وكالة المخابرات الأمريكية.. تاريخ حافل من التجارب في البشر

كان هناك ثمة اعتقاد في الماضي أن أبشع التجارب اللا إنسانية قد أجريت على البشر في معسكرات الاعتقال في ألمانيا النازية. ولكن مع الوقت تبين أن التجارب الأمريكية قد فاقتها في القسوة خاصة وأن وكالة الاستخبارات الأمريكية وفرقها الطبية مستمرة في عملها حتى الآن، رغم التجريم والإدانة، وأن أبحاثهم (غير القانونية) لا تجري على المواطنين غير الأمريكيين فقط وإنما تطال حتى مواطني الولايات المتحدة أنفسهم.

في الآونة الأخيرة، حصل المجتمع الدولي على دليل مضاف على الطبيعة الإجرامية للسي أي إيه، حيث كشفت الوثائق السرية التي نشرتها صحيفة “الغارديان”، أن المخابرات الأمريكية لم يتوقف عملها على ممارسة التعذيب الممنهج للمتطرفين المشتبه بهم والمحبوسين في السجون، وإنما امتد إلى إجراء تجارب لا إنسانية على البشر كما كان الحال في ألمانيا النازية.

ووفقا للصحيفة البريطانية، فإنه في الفترة ما بين 1997-2004، سمح جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية باعتماد أساليب الاستجواب القاسية، بما في ذلك “الإيهام بالغرق”، إلى جانب السماح للأطباء بممارسة الأبحاث عليهم. وهذه التجاوزات والانتهاكات التي وقعت أثناء الاستجوابات تتناقض ليس فقط مع القانون الأمريكي الدولي، بل المحلي أيضا، حيث ينص بوضوح على أن “البحث” على البشر لا يجب أن يتم إلا بعد موافقتهم. (….).

وتكشف الوثيقة المسربة أن مدير وكالة المخابرات المركزية قد أذن لموظفيه بالقيام بأعمال غير قانونية يجرمها القانون الدولي، في السجون. ورغم أنه من المفترض أن هذه العمليات محرمة، إلا أن مدير الوكالة قد تمتع بالحرية ليفعل ما يشاء.

وقد لاحظ الخبراء، بعد دراسة الوثيقة، أن وكالة الأمن الوطني والطاقم الطبي التابع لها، والتي تنظم وتشرف على الأبحاث على البشر، قد انتهكت “الخطوط التوجيهية” التي يعود تاريخها إلى عهد الرئيس الأمريكي الأسبق ريغان.

و تجدر الإشارة إلى أن ما أثير حول التجارب التي نفذت في مختبرات وكالة المخابرات المركزية، ليست جديدة. فالوكالة لطالما وجهت إليها اتهامات بشأن إجراء تجارب قاسية على البشر، بما في ذلك على مواطنيها، فعلى سبيل المثال، في عام 1950، لمحاكاة الحرب البكتريولوجية، حلقت طائرتين على سان فرانسيسكو وقامت برش كمية كبيرة من مسحوق يحتوي على البكتيريا السراتية الذابلة، مما تسبب في إصابة العديد من السكان بالالتهاب الرئوي مما أدى إلى وفاتهم فيما بعد، واستمرت هذه التجارب مع البكتيريا حتى عام 1969.

وفي عام 1955 في ولاية فلوريدا بالقرب من خليج “تامبا” تناثرت بكتيريا “السعال الديكي”، وهو ما تسبب على الفور في وباء واسع النطاق، وقتل على أثره 12 شخصا على الأقل.

وفي عام 1956 و 1957 نفذت وكالة المخابرات المركزية في جورجيا وفلوريدا عملية سرية أخرى، تم خلالها الإفراج عن الملايين من البعوض المصابة مع الحمى الصفراء وحمى الضنك، ومن 1963-1969 ضمن مشروع الدفاع (شاد) تم الإفراج عن عدة أنواع من الأسلحة الجرثومية والكيميائية على متن السفن البحرية الأمريكية.

في أواخر عام 1960، خلال عملية أخرى سرية للمخابرات الامريكية، تم الإفراج عن بكتيريا “عصية القش” في مترو الانفاق بنيويورك وشيكاغو، بهدف دراسة مدى تأثر ركاب المترو بالهجمات البيولوجية.

ويذكر أيضًا أن عدد من الأضرار الخطيرة تسببت بها البحوث الطبية التي أجرتها حكومة الولايات المتحدة على سكان جزر مارشال – ‘مشروع 4.1 “، حيث تعرض السكان للإشعاع النووي في جزيرة بيكيني في مارس 1954. ونتج عن هذا التلوث الإشعاعي، تضاعف عدد حالات الإجهاض وموت الجنين داخل الرحم، وكذلك إصابة الكثير من الأطفال حديثي الولادة بالسرطان.

آخر التجارب الطبية المشينة التي مارستها الحكومة الأمريكية على سكانها هو دراسة الزهري في مدينة توسكيجي بولاية ألاباما، التي استمرت من 1932-1972، تحت رعاية دائرة الصحة العامة الأمريكية، وقد صمم للتحقيق في جميع مراحل الزهري في الأمريكيين من أصل أفريقي. (…). ونتيجة لذلك، تأثر كثير من الناس، وتوفي بعضهم جراء الإصابة بالمرض، بعد أن امتد المرض لزوجاتهم وأطفالهم.

في عام 1974، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقا صحفيا مثيرا، تناول واحدًا من أكثر المشاريع شرًا وغموضًا، حيث كان المشروع يبحث عن وسائل لفرض السيطرة بالكامل على العقل والوعي الإنساني، وأثناء سريان هذا المشروع فإن ما بين 50 إلى 60 ألف قد خضعوا تحت أيدي المجربين، وبعضهم قد أصيب باضطرابات نفسية خطيرة، وآخرين لقوا حتفهم. بعد فترة وجيزة من ظهور هذا التحقيق إلى النور، أنشأ الكونغرس الأمريكي لجنة خاصة للتحقيق في أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية، إلا أن وكالة الاستخبارات المركزية أفلتت بعد أن نجحت في تدمير جزء كبير من الوثائق التي تكشفهم.

وكانت آخر تجربة نفسية مشهورة أجريت على البشر، فيما سمي سجن ستانفورد للتجربة، قد جرت في عام 1971، من قبل عالم النفس الأمريكي “فيليب زيمباردو”، وكانت بهدف دراسة استجابة الإنسان إلى فرض قيود على حريته في السجن وتأثير ذلك على الشخصية الاجتماعية، وقد كان 24 طالبًا في المرحلة الجامعية هم العينة التي جرى عليها الاختبارات، التي وقعت في الطابق السفلي من كلية علم النفس، وهي مجهزة خصيصا لتكون بمثابة مقر السجن.

ثماني منظمات مهتمة بحقوق الإنسان، بما في ذلك منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، تقدموا في عام 2010 بطلب رسمي لإجراء تحقيق في وكالة الاستخبارات المركزية، متهمين إياها بإجراء تجارب طبية غير قانونية على المواطنين من العراق وأفغانستان بين عامي 2004-2009.

ووفقا لشهادات مدافعين عن حقوق الإنسان، فقد تم اختبار عقاقير مضادة للسرطان على السجناء، وكان من المفترض أن تجلب تلك العقارات مئات الملايين من الدولارات من الأرباح للصيادلة والمراكز الطبية.

في نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد خسارة ألمانيا الحرب، فإن عددا كبيرا من النازيين قد حكم عليهم بالإعدام بسبب إجراء تجارب على البشر. ويبدو أن الولايات المتحدة التي تمارس انشطة مجرمة مشابهة، بينما تسعى للتغطية على جرائمها بالصمت والسرية، وتسعى لإخفاء الوثائق ومنعها من الخروج، ونتيجة لذلك، وبسبب تخرجات قانونية، لم يدن أي مسؤول أمريكي بسبب التجارب اللاإنسانية على مواطنيهم، حتى الآن.

نقلًا عن الصحيفة الروسية

“New Eastern Outlook”

http://journal-neo.org/2015/07/07/the-cia-and-human-experiments/

بقلم: فلاديمير بلاتوف، خبير روسي في الشرق الأوسط

ترجمة: السيد شبل

* الترجمة راعت الموضوعية وتمسكت بأمانة نقل جوهر الموضوع، بينما عجزت عن نقل عدد من المصطلحات العلمية وصياغة قدر ما من التعبيرات.

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا