المُغَامَرَةُ الأمْرِيْكِيَّةُ

ما نراه اليوم على المشهد العربي من انقسامات سياسية وتحزب وعنصرية قبلية مع تزايد حدة التقسيمات الافتراضية لدويلات صغيرة رهن الإنشاء يجعلنا نؤكد بشدة ويقين بأن نظرية المؤامرة التي تكرست منذ إعلانات سياسية ضاربة في القدم مثل معاهدة لندن 1840، وامتياز حفر قناة السويس لمدة تسعة وتسعين عاماً، واتفاقية سايكس ـ بيكو، ووعد بلفور، وغيرها من الإحداثيات السياسية التي جاءت لتدشين دولة صهيونية في قلب العالم العربي ـ أن هذه النظرية تحولت بفضل الدعم الصهيوني لها إلى ممارسات فقهية، لا بالمعنى الديني الذي يرمز عادة إلى الممارسات الدينية والعبادات والمعاملات القائمة على مرتكزات دينية بل فقهية بمعنى التقعيد والتعزيز للمارسة السياسية.

وإذا كانت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندليزا رايس كانت قد فجرت مصطلح الفوى الخلاقة لأول مرة عقب حرب الخليج الثانية والمعروفة بحرب تكسير العظام لدولة العراق وحاكمها آنذاك صادم حسين، فإن الفكرة جاءت كدعامة مستمرة في سلسلة الدعم الأمريكي على مستوى الإدارة السياسية للكيان الصهيوني، والفكرة كان رهانها الحقيقي أنه بات من الصعب أن تعيش دولة إسرائيل أو بالأحرى الكيان الصهيوني الخبيث وسط دول وكيانات كبيرة الحجم جغرافياً وسكانياً.

لذلك بات من اليقين في ذهن الإدارة الأمريكية منذ تفتيت القوة العراقية عقب سقوط نظام صدام حسين السياسي على أيدي التحالف البريطاني الأمريكي بدعم مالي صهيوني أن الكيان الخبيث لا يمكنه السيطرة الفعلية والنشطة في المنطقة إلا إذا انقسمت الكيانات العربية الكبيرة إلى جيوب سياسية صغيرة تتناحر وتتزاحم من حيث المطامح السياسية والعسكرية تنفيذاً لفكرة المؤامرة التي تفيد أن يأكل الكل نفسه حتى يتحول إلى أجزاء أو أقسام مجتزأة صغيرة غير قادرة على المواجهة أو الصمود، وغير قابلة للاكتمال مرة جديدة.

فوجدنا حركات اعتاد الإعلام العربي والأجنبي على توصيفها بالتنظيمات الإرهابية أو المتطرفة كجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وليبيا،وبعض فصائل الإسلام السياسي في البحرين والجزائر وتونس، والحوثيين أخيرا في اليمن، وعما قريب ستظهر كيانات جديدة أخرى تحاول اقتناص المشهد السياسي باستخدام السلاح أو من خلال تقويض الكيانات الكبيرة التي تضمها مثل هذه الحركات عن طريق التظاهر وأعمال التخريب وإعلان العصيان المدني وترويج الشائعات وترويع الآمنين عن طريق وسائط إعلامية وتهديدات بوجود قنابل بالمرافق العامة.

وإذا كانت نظرية المؤامرة إرثاً ثقافياً منذ الغضبة الأوروبية على مشروع محمد علي باشا النهضوي والعسكري، فإن النظرية حينما تحولت إلى ممارسات فقهية سياسية بالمعنى الذي أشرنا إليه سالفاً، فإن الإدارة الأمريكية رغم إعلانها العبيط والساذج والطفولي بوجود خلافات في الرؤى والطرح بين باراك أوباما وبينياين نيتانياهو ستسعى جاهدة إلى إحباط أي محاولات جادة لتوحيد الصف العربي وهو الشأن الذي يثير قلق الإدارة الأمريكية والحكومة الصهيونية في الوقت الراهن.

والإدارة الأمريكية ذاتها اليوم بعدما أفقدتها ثورات الربيع العربي القدرة على التجسس والتغلغل داخل نسيج المجتمعات العربية أصبحت بين مطرقة وسندان بغير مبالغة ودونما الاستنتاد إلى قنوات إعلامية تبث إشارات سلبية كالشرق ومصر الآن والحوار ومكملين وغيرها من قنوات بير السلم. مطرقة الوحدة العربية المشتركة على المستويين الاقتصادي والعسكري بزعامة مصرية خالصة وإن بدت قطر تعاني مشكلة الامتثال للاتحاد العربي بريادة مصرية لأنها وجدت ضالتها السياسية في دعم أمريكي وتدليل تركي موقوت زمنيا. وبين سندان الشعوب العربية التي أصبحت أكثر وعياً بحاضرها واستفاقت مؤخراً على قدرها ومكانتها التاريخية المزدهرة. الاخوان وأمريكا

وأمريكا التي استفاقت منذ أكثر من عامين على ربيع عربي أشبه بالعاصفة أسقطت معها كل الأنظمة الاستخباراتية التي طالما أرهقتنا بقوتها وجودتها وكفاءة القائمين عليها، ومشكلة الإدارة الأمريكية أنها تقيس أداءها الداخلي بنفس معطيات ثقافة المواطن الأمريكي وما يمكن أن توجهه من خلال حزمة من السياسات والبرامج التي لو تم تطبيقها على مواطن الشرق الأوسط لنالت نفس النجاح ولحققت النتائج المتشابهة مع الواقع الأمريكي، لكن بلدان الشرق الأوسط وتحديداً مصر التي تنفرد بمزايا استثنائية لا يمكن أن تنجح فيها أو معها السياسات الأمريكية التي تستهدف خنوع المصريين لمصلحة الكيان الصهيوني، وأن فكرة بث مفاهيم وافدة تتعلق بمجالي التعليم والصحة لاسيما الإنجابية باتت بالفشل لأن عقيدة المصريين الثقافية ضاربة في الأزل وغير قادرة على استيعاب مفاهيم تزلزل منظومتها الثقافية.

ويمثل دعم الإدارة الأمريكية لبعض منظمات المجتمع المدني صورة من صور التغلغل الثقافي والاجتماعي في بلدان الشرق الأوسط، وعن طريق المشاركة الثنائية بينهما تم عقد مئات الندوات وورش العمل تحت دعاوى الديموقراطية وتعضيد الدولة المدنية من أجل تعزيز بعض المفاهيم الغربية التي سعت الإدارة الأمريكية في تكريسها وإكسابها لبعض طوائف الشعوب العربية، ورغم هذه الجهود التي لم تهدأ يوماً إلا أن شعوب الربيع العربي كل يوم تصفع وجه هذه الإدارة من جديد.

وثمة أمور أخرى تلوح بالأفق السياسي تجعل الإدارة الأمريكية قلقة بشأن الراهن العربي الذي كان الملف الأكثر إثارة في أجندة العلاقات الصهيونية الأمريكية المشتركة.أبرزها أن المساعي التنوية التي دشنتها الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة من خلال مبادرات تعليمية وتنموية اجتماعية وممارسات ثقافية جميعها باءت بالفشل عند أول صوت ارتفع بوجه الحكام الذين شاخوا وشاخت أنظمتهم السياسية كمبارك وزين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح والقذافي.

فحينما وجد رجال الاستخبارات الأمريكية في الدراسات المقارنة فسحة في المساحة والوقت من أجل إجراء دراسات وبحوث وعقد مؤتمرات وندوات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب قاموا من خلالها التقريب بين أشكال الدراسات المقارنة في الآداب والتربية والعلوم الإنسانية عامة بهدف الكشف عن أوجه القصور في الثقافات العربية والشرقية وأن الحل في علاج هذا القصور هو التخلي المفاجئ وليس التدريجي عن أصول وقواعد وضوابط الثقافة الأممية والقومية، وكانت النتيجة أن كثيراً من الأكاديميين العرب هرولوا نحو ذلك متخلين عن جذورهم الثقافية آخذين بشعارات الحداثة وما بعد الحداثة.لم يكونوا متوقعين أن تلك الدراسات الاجتماعية والديموغرافية والسياسية ستسقط نتائجها عند تخلي مبارك عن السلطة تليفزيونيا، وهروب بن علي، واستكفاء علي عبد الله صالح بالسلطة، وتفتت القذافي ونظامه.

ومن الملامح التي تظهر بالأفق السياسي وأصبحت تشكل قلقا وباعثا للتوتر في الإدارة الأمريكية رغبة الدول العربية في توحيد صفوفها، وإعلان ميثاق التفاؤل الاجتماعي بين شعوبها، ومحاولة بعض دول الخليج المحترمة في تقليل الفوارق الاجتماعية بين أفراد الوطن العربي جميعا، علاوة على النجاح الاستثنائي لمؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري ( مصر المستقبل ) واليقين العربي بقوة مصر السياسية والعسكرية، مع رغبة إيجابية في تحقيق تقدم سياسي منتظر من خلال فعاليات وقرارات مؤتمر القمة العربية بشرم الشيخ.

ونظراً لأن نظرية المؤامرة وفقهها ستسقطان تدريجياً عبر مراحلها منذ ظهورها الرسمي في مصنف أنطوني كينج Anthony King الموسوم بـ الثقافة، والعولمة، والنظام العالمي ” Culture, Globalization and world – System الذي نشر في مؤتمر بينجهامتون بنيويورك عام 1989م، فهي تغير جلدها عبر مراحلها المنقرضة، من خلال شعارات جديدة مثل الكوكبية، والإصلاح والنهضة، والعصرنة Modernism، والتحرير العقلي للتبعية، والاضطراب الكوني، وكشفت التسميات الجديدة لمصطلح العولمة عن التصدعات والشقوق التي تخترق ثوب المصطلح نفسه ودلالته، مما استرعى انتباه التنويريين العرب إلى إعادة قراءة المنتج الثقافي لهذا المصطلح وأدركوا أن العولمة في جوهرها هي حرب ضد الوطنية مهمتها القضاء على وحدة الأوطان والشعوب وتقسيمها إلى فصائل وفرق متناحرة تقضي على بعضها البعض.

واليقين الذي يدعم حالة التفاؤل العربي السائدة هو تعاون وتكاتف الدول العربية على مستوى الحكام والشعوب باستثناء حالات مريضة لا تزال تعاني الفصام عن المشهد الراهن، وتأتي هذه السطور الختامية قبيل بدء أعمال القمة العربية الدورية والتي تحتضنها مصر العظيمة إيماناً بضرورة وعي الحكام العربية بثمة مؤامرة أمريكية بدأت بنظرية بسيطة وتحولت إلى ممارسات تستهدف تقويض الوحدة العربية وتفتيت كياناتها الكبيرة إلى جيوب سياسية صغيرة.

د. بليغ حمدي إسماعيل

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا