري لمنظمة التحرير. وادعى عريقات ان “كل اعتراف يجب ان يكون متبادلا بين فلسطين واسرائيل”. واعرب عن معارضته لاي اقتراح دولي يعترف بإسرائيل كدولة يهودية ويبقي على قوات اسرائيلية على امتداد نهر الاردن، ويمس بالسيادة الفلسطينية. والى جانب ذلك دعم عريقات ضم حماس والجهاد الإسلامي الى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واعتبار المجلس الوطني الفلسطيني برلمانا لدولة فلسطين ودعم النضال الشعبي ومقاطعة المستوطنات.

ليبرمان يطالب بمنع تمويل الاحزاب الداعمة للمقاطعة

ذكرت “يسرائيل هيوم” ان رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” افيغدور ليبرمان طرح على طاولة الكنيست، مشروع قرار يدعو الى منع تمويل الاحزاب التي يؤيد احد اعضائها مقاطعة اسرائيل او يشجع على مقاطعة إسرائيل وبضائعها. وجاء قرار ليبرمان تقديم هذا المشروع على خلفية اعلان القائمة المشتركة وميرتس عن دعمهما للمقاطعة، والتصريحات التي ادلى بها النائب باسل غطاس تأييدا للمقاطعة.

وكتب ليبرمان في تبريره للقانون انه “مقابل الصراع الذي تخوضه إسرائيل ضد المقاطعة وفرض عقوبات عليها والمس المالي من قبل دول وتنظيمات دولية ومعادية لإسرائيل من المناسب ان لا تمول الدولة الاحزاب والكتل التي تدعو الى المقاطعة او تؤيدها. لا شك ان الدعوة للمقاطعة تمس بإسرائيل ومواطنيها، وعندما تخرج من بيت المشرعين تتضاعف خطورتها وتكون اضرارها اكبر من ضرر امثالها في العالم. ليس من المنطقي ان يمول مواطنو اسرائيل من ضرائبهم اولئك الذين يدعون الى المس بلقمة عيش المواطنين وباقتصاد الدولة”.

احراق 17 مسجدا وكنيسة منذ 2011 دون تقديم احد الى القضاء

كتبت صحيفة “هآرتس” انه يسود التكهن بان احراق كنيسة الطابغة على ضفاف طبريا، ليلة الخميس، تم على خلفية اعمال الكراهية. واشارت الى ان احراق كنيسة الطابغة ينضم الى 17 مسجد وكنيسة تم احراقها منذ عام 2011.

وردت الكنيسة الكاثوليكية بلهجة شديدة على العملية وقالت مصادر في الكنيسة لصحيفة “هآرتس” انها تعتبر هذا الاعتداء استمرارا للعدوان المتواصل على الاماكن المقدسة للمسيحيين في السنوات الأخيرة والتي “لم يتم التعامل معها كما يجب من قبل الحكومة الاسرائيلية وجهات تطبيق القانون”. وقالوا انه تم تحويل تقرير عن الاعتداء الى الفاتيكان.

وقال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الخميس، ان “احراق الكنيسة الرهيب هو اعتداء علينا جميعا. حرية العبادة في اسرائيل هي احدى الاسس في قيمنا ويحميها القانون. سنقوم بتقديم المسؤولين عن هذه الجريمة النكراء إلى العدالة. لا مكان في مجتمعنا للكراهية والتعصب”. وتحدث نتانياهو في اعقاب الحادث مع رئيس الشاباك يورام كوهين، وطلب منه اجراء تحقيق عاجل في احراق الكنيسة، حسب ما ذكره ديوان رئيس الوزراء.

وكتب موقع “واللا” ان وفدا من نواب “المعسكر الصهيوني” وصل يوم الجمعة الى الكنيسة للاحتجاج على الاعتداء الذي تعرضت له ليلة الخميس. ومن بين النواب الذين وصلوا الى الكنيسة، تسيبي ليفني وميراب ميخائيلي وزهير بهلول وعمر بارليف.

وقالت ليفني “لقد جئنا الى هنا اليوم لأن واجبنا ليس اصدار بيانات شجب فقط. المشاهد والروائح الصعبة المنبعثة من الكنيسة والكتب المحروقة على الأرض تثبت الى أي حد تساهم اجواء الخوف والتحريض على الاقليات، والتي شهدناها في معركة الانتخابات الأخيرة ايضا، في خلق تربة خصبة وخطيرة لمثل هذا العمل. وهذا ما يجب مواصلة محاربته”.

وتطرقت عضو الكنيست ميراف ميخائيلي الى الشجب الواسع للحادث وقالت انه يجب العمل ضد منفذي الاعتداء. “لقد نجح عدد من المتطرفين بتوحيد المجتمع الاسرائيلي من اليمين واليسار في شجب هذا العمل المنحط والرهيب”. وطالبت ميخائيلي الشرطة والشاباك بعدم السماح بمرور هذا الاعتداء الرهيب بدون عقاب.

يشار الى ان جهات من اليمين واليسار استنكرت هذا الاعتداء، ووصف وزير الأمن الداخلي غلعاد اردان الاعتداء بأنه “عمل جبان ومنحط”. وقال انه تحدث مع قائد المنطقة الشمالية في الشرطة وطلب منه منح الاولوية للتحقيق في هذا الحادث.

وذكرت “هآرتس” انه طرأ خلال الشهور الأولى من عام 2014 ارتفاع بنسبة 200% تقريبا في عدد جرائم الكراهية التي نسبت الى رجال اليمين المتطرف، لكنه لم يتم حتى اليوم الكشف عن منفذي غالبية هذه الجرائم، ولم يتم تقديم الغالبية الى القضاء.

نتنياهو رفض شجب تهجم اورن على اوباما

كتبت “يديعوت احرونوت” انه في اعقاب ادعاء السفير الإسرائيلي السابق في الولايات المتحدة، عضو الكنيست مايكل اورن، بأن الرئيس الامريكي براك اوباما، تخلى عن اسرائيل، توجه السفير الامريكي دان شبيرو الى رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو طالبا منه التحفظ من تصريح اورن، لكنه قوبل بالرفض. وقد اثار اورن في مقالته التي نشرها في صحيفة “وول ستريت جورنال” عاصفة دبلوماسية.

وشجب السفير الامريكي اقوال اورن وتوجه الى عدد من المسؤولين الاسرائيليين الكبار طالبا نفيهم لما كتبه اورن. ونتيجة لذلك نشر وزير المالية، موشيه كحلون، الذي ينتمي اورن الى حزبه، رسالة يعلن فيها ان اقوال اورن لا تمثل مواقف الحزب. اما رئيس الحكومة فرفض التحفظ، كما رفض ديوانه امس التعقيب على الموضوع.

وفي اعقاب ذلك تدخلت وزارة الخارجية الامريكية في الموضوع ونشرت بيانا باسم الوزير جون كيري يعتبر فيه اورن تلفظ بهذه التصريحات فقط “لأنه سياسي يحاول تسويق كتاب”. واضاف البيان ان “ادعاءات اورن ليست صحيحة بتاتا، وعندما شغل منصب سفير لبلاده كان اطلاعه على الاتصالات الدبلوماسية بين إسرائيل والولايات المتحدة صغيرا”.

مقالات وتقارير

يجب مساعدة الدروز

تكتب “هآرتس” في افتتاحيتها الرئيسية، ان تفكك الدولة السورية في السنوات الاربع الاخيرة يضع امام اسرائيل سلسلة من المشاكل. وفي الاسابيع الاخيرة يعتمل في المرجل المتفجر الخطر على الطائفة الدرزية. ويفرض الخوف على مصير عشرات الاف الدروز، مواطني سوريا، على اسرائيل قرارات مركبة، في محيط مشبع بعدم اليقين ويخضع لانعطافات سريعة.

اسرائيل، التي تتباهى بكونها يهودية وديمقراطية، منحت لمواطنيها الدروز مكانة شبيهة باليهود. وبعد عقود من التمييز الفظ، أيضا في الاجهزة الامنية، ازيلت حواجز الترقية في المراتب العسكرية، ووصل ضباط دروز أكفاء في الجيش الاسرائيلي وفي الشرطة وفي مصلحة السجون الى مناصب رفيعة ورتب الجنرالات وألوية في الشرطة وفي السجون. ووجد الكثير من الدروز في الخدمة الامنية، على فروعها، هدفا ومصدر رزق. ومؤخرا فقط تجرأ رئيس الاركان، الفريق غادي آيزنكوت على اعادة النظر في جدوى الوجود المنفصل للكتيبة الدرزية، وقرر حلها ودمج جنودها في كل وحدات الجيش.

عندما فرضت اسرائيل سلطتها وادارتها على هضبة الجولان، أجبرت سكانها الدروز، الذين ينتمون الى القومية السورية، على تسلم الجنسية الاسرائيلية. واثارت هذه الخطوة هياجا تبددت مظاهره الخارجية، لكن دلائله لا تزال قائمة. وبعد أشهر قليلة من الضم الفعلي للجولان اجتاحت اسرائيل لبنان، في تحالف مع الكتائب الذين اصطدموا بالدروز بقيادة عائلة جنبلاط. واحتج ضباط دروز في الجيش الاسرائيلي وهددوا بمساعدة ابناء طائفتهم، اذا ما تجاوزت اسرائيل افعال الكتائب.

ويقف ادراك هذه الخلفية في مركز التردد الاسرائيلي الحالي، مع وصول التقارير عن خطر ارتكاب مذبحة بحق الدروز في المحافظات المختلفة في سوريا. وحتى الان يخيل أن الخط المتوازن لايزنكوت يوجه السياسة الاسرائيلية: الحذر من التحمس الزائد للتدخل العسكري، وتشجيع جهات اخرى (الولايات المتحدة، الاردن) على تحمل العبء الأساسي، ولكن الاستعداد في المقابل للتدخل لانقاذ الدروز من المذبحة.

لا يمكن لاسرائيل الوقوف جانبا وتجاهل هذه المأساة الانسانية. استيعاب اعداد هائلة من اللاجئين السوريين لا يتوقف على دول المنطقة، مثل تركيا، الاردن ولبنان، فحسب، انما تتحمل هذا العبء دول اوروبية ايضا. ويتحتم على اسرائيل تقديم المساعدة، سواء بالتبرعات الانسانية، العلاج الطبي، بل وبالاستيعاب المؤقت والمحدود للاجئين الدروز، الفلسطينيين والسوريين. مثل هذه المساعدة لن تجعل اسرائيل شريكة في الحرب ولن يحدد سابقة، إذ أن اسرائيل سبق واستوعبت في الماضي مضطهدين من دول مختلفة. وفي نفس الوقت فان هذا سيذكر العالم بالقيم الاساسية للدولة.

لسنا مسؤولين عن هذه الحرب

يكتب يوسي سريد في “هآرتس” ان وزير الأمن قرر قبل أيام قليلة احياء مراسم رسمية سنوية، لذكرى قتلى عملية “الجرف الصامد”. هذا لطيف للغاية من جانب بوغي (يعلون): انه يتذكرهم، كما يتذكرونه بالتأكيد. هذا هو المتبع لدينا: كل جنرال مجيد يخلد ذكرى اولئك الذين ضحوا بحياتهم من أجل مجده، فهم فقط سيرسخون ميراث حربه من جيل إلى جيل.

وها هو الاثبات على ذلك: قبل عدة ايام فقط، بدأوا باحياء الذكرى التاسعة لحرب لبنان الثانية، لكنه لم يكلف أي وزير نفسه عناء المشاركة، ولا حتى وزير الأمن الحالي، لأن تلك الحرب لم تكن حربه، وانحصر دوره في اعداد الجيش استعدادا لها، وبعد ذلك اتضح ان الجيش لم يكن مستعدا كما يجب، ولذلك فانه اذا خاطر الوزير وحضر المراسم، فربما يذكرونه بذلك، فلماذا يفعل ذلك اذن. فليذهب ايهود اولمرت وعمير بيرتس ودان حالوتس، وليلقوا خطابات الرثاء. اما الحكومة الحالية فمعفية من ذلك.

فقط “حربي الخاصة” كانت وستكون “الحرب الاكثر مبررة وعادلة”. هي وحدها التي جلبت الهدوء الى البلاد طوال 40 سنة على الاقل، وكل الحروب الاخرى ستكون من نصيب القتلى وعائلاتهم لوحدهم. من سيتطوع الآن للبروز في حضوره عندما يحيون سرا ذكرى مرور 35 عاما على حرب لبنان الأولى. هل سيكون هناك من يخطئ ويفكر بأنه كان لأيدي بيبي وبوغي دور في الجريمة البشعة، وانهم كانوا الأوغاد؛ من المفضل التغيب اذن، سيوصيهم “كل مستشار استراتيجي” بذلك. واذا كان الأمر كذلك، الم يحن الوقت للتساؤل: لمن هذه الحروب، يا للجحيم، ولماذا يتم تناسيها ان كانت ناجحة فعلا، ولماذا يتذكرها فقط الاهالي وبعض الاصدقاء.

حرب لبنان الاولى كانت حرب كارثية. اباؤها كلهم اصبحوا في القبور – رئيس الحكومة الذي مات في شيخوخة سيئة، وزير الأمن الذي اصيب باغماء لم يقم منه، وقائد اركان اخذه البحر. في الأسبوع الماضي كشف ارشيف الجيش الاسرائيلي “الأمر الأصلي للحملة”: “الانضمام الى القوات المسيحية في منطقة بيروت وتدمير الجيش السوري في لبنان والانتشار على طريق بيروت – دمشق”.

الآن يسمح بكشف كل ما كان يعرفه من ارادوا المعرفة منذ اليوم الاول للحرب، منذ الكيلومتر الأول: مناحيم بيغن واريئيل شارون ورفائيل ايتان – المحتالون الثلاثة الذين خدعوا عمدا الجمهور وممثليه وكان الرأي العام ساذجا الى حد لا يصدق. وطالما لم يكن بامكانكم مسح بقع الدماء عن القميص المقلم، لا تحاولوا غسل كلماتي: نعم، محتالون، وانا كنت احد الذين حاول “رفاقنا” التعساء حثهم على التصويت الى جانب الحرب.

عندما وقف بيغن في الكنيست والتزم “بوقف الحرب بعد 48 ساعة و-40 كلم”، كذب علينا وعلى العالم. عملية “سلامة الجليل” لم تهدف الى “منع اطلاق الصواريخ على الحدود الشمالية”، لأنه ساد الهدوء هناك طوال تسعة أشهر، ولم تكن في سبيل سداد الدين من منظمة التحرير على محاولة اغتيال سفير إسرائيل في لندن، لأن من حاول اغتيال شلومو ارغوب هو ابو نضال – العدو اللدود لعرفات، ولم يكن هدفها تلقين الشيعة درسا، وانما اجتثاث منظمة تحرير فلسطين نهائيا، كي تموت معها “القضية الفلسطينية”. “سلامة الجليل” لم تكن الا حرب “الضفة الغربية وغزة”، ضمان لترسيخ الاحتلال.

الان فقط يتم كشف كل الحقيقة عن كامل الاكاذيب: اكاذيب فوق اكاذيب، ولاجلها يموت الابطال – 1800 جندي خلال 18 سنة، ومن يريد تذكرهم والتذكير بهم بسبب خطايانا الكثيرة. هكذا يخرجون هنا الى الحروب – في تلك الأيام وفي هذه الايام – وحتى في ايامنا يتوحد كل شعب إسرائيل وينهض لتخليص نفسه. “فليتذكر شعب اسرائيل ابنائه وبناته” وألا ينسى بالمناسبة ذاتها قادته الذين بفضلهم “سنحزن على الشبان البالغين”. انتظروا الأرشيفات التي سيتم فتحها بعد 30 سنة، وعندها ستفهمون من هم الذين دعمتموهم قبل سنة.

الحصار على الدروز: الجيش يستعد لامكانية استيعاب اللاجئين وتفعيل القوة الجوية

يكتب عاموس هرئيل في “هآرتس” ان قرية الخضر الدرزية، التي تقع على مسافة مرمى حجر تقريبا من حدود اسرائيل في هضبة الجولان، احتلت هذا الاسبوع مركز القلق لنحو 130 الف درزي في اسرائيل. فمنذ بداية الاسبوع يتواجد نحو 12 الف درزي سوري يسكنون القرية، في عين العاصفة. ويوم الاثنين قتل اثنان من الجنود في الجيش السوري – ممن خدموا في الاستحكام العسكري قرب الخضر – قائدهما الدرزي وفرا الى صفوف منظمة المتمردين المتطرفة، جبهة النصرة. وفي اليوم التالي استولت منظمات المتمردين السُنة على تلال تشرف على القرية وسيطروا على موقعين للجيش السوري، بعد أن طردوا منهما جنود النظام. بعض قذائف الهاون التي اطلقها المتمردون على مواقع الجيش سقطت في اطراف القرية، فقتلت طفلة درزية وجرح نحو عشرة من السكان.

لم يكن الموقعان اللذان تم احتلالهما من القواعد العسكرية الكبيرة، وانما مواقع سيطرة أمامية لمواقع السيطرة الأساسية للجيش السوري، والتي يعرف كل جندي مشاة في الجيش الاسرائيلي منذ عشرات السنين مناورة السيطرة عليها. الاحداث في قرية الخضر تشكل بالكاد مؤشرا هامشيا على الرادار، حين يجري الحديث عن الصورة الكبرى للحرب الاهلية في سوريا، حيث يذبح الاف الناس في كل شهر وتحول الملايين الى لاجئين –لا يعرف احد متى، هذا اذا كان ممكنا على الاطلاق، سيعودون الى بيوتهم. ولكن الموقعين اللذين تم احتلالهما يقعان على مسافة كيلو متر ونصف او كيلو مترين من الخضر، القرية التي تظهر المعارك الجارية حولها بشكل واضح من القرى الدرزية في الجانب الاسرائيلي من الجولان، لا سيما من مواقع الجيش الاسرائيلي في جبل الشيخ.

بعد احتلال الموقعين، أنهى المتمردون عمليا حصار الخضر. ولا يزال الآن طريق ترابي، غير مستخدم، يربط القرية باتجاه الغرب، عبر المنطقة الفاصلة نحو الحدود مع اسرائيل. كما يوجد طريق آخر، يعتبر السفر عليه الان بالغ الخطورة، وهو يؤدي الى الشمال الشرقي باتجاه دمشق. حاليا، لا يتقدم المتمردون نحو القرية نفسها، ومن الممكن انهم يعرفون حقيقة وجود الكثير من حملة السلاح في الخضر، الذين يستعدون هذه الايام للدفاع عن عائلاتهم. ويمكن الافتراض بان التحذيرات الاسرائيلية حققت مفعولها في هذه الاثناء. فمن خلال الاتصالات مع بعض الميليشيات المحلية في الجولان السوري، والتي تجرى اساسا حول نقل الجرحى والعلاج في مستشفيات البلاد، تم التوضيح بان اسرائيل لن تقف على الحياد اذا ما جرت محاولة لاحتلال القرية.

ولكن هذه الرسائل بعيدة عن أن تهدئ من روع الدروز في اسرائيل. فبالنسبة لهم، ان المسافة بين المتمردين في المواقع الجديدة التي استولوا عليها وبين القرية تعكس حجم الخطر؛ بين اخوانهم في الخضر وبين المذبحة لا تفصل سوى ساعة او ساعتين – وهو المصير الذي سبق وشهده ابناء الاقليات في سوريا على ايدي فصائل سنية متطرفة كالنصرة او داعش. والمسألة كلها تتوقف على قرار. لقد صرح زعيم النصرة، محمد الجولاني، مؤخرا بانه عندما ستدخل منظمته الى القرى الدرزية فانه سيطلب من سكانها الدخول في الاسلام. “واذا رفضوا، فسنتعامل معهم حسب الشريعة”، حسب قوله. والرسالة واضحة بالنسبة للدروز: من يرفض تغيير دينه، سيتم اعدامه. هكذا كان مصير نحو عشرين من رجال الدين الدروز الذين قتلهم مسلحو النصرة في قرية تقع في محافظة ادلب في شمال سوريا، في بداية الشهر.

الخطر في الخضر هو صيغة مصغرة للدراما الاكبر التي تجري في جبل الدروز، موقع اقامة معظم الدروز في سوريا، قرب الحدود مع الاردن. فقد أتاح انهيار المنظومة العسكرية للأسد في المنطقة تقدم رجال داعش نحو منطقة الجبل من الغرب. ومن الشرق. وفي هذه المرحلة يبدو ان وعود الولايات المتحدة والاردن بمساعدة الدروز في الجبل، الى جانب ما يمكن بان يتبين كمصاعب تنظيمية للمتمردين في ضوء حملة تستدعي زخما عسكريا كبيرا، لا تزال تبعد الدروز عن الكارثة. ولكن اذا كان جبل الدروز يشكل رمزا، والمكان الاكثر اهمية لأبناء الطائفة في سوريا، فان اجتياح الخضر سيكون كغرس الاصبع في العين من ناحية ابناء الطائفة في البلاد، لأنه سيحدث بمحاذاة الحدود مع اسرائيل.

بين الخضر والقرى الدرزية الاربع في الجانب الاسرائيلي من الحدود تقوم علاقات عميقة. عندما احتل الجيش الاسرائيلي الجولان في حرب الايام الستة بقيت الخضر خلف الحدود. ولكن على مدى بضعة اشهر، منذ حرب يوم الغفران وحتى اتفاق فصل القوات، كانت القرية بالذات تحت السيطرة الاسرائيلية. فالهجوم المضاد الذي قام به الجيش الاسرائيلي، بعد المفاجأة التي تلقاها من سوريا، شمل السيطرة على اراض خلف الحدود كانت من ضمنها الخضر. وقد اعيدت هذه الاراضي الى سوريا مع انسحاب الجيش الاسرائيلي.

في السنوات الاخيرة بذلت حكومة اسرائيل وقيادة الدروز في الجليل وفي الكرمل جهدا منسقا لتقريب الدروز في الجولان من اسرائيل. وكلما احتدم وضع الرئيس السوري بشار الاسد وكلما تورط في اعمال ذبح فظيعة، بدأ الدروز في الجولان الابتعاد عنه. ومن الصعب، مثلا، اليوم العثور على صورة للرئيس على حيطان المطاعم في مجدل شمس، الامر الذي كان منتشرا جدا حتى اندلاع الحرب الاهلية. ولكن حملة التضامن مع الدروز في سوريا تقودها الان الطائفة في اسرائيل. اما الدروز في مجدل شمس وبقعاثا فيحافظون بشكل عام على هدوء اعلامي.

كلما تعاظم الفزع عقب التقارير الواردة من الخضر، شددت القيادة السياسية في اسرائيل وكبار المسؤولين في الجيش الاسرائيلي من جهود التهدئة. فقد قال رئيس الاركان غادي آيزنكوت في الكنيست يوم الثلاثاء ان اسرائيل ستفعل كل ما في وسعها كي تمنع ذبح اللاجئين على حدودها. وفي اليوم التالي، كرر ذلك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال “لقد وجهت تعليماتي لعمل كل ما يلزم”. وفي اليوم ذاته تم ارسال ضابط كبير في قيادة المنطقة الشمالية لاطلاع الصحفيين على صورة الوضع. وقال انه “لا صحة على الاطلاق للشائعات عن وقوع مذبحة، كانت هناك معلومات مغلوطة، لا يوجد عشرات الجرحى من الدروز ينتظرون العلاج قرب الجدار. وفي كل الاحوال، لا توجد لدينا أي نية لان نكون جزءا من القتال في سوريا”.

تحاول سلسلة التصريحات هذه ايجاد التوازن بين قطبين متناقضين: فمن جهة، تلتزم اسرائيل، اخلاقيا وعلنيا، بما يسمى “حلف الدم” مع الدروز. ومن جهة اخرى فان التدخل العسكري لصالح الدروز سيشكل خروجا خطيرا عن الخط الحذر والمبرر الذي اتخذه نتنياهو على مدى اكثر من اربع سنوات من الحرب في سوريا، وبموجبه ينبغي على اسرائيل الامتناع قدر الامكان عن التورط في هذا المستنقع الموحل. ولكن يبدو في هذه الاثناء ان الرسائل لا تحقق غايتها. اخلاقيا، بدأ الكثير من الدروز يشككون بان هدف مصطلح “حلف الدم” كان دوما سفك الدم الدرزي دفاعا عن اليهود، ولكن ليس بالضرورة العكس. وعمليا، تم تفسير اقوال آيزنكوت والضابط الكبير الاخر كاعتراف غير مباشر بان الخضر قد تواجه الكارثة قريبا.

في بداية الاسبوع، شارك الالاف من سكان القرى الدرزية في مظاهرات احتجاجية. بل تم التبليغ عن اطلاق نار في الهواء في قرية او اثنتين، وهي ظاهرة اختفت من البلدات الدرزية منذ سنين. وبعد ظهر يوم الثلاثاء تظاهر سكان دروز من الجليل على الحدود. وتخوف الجيش والشرطة من فقدان السيطرة واعلنوا عن منطقة شمالي مجدل شمس منطقة عسكرية مغلقة. وفي الطائفة شرحوا ان معظم المتظاهرين الذين سعوا للوصول الى الجدار كانوا “فتيان التلال عندنا”، المتحمسون او العاطلين عن العمل. ومهما يكن الامر، فقد حقق اغلاق المنطقة مفعوله. المتظاهرون لم يأتوا وتم فتح المنطقة من جديد.

بدأ الشيخ موفق طريف، الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في اسرائيل، مؤخرا، الحديث علانية عن شدة الخطر. وفي مقابلة مع اذاعة الجيش هذا الاسبوع ادلى بتصريحات قاسية. وادعى انه اذا لم يتدخل الجيش في صالح الدروز في الخضر فمن المتوقع حدوث مذبحة هناك. وقال: “اسرائيل، كما كانت دوما، تراهن على الجانب غير الصحيح في المواجهة في سوريا. في الماضي ساعدت اسرائيل حزب الله وحماس على النمو، والان ترتكب نفس الخطأ مع منظمات المتمردين كجبهة النصرة”. ولخص طريف قائلا: هناك امكانيتان فقط: مساعدة الدروز او المذبحة.

وسبق هذا التصريح العلني سلسلة لقاءات عقدها طريف في الاشهر الاخيرة مع مسؤولين كبار في اسرائيل حول الوضع في سوريا. فقد اجتمع مع رئيس الدولة، رئيس الوزراء، رئيس الاركان وقائد المنطقة الشمالية. وفي اللقاءات مع الضباط سمع ان سلاح الجو يمكنه أن يوقف تقدم المتمردين نحو الخضر، عند الحاجة من خلال القصف، ولكن هذا منوط بتلقي التعليمات من فوق.

يشدد الدروز على خطر المذبحة على خلفية دينية ويقارنون ذلك بالقلق الذي يشعر به اليهود في اسرائيل ازاء العمليات ضد اليهود في الخارج. طوال الحرب في سوريا، قتل، حسب بعض المصادر، قرابة 2.000 جندي درزي في جيش الاسد، ولكن هذا اعتبر جزء من ثمن الحرب، وحتى عندما قتل اربعة شبان دروز من منطقة الخضر في هجوم لسلاح الجو على الحدود عند محاولتهم زرع عبوة ناسفة هناك بتكليف من حزب الله في بداية ايار، لم يحتج الدروز في اسرائيل. أما الان، فالقصة مختلفة: الملاحقة متعمدة والخطر يحدق بالدروز كطائفة وكدين – ومن هنا يأتي احساس التضامن الكبير وما يرافقه من فزع.

زعيم الطائفة الدرزية ورجاله يعرفون السيناريوهات التي يستعد لها الجيش الاسرائيلي، من استيعاب سريع للاجئين وتوسيع المستشفى الميداني المقام على الحدود، وحتى التدخل العسكري بواسطة سلاح الجو. حاليا، ورغم تصريحاتهم الحازمة، فانهم لا يزالون يثقون بأن قيادة الدولة ستقوم بالعمل المناسب في نظرهم، عند الحاجة. ولكن على الرغم من الادراك بأن التقارير التي تحدثت عن مذبحة في الخضر هذا الاسبوع كانت شائعة عابثة، الا انه من الصعب الاستخفاف بمخاوف الدروز. فمثل كثير من الامور الاخرى في سوريا، يتعلق مصير القرية المحاصرة بشعرة.

يمكن لحدوث تغيير حاسم في الوضع، ان يضع اسرائيل في معضلة فورية من حيث التدخل العسكري المحلي، ومن شأن ذلك ان يحدث في غضون ساعات. ولذلك، فان التصريحات الاخيرة للمسؤولين في جهاز الامن عن وضعنا الاستراتيجي المحسن في الشمال تبدو مبسطة ومبالغ فيها بعض الشيء. صحيح ان الوضع جيد، نسبيا، حتى صباح اليوم. لكنه لا يوجد أي ضمان بأن يكون الامر هكذا غدا أو في الاسبوع القادم.

تحقيقات الجرف الصامد – في الجيش يتخوفون من قيام السياسيين بالقاء الضباط طعما للكلاب.

يكتب امير اورن في “هآرتس” ان الصراع الإسرائيلي ضد تقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى حول سقوط الضحايا المدنيين في عملية “الجرف الصامد” ليست هي القصة الحقيقية. فالجانب المثير في المواجهة على حلبة القانون الدولي هو الجانب الداخلي، الجيش الإسرائيلي ضد الذين الى جانبه (الشاباك) والذين من فوقه (الحكومة)، عندما يشتبه بارتكاب جرائم حرب – اين تتوقف المسؤولية، أي من هم المسؤولين الذين قد يتعرضون للاعتقال عند وصولهم إلى المطارات الأجنبية. هل هي الخلية العليا في سلسلة القيادة العسكرية – أو السياسية، لأن الحكومة هي القائد الأعلى للجيش، ويضم مركز القيادة أيضا ممثلين عن القيادة السياسية.

ما كان يكفي في فترة غولدشتاين لم يعد يكفي في فترة غولدستون. في التحقيق الذي جرى حول المذبحة التي نفذها النقيب في الجيش باروخ غولدشتاين في الحرم الابراهيمي، بسلاحه وزيه العسكري، عالجت اسرائيل القضية في الداخل. وتركها العالم وتجاوز ادعاء القائد العام للجيش ايهود براك، في حينه، بأن الدولة وجيشها “ضربهم الرعد في يوم صاف”. لم يكن هناك راصد ولم يتم شجب مسؤول. مسألة داخلية، تماما كما حدث في مذبحة كفر قاسم في عام 1956. لكن هذا الامر لم يعد قائما: فالقرن الحادي والعشرين يتميز بالتدقيق العميق على شاكلة عمل لجنة ريتشارد غولدستون.

ما ان انتهت مسألة غولدستون حتى جاءت قضية اسطول مرمرة: وبطريقة نجحت في عمليات سابقة، كضربة مسبوقة، سارعت إسرائيل الى استباق امثال غولدستون والتحقيق مع ذاتها من خلال لجنة محلية، وان تم تعزيزها بمراقبين خارجيين مناصرين (وحصلوا على مقابل جيد كما تم توثيق ذلك في معطيات نشرتها دائرة المشتريات الحكومية). فالفحص الداخلي يتم التعامل معه كحصانة امام التحقيق الخارجي، بل يجعله زائدا.

لقد قامت لجنة القاضي يعقوب تيركل بعمل اساسي. وبعد فحص احداث مرمرة وجوانبها القضائية والعسكرية، توجهت لنفض الغبار عن مسائل عسكرية اوسع. ومن اجل توضيح توصيات اللجنة الـ18، تم تعيين طاقم برئاسة المحامي د. يوسي تشاحنوبر، المدير العام السابق لوزارة الخارجية والمستشار القضائي للجهاز الامني، ومعه نائبي المستشار القضائي للحكومة راز نزري (المختص بالقانون الجنائي) ود. روعي شايندروف (المختص بالقانون الدولي)، بالإضافة الى ممثل الجيش هرتسي ليفي، والعميد (احتياط) المحامي راحيل دوليف من النيابة العسكرية (واستبدلها مستشار الشاباك القانوني ورئيس قسم التحقيقات، في المسائل التي تتعلق بعمل الشاباك).

لقد تمزق النائب العسكري العام بين قائديه – رئيس الأركان والمستشار القانوني – وكان مقيدا في جمع المعلومات حول جرائم الحرب في اطار التحقيق العسكري، أيضا لأن تحويل من تم الاستيضاح منهم الى جهات خاضعة للتحقيق سيجعلهم يصمتون، وسيتشاورون مع المحامين ويمتنعون عن تجريم انفسهم. لقد تأخر انتهاء الطاقم من العمل لفترة طويلة، ظاهريا بسبب انتخابات الكنيست، وعمليا بسبب خلافات عينية بين الجهات الممثلة في الطاقم. والأهم من ذلك كله: هل سيقوم الساسة مرة اخرى بالقاء الجيش طعما للكلاب، حسب ما قاله ضابط كبير. ويسارع الضابط مضيفا: “هذا لن يساعدهم، لأن تنفيذ تقرير تيركل يهدف الى منح إسرائيل بوليصة تأمين، وإذا تهربت الحكومة من الدفع، فانها ستفقد التأمين. لا أحد في العالم يعتقد ان قائد المنطقة الجنوبية او رئيس الاركان يتحملان المسؤولية عن العملية في غزة أو ان قائد المنطقة الوسطى، وليس وزير الدفاع والحكومة، هو حقا صاحب السيادة في الخليل ونابلس، وان الجيش الإسرائيلي استيقظ هكذا عبثا في الصباح وبدأ العمل، وان القيادة السياسية يمكنها أن تغسل اياديها. في عملية التصديق على العمليات والمهام، في الاوقات الروتينية والطارئة، تجر الادارة الصغيرة المسؤولية الكبيرة”.

قبل اسبوع وزع المستشار القضائي للبنتاغون، ستيفن بريستون، دليل القانون الدولي على اذرع الجيش الامريكي وقادته وجنوده. ووقع بريستون على مجلد يضم 1200 صفحة، يشمل ايضا، الكثير من التجارب الإسرائيلية في محاربة الارهاب، والاوامر الاستثنائية بالتحقيق مع المشبوهين واصابة المدنيين الابرياء. في احد الفصول المثيرة في الوثيقة، يتعامل البنتاغون مع المسؤولية القيادية للقيادة المسؤولة عن الجيش. من جهة، هذا اطار لعمليات الاحباط المركز للمسؤولين الكبار، الذين ربما يتم ايضا تجاوزهم من خلال الطموح الى التبادلية – القادة على استعداد لقتل اعدائهم، لكنهم لا يسارعون الى الموت في المقابل – وفي سبيل “التأكد من الحفاظ على سلطة تملك صلاحية التوقيع على اتفاق سلام”. ومن جهة اخرى، يوجد هنا تحديد للمسؤولية العليا عن جرائم الحرب، تماما حتى ديوان الرئيس الامريكي، وفي الاستعارة، رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزرائه.

حسب وثيقة البنتاغون يعتبر القادة اهداف مشروعة للهجوم –بالنار وبالاتهام ايضا- اذا تواجدوا على رأس القيادة العسكرية او السيطرة على القوات العسكرية. “مثلا، بصفته القائد الاعلى للقوات الامريكية سيكون الرئيس الامريكي هدفا مشروعا في الحرب، ومثله رئيس الحكومة في سلطة رسمية. والامر لا يسري على رؤساء الدول الذين يتولون مناصب رمزية في الأساس”. أي ان براك اوباما وديفيد كميرون وفلاديمير بوتين وفرانسوا هولاند وبنيامين نتنياهو، يتحملون المسؤولية، اما اليزابيث الثانية ورؤوبين ريفلين فلا.

بالاضافة الى ذلك تشمل قائمة الاهداف المشروعة “القادة الشركاء في تخطيط العمليات او التصديق عليها”. وفي حالة اسرائيل، المقصود وزير الأمن، اعضاء اللجنة الوزارية للشؤون الامنية، وربما كل اعضاء الحكومة. من الواضح ان وثيقة البنتاغون لا تلزم اسرائيل، لكنه يمكن الاستنتاج من الموقف المطروح فيها ما الذي سيقوله الامريكيون لاسرائيل اذا ادعت في لاهاي او أي اطار آخر يناقش ارتكاب جرائم حرب، ان المسؤولية تتوقف عند الجيش. هل سيتم التخلي عن قائد لواء قصف مجمعا مدنيا، او طيارا حربيا قصفه حسب معلومات استخبارية وفرها الشاباك وصودق عليها من قبل القيادة العليا، من الكتيبة (او من قبل رئيس التشكيل الجوي) وحتى الحكومة، او انهم سيجلسون معه على مقاعد المتهمين، وربما يكون معهم مستشاروهم الذين شاركوا في المشاورات واضافوا توقيعهم الى اوامر التنفيذ.

لقد وجه تقرير تيركل الحكومة الى التأكد من انه تم في القانون الاسرائيلي استيعاب المنع المطلق في القانون الدولي، للتعذيب والتنكيل، وكذلك استيعاب المعايير الدولية لجرائم الحرب. في السنوات الأخيرة انشغل طاقم مهني في وزارة القضاء والنيابة العسكرية في تحديد اوامر القانون الجنائي الدولي ومقارنتها باوامر القانون الجنائي الاسرائيلي. وتم اعداد وثيقة عمل تضم مئات الصفحات ومسودات المذكرات القانونية لتشريع مخالفة التعذيب في قانون العقوبات وسن قانون جرائم ضد الانسانية او ابادة شعب، كجزء من سياسة منهجية او واسعة. حتى هنا الامر جيد، بل نبيل، ومن هنا، وكالعادة، يتمحور التخبط حول كيفية استثناء نتنياهو وترتيب اعفاء له من المسؤولية. الجيش يطالب بتسريع سن القانون مقابل تعديل مسؤولية الضباط والمسؤولين المدنيين.

وحسب ادعاء الضباط المطلعين على القضية، فان الفصل بين مسؤولية الضباط عن مسؤولية المسؤولين المدنيين هو فصل مصطنع يميز ضد القيادة العسكرية. انهم يطالبون بمعاملة متساوية. القانون الدولي يفرض مسؤولية خاصة على الضباط والمسؤولين المدنيين عن المخالفات الخاضعة لهم، بما في ذلك واجب اتخاذ التدابير لمنع خرق القانون والخطوات القيادية، التأديبية او الجنائية ضد من يخرقون الاوامر. لقد اوصت لجنة تيركل بتحميل المسؤولية الجنائية المباشرة عن المخالفات للمسؤولين والقادة عندما لا يتخذون اجراءات معقولة لمنع المخالفات او لم يحاكموا المسؤولين عن ارتكابها لدي معرفتهم الفعلية بوقوعها.

الضباط يريدون قراءة عبارة “مسؤولية جنائية” في القانون بدون اضافة كلمة “مباشرة” كي يتأكدوا من ان المسؤولية ستلقى ايضا على رجال الشاباك الذين زودوهم بالمعلومات، وعلى الوزراء، وتقليص أساس التجريم العقلي الى “المعرفة الفعلية”.

هذا يعتبر صدى للتذمر العسكري في اعقاب تقرير لجنة “اغرانات” التي قطعت رؤوس رئيس الاركان، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وقائد المنطقة وضباط كبار، وانقذت القيادة السياسية. لقد تعرضت غولدا مئير وموشيه ديان الى هجوم من خصمهما السياسي، مناحيم بيغن، عندما اضطر دافيد العزار الى الاستقالة، ولسعمها بيغن قائلا: “هل يمكن لرئيس الاركان ان يستقيل بينما يبقى وزير الأمن المسؤول عنه، وان يستقيل وزير الأمن وتبقى رئيسة الحكومة المسؤولة عنه؟ اذا كان وزير الأمن هو سوبر رئيس اركان، فرئيسة الحكومة هي سوبر وزير الأمن”. ولم يعرف مناحيم بيغن ما الذي قاله، لأنه بعد تسع سنوات جاءت لجنة “كاهان” التي حققت في مذابح صبرا وشاتيلا، واقصت رئيس الاركان رفائيل ايتان (عمليا سمحت له بالاستقالة كما خطط مسبقا خلال شهر) ووزير الأمن اريئيل شارون، لكنها انقذت رئيس الحكومة بيغن. لقد تم في حينه تحديد مسؤولية شخصية غير مباشرة، ليس بنوايا خبيثة، ولكن بحرف الانتباه وغض النظر عمن كان واجبهم التحذير والمنع.

اما لجان التحقيق أو الفحص اللاحقة فقد تأرجحت بين مختلف مستويات المسؤولية. فلجنة شمغار التي حققت في قتل اسحق رابين ركزت على المستوى التشغيلي (الشاباك والشرطة) وتجاهلت دور رابين، بصفته القيادة السياسية المسؤولة عن الشاباك. ولجنة اور التي حققت في اضطرابات اكتوبر 2000، اصابت القيادة العليا للشرطة ووزير الأمن الداخلي، شلومو بن عامي. اما في تقرير كارثة الحريق الذي اندلع في الكرمل، فقد مسّ مراقب الدولة ميخا لندنشتراوس، بقيادة الشرطة الرفيعة وسلطة السجون ومفوضية الاطفائية ونسب “مسؤولية خاصة” الى وزيري المالية والامن الداخلي. وترأس تشاحنوبر- الذي عمل مع الياكيم روبنشطاين على انقاذ ديان من تقرير لجنة اغرانات – لجنة التحقيق في محاولة اغتيال خالد مشعل، وتشدد مع القيادة التنفيذية (رئيس الموساد داني يتوم)، فيما تساهل مع القيادة السياسية (بنيامين نتنياهو). لجنة تيركل كانت تعرف الحساسية العالية لمسؤولية القيادة المدنية – سيما ان الحكومة مطالبة عمليا بحياكة ملابس اعضائها المتهمين في لاهاي، من خلال تغيير القانون وتفويض لجنة التحقيق بالحكم عليها ايضا (خلافا للجنة فينوغراد مثلا).

يوم امس رفض تيركل التطرق الى وصف موقف الجيش كمطلب بالمساواة في المسؤولية، لكنه قال ان “المسؤولية يجب ان لا تتوقف في أي مكان. على كل القيادة تحمل المسؤولية”. سيكون الاختبار العملي المقبل في تعيين لجنة التحقيق التالية: الى أي حد سيتم تفويضها بالتحقيق في مسؤولية الجهات الحكومية المدنية في شبهات ارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك المخالفات التي سيرتكبها من يخضعون لهم بشكل مباشر وغير مباشر. خصم الجيش الإسرائيلي سيكون منظمة قوية، تعمل في السنوات الأخيرة في وزارة القضاء، وليس تحت الأرض وبدون خجل – جبهة الدفاع عن بنيامين وسارة نتنياهو.

على مسافة من التهدئة

تكتب سمدار بيري، في “يديعوت احرونوت” ان الملثمين علقوا في يوم الاحد ليلا، يافطة كبيرة على مدخل بيت عميد القتلة حسن سلامة في مخيم خانيونس للاجئين. الى جانب صورة سلامة الذي حكم بالسجن المؤبد 46 مرة، بسبب تخطيطه لعمليتين انتحاريتين في الحافلة رقم 18 في القدس، تم رسم ساعة. وبدلا من الارقام كتب أسماء الجنود الاسرائيليين الذين تم خطفهم من قبل الذراع العسكرية لحماس، والذين قتل غالبيتهم.

في المكان المخصص للساعة الواحدة كتب اسم آفي ساسبورتس، وايلان سعدون في المكان المخصص للساعة الثانية، ورونين كرماني في مكان الساعة الثالثة، وفي مكان الساعة الرابعة جندي حرس الحدود نسيم طوليدانو، وفي الخامسة شاحر سيماني، وفي السادسة نحشون فاكسمان، وفي السابعة ساسون نوريال، وفي الثامنة جلعاد شليط، وفي المكان المخصص للساعة التاسعة كتب اسم مقاتل غولاني اورون شاؤول، الذي قتل في عملية الجرف الصامد، والذي لا يعرف مكان دفنه. اما في اماكن الارقام الثلاثة الاخيرة – الساعات 10، 11 و12 – فقد تم رسم علامات استفهام باللون القاتم، المخطوفون الذين سيأتي دورهم.

اسم الملازم هدار غولدن، ضابط وحدة جفعاتي، الذي قُتل في الجرف الصامد وتم اختطاف جثته الى داخل نفق في رفح، لا يظهر على الساعة. لكن رجل اعمال من غزة، تحدثت معه، تكهن بأن هناك اتصالات لاعادة جثته كجزء من اتفاق التهدئة. وقال: “في اللعبة الوحشية التي تحدث الآن، يمكن الافتراض أن الذراع العسكرية تبعث باشارات مفادها أنه سيتم استغلال الجثة كورقة مساومة من اجل اطلاق سراح أسرى”، وأضاف: “يتذكرون في حماس ايضا أن غولدن هو من أقرباء وزير الأمن موشيه يعلون، ويعرفون ايضا أنه منذ الجرف الصامد، رفض يعلون كل الرسائل التي وصلت من غزة”.

يمكن التعرف على الأهمية التي توليها حماس لاطلاق سراح الاسرى كجزء من أي صفقة مستقبلية، من العنوان المسجل في قاعدة اليافطة: “تعاهدنا بالدم، جيل بعد جيل، ولتشل أيدينا اذا تخلينا عن الأسرى”. كما يبدو فان هذا لن يساعد سلامة نفسه الذي تلطخت يديه بدماء عشرات الاسرائيليين. ففي صفقة شليط تم تصنيفه كشخص “يمنع اطلاق سراحه”، ورغم تهديد حماس، “إلا أنه سيخرج من السجن في تابوت”، كما يقول مصدر أمني اسرائيلي رفيع المستوى.

البروفيسور مخيمر أبو سعدة، المحاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة الازهر في غزة يقول ان “الساعة القائمة قبالة بيت حسن سلامة تتكتك فوق رؤوس قادة حماس في القطاع والخارج، وعلى رأسهم خالد مشعل. على خلفية الشائعات حول صفقة التهدئة بين اسرائيل وحماس، فان علامات السؤال الثلاث جاءت لتقول إن هناك خيار آخر، وربما يُعدون لنا المفاجآت”.

ومن اجل منع مفاجآت كهذه وتأجيل المواجهة القادمة قدر الامكان، هناك شخصيات رفيعة تعمل من وراء الكواليس: الدبلوماسي القطري محمد عمادي، رئيس لجنة اعمار غزة الذي يعمل باسم وبتكليف من أمير قطر الشيخ تميم؛ نيكولاي ملدانوف، وزير الخارجية البلغاري الأسبق، المبعوث الشخصي لرئيس الامم المتحدة للشؤون الفلسطينية؛ موسى أبو مرزوق، النائب السابق لخالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس؛ الجنرال يوآف مردخاي، منسق اعمال الحكومة في المناطق.

خلال زيارتي الى الدوحة في الشهر الماضي، كشف لي موظف رفيع المستوى في وزارة الخارجية القطرية أنه توجد لقاءات سرية بين الجنرال الاسرائيلي والوسيط القطري. وقال ان “عمادي حل ضيفا على يوآف في اسرائيل مرتين – ثلاث. والتقى يوآف مع عمادي مرة اخرى في احدى الدول العربية”. واضاف الموظف القطري: “في هذه اللقاءات تم التوصل الى تفاهمات حول الحاجة الملحة لاعمار غزة، ومعالجة الشؤون الانسانية ومنع الجولة العسكرية القادمة. كان مهما لنا التوضيح للجنرال بأننا نريد المساهمة في اعمار غزة وعدم تمويل الارهاب. لا أحد يريد صواريخ على اسرائيل. حماس ضعيفة ومنهكة”. ويتضح الآن أن الرسائل حول رغبة قيادة حماس (السياسية وليس العسكرية)، بتبني التهدئة بعيدة المدى مع اسرائيل، بدأت تصل من غزة بعد شهرين من الجرف الصامد.

في المرحلة الاولى تم ذلك بواسطة رجال اعمال محليين سُمح لهم بالخروج من القطاع ودخول اسرائيل، والذين تم اختيارهم لنقل الرسائل الغامضة، لكنه تم تجاهلهم بشكل مطلق من قبل الطرف الاسرائيلي. بعد شهر تم تزويد هؤلاء الوسطاء بـ”خطة الشروط العشرة” لوقف اطلاق الصواريخ، وتم صياغة وثيقة “التهدئة المتدحرجة” لمدة عام، والقابلة للتمديد لخمسة اعوام اذا استجابت اسرائيل لمطالب حماس. وقال مصدر اسرائيلي إن “حماس اجرت دراسة منظمة لهذا الامر ووضعت خطة لاعادة بناء الاحياء المدمرة، لقد تحدثوا عن الضائقة واليأس لدى من لا يملكون منازل، وعرضوهم كطاقة متفجرة ووضعوا قائمة فخمة لمصادر التمويل. وترافق ذلك بمطلب اقامة مطار وميناء وفتح المعابر الى مصر واسرائيل بدون قيود”. لكنه تم رفض المحاولة الثانية ايضا من قبل ديوان رئيس الحكومة و”الكرياه” (مقر القيادة العسكرية) في تل ابيب.

لكن المصدر الاسرائيلي يقول إن حماس لم تتراجع عن ذلك. “لقد بدأت باغراق كل دبلوماسي غربي وكل شخصية اجنبية زارت القطاع، وتوجهت الى الاتحاد الاوروبي ومبعوث الامم المتحدة، وعملت على تعديل قائمة الشروط العشرة، وطلبت من الوسطاء القول لاسرائيل: اذا لم تردوا بالايجاب، لا نتمكن من وقف الجولة القادمة من المواجهة العسكرية”.

خضار وفواكه من غزة

الآن، ايضا، بعد أن بدأت اسرائيل بفتح ابواب الحصار بالتدريج (خرج في الاسابيع الاخيرة من القطاع نحو ألف شخص يوميا)، وبعد أن حصلت قطر على الموافقة لنقل الاموال والمعدات الى القطاع، وبعد أن حصل نحو 92 ألف مواطن من غزة على مواد البناء – وتم تسجيل اسمائهم بالكامل لمنع تحويل هذه المواد لبناء الانفاق الارهابية – يصر الجانب الاسرائيلي على ان: “لا مفاوضات، مباشرة أو غير مباشرة. ولا يجب الجلوس وانتظار الاتفاق”. مع ذلك تبدو المنطقة اكثر هدوءً. ويقول المصدر رفيع المستوى: “حماس تمنع المنظمات الارهابية من التحرش بإسرائيل، واسرائيل تكافئها بربط القطاع بالغاز الاسرائيلي وبمشروع تحلية المياه. وتم مد انبوب آخر للمياه، وخط كهرباء اضافي من اسرائيل”.

يوم السبت الماضي خرج موسى أبو مرزوق من غزة الى قطر لاطلاع خالد مشعل على المستجدات، وعرض الوثيقة التي صاغها الوسيط البلغاري ملدنوف. ولا تحمل الوثيقة التي تتضمن آخر اقتراحات التهدئة أي بصمة اسرائيلية، ولا حتى عنوان ملزم. الحديث لا يدور عن تهدئة لمدة خمس أو عشر سنوات كما نشر بل عن معادلة اخرى: أعطونا وقفا كاملا لاطلاق النار من غزة وستحصلون على رفع تدريجي للاغلاق من جانب اسرائيل ومصر وامتيازات اقتصادية منها تصدير الفواكه والخضار الى اسرائيل (على حساب الضفة الغربية). وكلما صمد هذا الحل على ارض الواقع، كما يقول المصدر الاسرائيلي، فانه يمكن تمديده ومنح الغزيين امتيازات لقاء “حسن السلوك”.

من أهم الأسس المطروحة على طريق اتفاق التهدئة، اقامة مطار في غزة. في هذا السياق يجب التمييز بين القيادة السياسية لحماس في غزة، التي تبحث عن قنوات تؤدي الى قصر الملك سليمان في السعودية ومكتب الرئيس السيسي في القاهرة، وبين الذراع العسكرية المصممة على الولاء لايران. لقد اوضحوا في الذراع العسكرية أنه لن تكون “تفاهمات” أو “اتفاقات” طالما واصلت اسرائيل الاعتراض على اقامة الميناء البحري في غزة وترفض اطلاق سراح أسرى حماس. من دون ميناء ليس هناك ما نتحدث عنه. وفي المقابل يقول الضابط رفيع المستوى في الجيش الاسرائيلي: “ميناء؟ لم نصب بالجنون بعد. في هذه المرحلة لن يحدث هذا”.

ولكن اذا تم الاتفاق مبدئيا على اقامة ميناء، فمن المتوقع أن ينشأ خلاف حول الرقابة عليه حتى لا يتحول الى قناة اساسية لتدفق السلاح الى القطاع. حماس تقترح رقابة من قبل حلف الناتو يتم تنفيذها من قبل قوة تركية (تركيا عضو في الناتو). واسرائيل لن توافق على التدخل التركي، وهي ستصمم على أن تكون هي المسؤولة عن الرقابة والمتابعة بواسطة “أعين الكترونية” لكل ما يخرج ويدخل الى ميناء غزة، كما يحدث في المعابر الاخرى.

يقول مراقب اجنبي يتابع تبادل الرسائل بين القدس و”الكرياه” في تل ابيب، والقاهرة، والدوحة، واسطنبول ومكتب رئيس الامم المتحدة في نيويورك: “صحيح أن الطرفين، اسرائيل وحماس، يريدان منع الجولة القادمة من المواجهة، لكن رغم التقارير والشائعات، فان نجاح هذا الأمر ليس مضمونا”. وحسب تقديره فانه “حتى اذا تم التوصل الى تفاهمات فمن الصعب تحقيق الاتفاق. ولا يوجد اي سبب للطقوس والاحتفالات”. ويضيف: “ستواصل اسرائيل اعتبار حماس منظمة ارهابية، وحماس بدورها لا تنوي الاعتراف بوجود دولة اسرائيل”.

خلال حديث اجريته مع مصدر اسرائيلي وجدته أكثر تفاؤلا، حيث قال: “حماس تبذل جهود كبيرة الآن لمنع المنظمات الفاعلة من اطلاق الصواريخ على اسرائيل، واسرائيل تزيد كمية مواد البناء لاعمار غزة، وتزيد من تصاريح العبور من غزة الى الضفة. نحن نعمل تحت عنوان “المساعدة الانسانية” و”تحسين مستوى الحياة” في أعقاب الدمار الذي تسببت به عملية الجرف الصامد. وبفضل التفاهمات قام مبعوث قطري بنقل ملايين الدولارات لدفع الرواتب واقامة حي جديد يشمل 48 مبنى متعدد الطبقات، سيسمى باسم الشيخ حمد آل خليفة، والد الزعيم القطري”.

حسب المصدر الاسرائيلي، “دخلت حماس في حالة من الفوضى بسبب احتمال حصول داعش على دعم وتأييد في القطاع. لقد وصلت العلاقة بين حماس ونظام السيسي في مصر الى درك أسفل. وفي الايام الاخيرة فقط قررت القاهرة رفع الضغط عن حماس، وشطب حماس (السياسية) من قائمة منظمات الارهاب. ومع شهر رمضان تفتح لهم مصر معبر رفح، وتمنح قيادة حماس الشعور بالمسؤولية: فاذا تم الكشف عن اعمال لحفر الانفاق باتجاه سيناء وتسلل خلايا ارهابية، سيتم اغلاق كل شيء من جديد”.

محادثات التهدئة في المقاطعة

في هذه الاثناء، وفي حين يجلس خالد مشعل وموسى أبو مرزوق في قطر، تقود التقارير التي تحلق من فوق رؤوسهم الى اتجاهات متناقضة. اسامة حمدان، المسؤول عن العلاقات الخارجية في حماس، يؤكد: “حصلنا على وثيقة”، وفي نفس الوقت يُقسم: “لن يكون اتفاق مع اسرائيل قبل اطلاع الفصائل الفلسطينية عليه”. من جهة اخرى يحاول نبيل أبو ردينة، المتحدث باسم أبو مازن، اقناع الجميع بأن فتح لا تعارض التهدئة، لكنها يشجب في القوت ذاته عمل حماس من وراء ظهر أبو مازن. وعلى الفور يتلقى محادثة من القيادي في حماس، احمد يوسف، الذي يدعي أن “أبو مازن يشوش عمداً عملية اعمار غزة”. ويقترح عليه أن يستقيل ليحل مكانه من هو أصغر سنا وأكثر كفاءة لادارة شؤون فلسطين”.

الجنرال مردخاي، حسب ما ابلغني الموظف في وزارة الخارجية في الدوحة، اقترح بأن يصل المبعوث القطري الى رام الله لوضع ابو مازن في الصورة، كي لا يشتبه بأن هناك من يحاول الالتفاف عليه او تجاهل السلطة الفلسطينية. وقد زار عمدي فعلا مرة او مرتين المقاطعة، لكن رئيس السلطة لم يقتنع. ويقول المسؤول القطري ان “ابو مازن يشتبه بأن نتنياهو يساعد على اقامة كيان مستقل في غزة، ولذلك فانه يمكنه ان يعلن عن غزة كـ”كيان متمرد” واعلان “الانفصال”، تماما كما انفصل الملك حسين في حينه عن الضفة”.

في يوم الثلاثاء ليلا تم الاعلان عن قرار أبو مازن حل حكومة الوحدة الفلسطينية. هذه الحكومة لم تعمل، لكن حلها جاء ليعكس خيبة الأمل والغضب لدى رئيس السلطة. وقد ألغى أبو مازن زيارته الى غزة، وحماس أعلنت أنها لن توافق على نصب رجال اجهزة السلطة الامنية على المعابر. كلما وقفت غزة من جديد على أقدامها، بتمويل من قطر وبدفع من اسرائيل، هكذا ستضعف المقاطعة في رام الله. ويقول احد الهامسين في أذن الرئيس الفلسطيني: “أبو مازن سيشكل الآن حكومة من الموالين له، ويطرد كل من هو مقرب من حماس″.

يقول البروفيسور أبو سعدة: “حياتنا في غزة تسير في ظل شبهات قوية. نشتبه بقيام مصر باغلاق معبر رفح، لأنه لا يهمها حقا أن تشكل مسارا للخروج الدائم لمليوني شخص من غزة. ونشتبه بأن ابو مازن سيشوش نقل رواتب 30 ألف موظف في القطاع. ونشتبه بأن نتنياهو لا يبذل الجهد لتحقيق اتفاق التهدئة، تماما كما لا يبذل الجهد أمام أبو مازن في رام الله”.

فوق هذا كله، يحوم التساؤل الكبير: كيف يمكن الحفاظ على التهدئة وفرضها على الاذرع العسكرية والمليشيات في غزة؟ ما الذي سيهدئ كتائب عز الدين القسام؟ ما الذي سنقترحه بدون اطلاق أسرى حماس؟ لكنه بدون اتفاق، ايضا، تم تحقيق تفاهم واحد بين غزة والقدس: اعادة القاهرة الى الصورة. اسرائيل تعتمد على السيسي وتعرف كيف سيعامل حماس. وهي تفضل استبعاد قطر واخراج ايران من الصورة، في أسرع وقت ممكن.

الحرب بعد الحرب

يكتب نداف شرغاي، في “يسرائيل هيوم” ان النقيب ديمتري (ديما) لويتس سقط قبل حوالي سنة، في الاسبوع الثالث لحملة الجرف الصامد. وقد عمل القناص الذي اطلق عليه النار من مسافة قريبة، من داخل عيادة في قلب حي الشجاعية. في تلك الايام استخدمت حماس علانية المدنيين والمنشآت المدنية كدرع بشري. وفي اطار هذه الرؤية “الحربية” وجدت حماس في العيادات والمستشفيات ملاذا شبه متكامل لمحاربيه. وافترضت حماس (وغالبا بصدق) بأن الجيش لن يدخل الى هذه المباني وان الجيش لن يقصف العيادات والمستشفيات. وبعد اسبوع من مقتل لويتس داخل دبابته، قتل ثلاثة جنود آخرين في مبنى عيادة، تم حفر نفق هجومي داخلها، في شرق خان يونس. وقام المخربون بتفجير 12 عبوة ناسفة تم زرعها في جدران العيادة ودمروا المبنى على من تواجد فيه.

كلما تواصلت الحملة وتراكم في ايدي الجيش المزيد من المعلومات، اتضح مدى اتساع استخدام حماس للمنشآت المدنية والبيوت عامة، والعيادات والمستشفيات خاصة. ووصلت المعلومات من الميدان ومن خلال التحقيق مع المخربين او المشبوهين بعمليات تخريب. وتبين من التحقيق الذي اجراه الشاباك مع محمد ابو دراز، مثلا، انه عمل في حفر نفق بالقرب من عيادة ورياض اطفال كانتا متجاورتين. وقال ان “قادة حماس امروني باختطاف الجنود الى رياض الاطفال”.

في الشجاعية التي قتل فيها لويتس في صباح 22 تموز، دارت معارك ضارية، وهرب غالبية السكان من هناك تقريبا. ووقعت عشرات الصدامات بين الجيش والمخربين في الحي الذي تحول الى خرائب. لقد عمل الجيش في الشجاعية، ايضا من اجل العثور على انفاق ومن اجل وقف اطلاق الصواريخ والقذائف على اسرائيل.

لقد اضيفت الى التقرير الذي نشرته وزارة الخارجية هذا الاسبوع، بمرور سنة على حملة الجرف الصامد، صور جوية كثيرة للاحياء التي تم اطلاق النيران الكثيفة منها باتجاه اسرائيل. وتم تحديد مواقع اطلاق النار بواسطة دوائر حمراء. وهناك احياء قليلة تم تغطيتها كلها تقريبا بالدوائر الحمراء، كان الشجاعية احدها.

لحظة من نشر تقرير وزارة الخارجية، وقبل لحظة من نشر تقرير الامم المتحدة، هناك اهتمام كبير بتفاصيل موت لويتس وبحكاية رد المقدم نريا يشورون، قائد كتيبة “غاعش” في اللواء السابع، على سقوط جنديه، احد قادة الكتائب التابعة له. هذا الحادث لا يحكي فقط حكاية الحرب وتعقيدات الحرب امام “لاعب غير دولي” يتحدى كل قوانين الحرب المعروفة. انها تحمل في طياتها ايضا، عدة خطوات مررنا بها هنا خلال السنة المنصرمة منذ الجرف الصامد.

بعد مقتل لويتس قامت قوته بعملية انقاذ وتراجعت الى الوراء، نحو منطقة آمنة. وفي الصباح عاد المحاربون الى مواقعهم المتقدمة، وبعد الظهر دفن لويتس على جبل هرتسل في القدس. وكان يشورون ورفاقه يرغبون بمرافقته في طريقه الاخيرة، لكنهم كانوا يتواجدون في خضم الحرب. وكان البديل رثاء غير اعتيادي، القاه يشورون عبر شبكة الاتصال الخاصة بالكتيبة، وترك اثرا كبيرا في نفوس الجنود وتم اقتباسه في اليوم التالي في عدة وسائل اعلام.

لقد تحدث يشورون عن لويتس الذي “شارك في حملة لانقاذ سكان النقب واسرائيل عامة” وعن عدالة الحرب في غزة، ولكن في الأساس عن الفارق بيننا وبينهم. “في الوقت الذي دخلنا فيه الى هنا ونخاطر بانفسنا من اجل حماية سكان الجنوب من الصواريخ، يدخلون هم الى المساجد والمستشفيات والمدارس ويطلقون النار علينا من هناك. هذا هو تماما الفارق الجوهري بيننا وبينهم. وقد فهم لويتس هذا الفارق جيدا وضحى بروحه بشكل يثير الاحترام ويستحق التقدير”. واضاف يشورون: “في هذه الساعة تماما، حين يجري دفن لويتس على جبل هرتسل في القدس، القلب يرغب بأن يكون هناك، ولكن العقل يقول انه يجب ان نكون هنا ونواصل. لم نأت الى هنا من اجل المتعة. لدينا مهمة بالغة الاهمية وانا افخر برؤيتكم تشاركون فيها”.

وفي هذه اللحظة انتقل قائد الكتيبة الى الحديث العملي: “اريد من هنا، من وسط حي الشجاعية في غزة، ان ننضم الى كل الناس الذين يرافقون ديما (لويتس) في طريقه الأخيرة، وان نطلق صليه من النار تقديرا واحتراما لهذا الضابط، على العيادة التي اطلقوا منها النار على دبابته وقتلوه. انا اعتمد عليكم وافاخر بكم. استعدوا للاحتكاك لذكرى ديما، ولتكن روحه ملفوفة برباط الحياة، امين”.

“اذا كانت هناك جريمة فليحققوا”

“نيران التكريم” التي اطلقت باتجاه العيادة في حينه استقبلت باحترام رغم انه لم يتم اطلاقها حسب البروتوكول. وتم تفسيرها كخطوة رمزية وعادلة. وحسب المعلومات فقد تم اطلاق النار على بناية فارغة لم تستخدم كعيادة في حينه، في المنطقة التي كانت خالية من السكان. وفي حينه سمح الناطق العسكري لوسائل الاعلام بنشر شريط خطاب يشورون. ونشرت اقواله ايضا في مجلة الجيش الرسمية “على اليابسة”. واقتبست نريا الذي قال انه فور اطلاق النار على المبنى تم اطلاق النار المضادة عليهم. وروى ضابط العمليات في الكتيبة، النقيب غلعاد، الذي استبدل لويتس، انه اثناء اطلاق النار على العيادة لم يستطع حجب دموعه. وشعر انه “تم اغلاق الدائرة”. واشير الى هذا الرثاء في متحف المدرعات في الجيش الاسرائيلي.

قبل عدة اسابيع نشرت الصحفية والمدونة الامريكية شارلوت سيلبر في الموقع المناصر للفلسطينيين “الكترونيك انتفاضة” مقالة معادية لـ”رثاء التكريم”، وعرضت اطلاق النار على انه كان بدون جوهر. وبثت القناة العاشرة تقريرا في اعقاب ما نشرته، وبعد ذلك امر النائب العسكري الرئيسي الشرطة العسكرية بالتحقيق في ادعاء اطلاق النار الممنوع باتجاه عيادة.

لقد فاجأ نبأ فتح التحقيق ضد قائد الكتيبة الذي يحظى بالتقدير، الكثيرين واغضبهم. وتم تسجيل الاف “اللايكات” في صفحة الفيسبوك التي فتحها رفاقه. وقال سائق لويتس، الرقيب بيني شاكير ان هذا التحقيق مهووس. ويعتقد نائب يشورون، عميحاي حرمش، ان الخطوة الرمزية التي قام بها يشورون يجب فحصها بما يتفق مع ظروف الزمان والمكان وليس على ضوء القانون الجامعي. وفي الجيش يقولون انه يجري فحص الحقائق ولم يتم اتخاذ قرار بعد.

يشورون الذي امضى 18 عاما في الجيش فيمنع من الادلاء بتصريحات صحفية. لكنه يسمح لزوجته نعمى بعمل ذلك. نعمى تقيم في “جبعات هيوبيل” في مستوطنة عيلي، مقابل بيتي سارة كلاين، ارملة روعي كلاين، وشلوميت بيرتس، ارملة اليراز بيرتس الذي سقط في غزة قبل خمس سنوات. ثلاثتهن صديقات مقربات. وهي تعتقد ان “احد ما اصيب بالارتباك هنا، ففي اللحظة التي تم اطلاق النار فيها من داخل العيادة التي استخدمت لنشطاء الارهاب، لم تعد عيادة وانما تحولت الى موقع. اذا كانت هنا جريمة حرب فليحققوا. ليست لدي مشكلة في ذلك، ولكن ان يحولوا خطوة نريا المبلورة والتي ترفع المعنويات الى جريمة؟ أهذا هو حقا الحدث الذي يجب التحقيق فيه؟

وتضيف نعمى: “الشجاعية كانت وكرا للدبابير، منطقة حرب، والبيت الذي قتلوا ديما منه قبل يوم كان مهجورا. خلال سنة لم يتذمر احد، ولم يطرح احد أي ادعاء بتاتا بأن مدنيا اصيب هناك بشكل خاص جراء نيران التكريم. انطباعي النقي هو ان ما يحدث هو خطأ ومن اجل كرامتنا جميعا سيكون من الافضل تصحيحه عاجلا”.

المخابرات ساعدت رجال القانون

وربما ليس المقصود ارتباك وانما لعبة معروفة مسبقا. إسرائيل تدير معركتها ضد تشويه سمعتها وسلوك جنودها في الجرف الصامد بثلاثة طرق. الاولى توثيق مفصل وحريص لسلوك الجيش خلال الحرب، والثانية توثيق واسع لجرائم الحرب الواضحة التي ارتكبتها حماس في العلن او في الخفاء خلال الحرب، على ايدي طواقم من المهنيين في المحال القضائي والعسكري، والثالثة، توجيهات قضائية حصلت على دعم سياسي، مفادها ان افضل الطرق للتخلص من لجان التحقيق والمحاكم الجنائية الدولية تمر عبر التحقيق الجدي المستقل للتهم المطروحة ضدنا.

كما يبدو فقد دخل يشورون الى هذا المسار القضائي، او الى ما يسمى في الجيش “القبة الحديدية القضائية”. نقطة انطلاق رجال القانون الإسرائيليين هي انه عندما تحقق الدولة مع رعاياها ومواطنيها بجدية، وتقدمهم الى القضاء اذا لزم الامر، فان هذا يشكل حماية لهم من القضاء الاجنبي، ومنع تدخل القانون الدولي. من المشكوك فيه ان اطلاق النار على العيادة التي حولتها حماس الى موقع عسكري كان سيصل الى العناوين وفي اعقاب ذلك الى التحقيق لولا اجواء “عليهم” التي يتعرض لها الجيش ودولة إسرائيل من قبل تنظيمات المقاطعة والدعاية التي يحاول الفلسطينيون فرضها في انحاء العالم.

لقد تعامل الجمهور الاسرائيلي مع عمل يشورون، طوال نحو سنة، على انه الميراث الحربي الشرعي بل والمثير للالهام. ولذلك يسمح لنا بالتساؤل عما تغير بين الاشهر التي اعتبر فيها الجيش ومنشوراته اطلاق النار على العيادة عملا مناسبا، وبين النشر الاعلامي الذي قاد الى فتح التحقيق. إسرائيل تحارب الاكاذيب التي يتم نشرها عنها ليس فقط بواسطة التحقيق وانما ايضا، من خلال نشر معلومات قيمة. وهذه المعلومات تتعلق بالسلوك الحريص للجيش خلال الحرب، الذي حظي في فترات كثيرة بمرافقة قانونية، وكذلك بجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية التي ارتكبتها حماس.

التقرير الذي نشرته وزارة الخارجية يصف مثلا التنسيق غير المسبوق، واحيانا العبثي، بين رجال القانون العسكريين ورجال الاستخبارات والقيادات الميدانية المقاتلة: الاف الاهداف، كلها مدنية ظاهرا، كانت ضمن بنك اهداف الجيش وتم تحديدها كلها باللون البرتقالي. لقد زودت الاستخبارات رجال القانون بمعلومات حول هذه الاهداف، وطلب اليهم اقناع القيادة القانونية بأن هذه الاهداف المدنية هي في الواقع “عسكرية ارهابية”. وكان محامو الجيش ضالعين اكثر من مرة في تخطيط الهجمات، وهم من حدد ما اذا كان الهدف مشروعا او غير قانوني، وهم من حدد ما اذا كان يجب تحذير سكان المبنى ام لا وبأي شكل.

في الشجاعية عثر الجيش على دليل للمحاربة داخل المنطقة المأهولة، اصدرته حماس. ووجه الدليل مقاتلي حماس الى جر الجيش اكثر ما يمكن الى داخل المناطق المكتظة بالسكان. وشجعت حماس المدنيين على التجمع على اسطح البيوت، لمنع سلاح الجو من مهاجمة بيوت نشطاء الارهاب. بل قام الناطق بلسان حماس، سامي ابو زهري، بدعوة المدنيين الى تشكيل “درع بشري” امام هجمات سلاح الجو. ونشرت حماس وثيقة تدعو سكان الاحياء الى عدم ترك بيوتهم ورفض الانصياع لتحذيرات الجيش.

عندما فتحت الاونروا مدارسها للمدنيين الهاربين تعرضت الى الانتقاد الشديد من قبل حماس، وفي مرحلة معينة اكتشفت الاونروا ان بعض مدارسها تحولت الى مستودعات للصواريخ. كما هددت حماس المدنيين لئلا يقتربوا من المستشفى الميداني الذي اقامه الجيش على اطراف القطاع. وطوال الحرب مجدت الاستشهاد واستهترت علانية بـ”المتخاذلين” الفلسطينيين الذين ينتقدون عدد القتلى المرتفع في صفوف المدنيين.

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا