للمرة الثانية: غزة أولًا.. بقلم: بنداتا بريتي وعنات كورتس

المقال نشر في “نظرة عليا” الصادرة عن مركز دراسات الأمن القومي، ويقترح كاتبا المقال (بنداتا بريتي وعنات كورتس) ضرورة تغيير السياسة المتبعة تجاه حماس وغزة منذ 2007، وذلك بالنظر الى فشل تلك السياسة في إخضاع وعزل حماس وتقدم العملية السياسة، أيضًا يقترح المقال العدول كليًا عن تلك السياسة التي عمدت الى تشجيع الشرخ بين حماس والسلطة، وذلك بجعل الدمج السياسي بين غزة والضفة يتصدر سلم الأولويات كوسيلة لإعادة العملية السياسية الى مسارها، لأن التجربة أثبتت – بحسب المقال – ان تجاهل حماس جعلها تعلق آمالها على الكفاح المسلح لإفشال العملية السياسة التي لا تشارك فيها أو لا تحظى منها بفائدة. كما ويقترح المقال الحث على قيام تنسيق حقيقي بين السلطة وحماس؛ بل بذل جهود حقيقية لتحقيق مصالحة بين الطرفين المتخاصمين وبلورة قواعد لعب جديدة، وبحسب كاتبيْ المقال فإن المبادرة السياسية الجديدة للانطلاق من غزة يجب ان تثبت أو تطمئن حماس أن الهدف من الإعمار لا يعني نزع سلاحها أو التخفيف من تواجدها العسكري “فهذا هدف غير واقعي في المرحلة الحالية”، فجوهر الانطلاق يجب ان يوحي لحماس أن عليها القيام بتنازلات كثيرة، سواء لإسرائيل أو السلطة، إذا كانت معنية بعدم الدفع بمخاطرات تهدد مشروع حكمها لغزة، وإلى المقال.

في الأسابيع الأخيرة؛ عاد واستيقظ التخوف من التصعيد العسكري في قطاع غزة، توترات داخلية في القطاع بين حماس وتنظيمات الجهاد السلفي المحلية؛ من شأنها أن تجر إسرائيل وحماس لجولة مواجهة أخرى ليس الطرفان معنييْن بها، بينما في الخلفية النقاش الحالي حول الوضع الأمني على الساحة الغزية، ويجب ذكر العلاقة السياسية الجيوستراتيجية الأوسع، التي في إطارها تواصل غزة لعب دور أساسي وحاسم على وجه الخصوص.

بعد جولة الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحماس في صيف العام 2014، وعلى ضوء نتائجها الاقتصادية والإنسانية الخطيرة التي حطت على قطاع غزة أثناءها؛ لوحظ اهتمام متزايد بترميم البنى التحتية الاقتصادية والمدنية في القطاع، وإضافة الى ذلك، وعلى خلفية ضعف حماس النسبي، فتحدي الاعمار فُسر وبشكل متصاعد من قبل جهات غربية معنية بالعملية السياسية كرافعة محتملة لوقف إطلاق النار طويل الأمد بين حماس وإسرائيل، وبالتالي كوسيلة لتحقيق الهدوء على الساحة الإسرائيلية الفلسطينية قاطبة.

المثير للاهتمام ملاحظة الشبه بين التركيز الحالي على قطاع غزة وبين المنحنى التفكيري الذي سيطر على الخطاب حول العملية السياسية في الفترة التي تلت توقيع اتفاقيات أوسلو مباشرة، غزة (أريحا) أولًا (اتفاق القاهرة)، والذي تم في مايو 1994 بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية عند قيامها، هناك فجوات كبيرة بين تلك الفترة وبين الفترة التي نحيا، وسيما فيما يخص الثقة، ومن ناحية أخرى؛ فالطرفان في واقع الأمر لديهما القدرة على التقدم نحو اتفاق سلام شامل، وكذلك الشعور بتماسك الساحة السياسية الفلسطينية، ورغم ذلك، وهذا هو الشبه بين ذات الفترة والفترة الحالية، غزة عادت لتعتبر أكثر فأكثر نقطة منها يمكن أو ربما يجب ان يتجدد الحوار السياسي الجغرافي بين إسرائيل والفلسطينيين، لا شك ان تطبيق خيار غزة أولًا كعصا القفز لتقدم العملية السلمية ستكون أكثر تعقيدًا، وسيما على ضوء حقيقة انفصال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الى ثلاثة صراعات في العقدين الأخيرين: بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحماس.

ولكن أحد الدروس الأساسية التي استفيدت من العوارض في تلك السنوات الملتهبة هو أن محاولات الماضي في التنصل من قطاع غزة ومن حماس من أجل الانطلاق العملية السلمية لم تقرب إسرائيل والفلسطينيين من اتفاق السلام، بعد فوز حماس في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية التي اجريت في العام 2006 تقدمت الصيغة الأساسية الإسرائيلية تجاه السياسة الفلسطينية (تشجيع جهات دولية رائدة، وعلى رأسها الولايات المتحدة) وبتشجيع من الخلاف القائم بين فتح وحماس كوسيلة لإضعاف حماس، بعد ان أصبح العداء الفلسطيني الداخلي عنيفًا وأدى الى سيطرة حماس على قطاع غزة في العام 2007؛ ركزت السياسة على جهد إضعاف حماس من خلال عزل حكومتها في غزة كلها.

على هذه الخلفية فُسر تجدد الحوار بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية التي تقودها فتح بانها الطريقة لدفع تحقيق تفاهم إسرائيلي فلسطيني أو كفرصة لمواصلة عزل وإضعاف حماس على حد سواء، ومع ذلك؛ السياسة الجامعة للقيود الاقتصادية والعزل السياسي لم يخضع حماس، وبنفس القدر الذي لم يساعد فيه التنصل من قطاع غزة في إحداث تقدم باتجاه الاتفاق السياسي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

بكلمات بسيطة؛ التنصل من المشكلة لم يحلها وإنما فاقمها، واليوم مثل الأمس حماس وقطاع غزة بقيا مكونيْن أساسييْن في الساحة الفلسطينية والتعاطي معهما ضروري لأي مسعى باتجاه عملية سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، ومن المنظور الاقتصادي؛ فقطاع غزة والضفة الغربية ابتعد كل منهما عن الآخر منذ بداية التسعينات، ومنذ 2007 الفجوة بين المنطقتين آخذة في الاتساع، ولكن وفي نهاية الأمر فالربط الاقتصادي بينهما، سواء من خلال الاستثمار في تطوير الاقتصاد في قطاع غزة أو بتشجيع العلاقات الاقتصادية بين غزة والضفة الغربية، سيقوم ذلك بدور حاسم في قدرة الدولة الفلسطينية العتيدة على الوجود والبقاء، وإلى حين ذلك فعلى الأسلوب الدولي تجاه قطاع غزة ان يتركز على ثلاثة مستويات: مال أكثر ووصول أكثر واستيعاب أكثر.

– مال أكثر: جهود إعمار قطاع غزة تتميز بنقص التمويل، فبينما جميع المنظمات الدولية العاملة في غزة تقريبًا تنقصها الموازنة المطلوبة للإعمار والمساعدة، وأضف الى ذلك فإن حوالي ربع المنح التي وعد بها فقط لمشروع الإعمار، وهو المبلغ المقدر بحوالي 3 مليار دولار، هو ما وصل الى القطاع.

– وصول أكثر: بهدف السماح لمشروع الإعمار بضخ مواد البناء الإضافية الى القطاع، وفي لقاء تخفيف القيود الاقتصادية المفروضة على المنطقة والتنقل على المعابر الحدودية، سواء من الجانب المصري أو من جانب إسرائيل، ولكي يكون ممكنًا السماح بذلك مع الاخذ بعين الاعتبار مخاوف إسرائيل من الانعكاسات الأمنية لدخول غزة والخروج منها؛ فالمطلوب نشر مسبق لقوات أمن السلطة الفلسطينية على الحدود، وكذلك عودة قوةEUBAM التابعة للأمم المتحدة الى المنطقة، وأكثر من ذلك فمعنى الوصول الأكثر العمل على قلب الوضع الحالي من عزلة غزة والخلط مجددًا بين أسواق القطاع والضفة الغربية.

بالنسبة للسلطة الفلسطينية فالضم ليس ضروريًا، فقط ممكن ان نؤسس من جديد – بطريقة أو بأخرى – تواجدها في قطاع غزة، لكن يجب أيضًا الدفع باتجاه هدف الاستقلال الفلسطيني. التنصل من حماس، وهي الجهة السياسية المسيطرة في غزة، تنصل من ان فرض اتفاق سياسي لا تكون حماس مستعدة لقبوله، ولو بشكل غير علني، سيصعب على فتح تجاوزه حتى في الضفة الغربية، ناهيك عن غزة نفسها، يفترض فعلًا ان تؤسس حماس آمالها على الكفاح المسلح بهدف تشويش العملية التي لا تشارك فيها، والتي قد لا تحظى منها باي فائدة.

– استيعاب أكثر: يبدو انه حان الوقت لوقف إطلاق النار المتواصل بين إسرائيل وحماس، منذ انتهاء الجولة السابقة فالطرفان أبديا مرة تلو أخرى إصرارهما على عدم الوقوع في أيدي الفصائل الجهادية التي تريد إشعال جولة أخرى من العنف على الساحة الغزية، ولكن لا يجب السعي الى تفاهم صريح أو ضمني بين إسرائيل وحماس على حساب السلطة الفلسطينية، والعكس صحيح: يجب إبقاء الدمج السياسي المتجدد بين غزة والضفة الغربية على رأس سلم الأولويات كوسيلة لإعادة العملية السياسية الى مسلكها، وكذلك من الضروري ان نقدم فورًا تنسيقًا مؤسسيًا بين السلطة وحماس، إذ أن الحكومات المانحة الأساسية تضع فعلًا وبحق مشاركة السلطة في ورشة الإعمار كشرط مسبق لذلك، فالمال المطلوب والموعود به سيحول وسيتقدم المشروع بكل عنفوانه، لذلك يجب المثابرة على الالتزام للسلطة الفلسطينية كشريك فلسطيني في العملية السياسية، من خلال دعم اقتصادي حقيقي ومستمر وأمور أخرى، الى جانب مراقبة حثيثة للتنسيق الحقيقي بين السلطة وحماس؛ بل قد يتطور الأمر الى مجهود مصالحة آخر بين الطرفين المتخاصمين وبلورة قواعد لعب جديدة، وكذلك موازين قوى مؤسسية بينهما.

لا شك بأن مبادرة سياسية مفصلة، ولو خطة تنفيذية متدرجة طويلة الأمد فقط، تسهم في إقناع السلطة الفلسطينية ان خطة غزة أولًا ثانية ليس معدة لتجاوزها كممثل شرعي للشعب الفلسطيني في العملية السياسية، وبهذا تليين موقفها تجاه التنسيق مع حماس.

بالنسبة لحماس؛ فمبادرة سياسية تثبت للتنظيم أن مشروع الإعمار ليس الهدف منه بأي حال من الأحوال التخفيف عن تواجده العسكري في القطاع؛ غير ان نزع سلاح حماس هو هدف ليس واقعيًا في الظروف الحالية، وكذلك كبح مجهود تسلح التنظيم سيكون عصيًا على التحقق أو التنفيذ، بينما جوهر الانطلاق في طريق الإعمار الشامل للقطاع يجب ان يوحي لحماس ان عليها القيام بتنازلات كثيرة في المقابل، سواء تجاه السلطة أو تجاه إسرائيل، إذا كانت معنية فعلًا بعدم الوقوع في مخاطرات أخرى على حكمها في القطاع.

على أية حال؛ يجب ان ننظر الى تغيير سياسة عزل غزة وحماس، مع تركيز الاهتمام على غزة أولًا؛ ليس فقط كخطوة هدفها إحباط التدهور الى جولة عنف جديدة في المستقبل القريب، وإنما أيضًا عملية محتواها تمهيد الطريق أمام تجدد حوار بناء بين إسرائيل والفلسطينيين.

اطلس للدراسات

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا