الرئيسيةأخبارأسرىحكاية السجين رقم 16

حكاية السجين رقم 16

رشا حرز الله
‘سارت البوسطة مدة ساعتين تقريبا، وها نحن الآن أمام سجن الرملة، استقبلنا السجانون بالهراوات، بقينا نحو نصف ساعة، البعض منا من أصابه انهيار لم يستطع التحمل، ثم نادوا على كل أسير، ولا نعرف إلى أين يأخذون الأسرى، تبين لاحقا أنه إلى عيادة السجن’.
قبل ان يأتيه صوت السجان من بعيد بـ’جهز حالك’، خُيّل لـعبد الرحيم النوباني المعروف بـ’أبو النوب’، أن السجانين يقومون بحرق أو طعن الأسرى.. هي لحظات قليلة قبل أن يذوق على جسده معنى ان يتم تغذيتك قسريا بواسطة انبوب يتصل بالمعدة.
‘ابو النوب’ وهو أسير محرر قضى أكثر من عشرين عاما في سجون الاحتلال عقب اعتقاله في عام 1974، روى في لقاء خاص مع ‘وفا’ معنى ان تكون اسيرا لدى دولة الاحتلال.. ومعنى ان تكون مضربا عن الطعام داخل السجن!!
‘إنها دروب من العذاب والتحمل والصبر وصلابة الارادة.. وأكثر من ذلك، مدرسة للنضال و’صناعة’ للتاريخ التي ستتعلمه الاجيال اللاحقة’ يقول النوباني (62 عاما) الذي تنقل بين السجون أكثر من 36 مرة..
النوباني لم ينس جليسه في الغرفة رقم (6) الشهيد راسم حلاوة، الذي قال له: ‘تعال يا أبو النوب اجلس بجانبي، يبدو أننا لن نرى بعض مجددا’، مؤكدا أن هذا ما حصل، فقد استشهد راسم في العشرين من تموز من العام 1980 بفعل التغذية القسرية، كذلك علي الجعفري، الذي يصفه بالعنيد، الذي التحق به بعد اربعة أيام فقط لذات الأسباب.
انها 41 عاما من الوجع.. الوجع المتواصل. ‘سمعت صوت صراخ شديد صراخ.. صراخ، كان صوت الأسير محمد عياش، الذي اقتاده السجانون إلى العيادة، يا إلهي تخيل لنا أنهم طعنوه بالسكين لشدة الصراخ، صراخ.. صراخ، كانوا يغيبون نحو نصف ساعة، ويعودون إلى غرفهم ‘جَر.. سحب’، ولشدة ما نزفنا غطت الدماء أرض الممر، يومها أسميناه يوم الدم’ قال النوباني وقد ‘اجتاحته’ غصة في الحلق وموجة من الدموع، قبل ان يستعيد كبرياءه: ‘عرّوني مرة أخرى، والله إن العناد حلو في هكذا ظروف، أجلست على كرسي خشبي، تم تربيطي بالحبال مع الكرسي يداي وقدماي مثبتتان والضابط يكرر كول.. وأنا مصمم ما بدي أوكل، كان من ضمن السجانين ضابط درزي قال لي، أبو النوب هناك قرار بقتلك تناول حبة أرز واحدة، وكان جوابي لن أتناول أي شيء، حياتي ليست أغلى من موقفي’.
وفي أول الحكاية يتذكر النوباني كيف طوّقه السجانون في غرفة العيادة وأحضروا علبة بلاستيكية بداخلها أنبوب شفاف، يستخدم لأغراض البناء، لإطعامه قسرا.
‘ وضعوه داخل أنفي.. حشروه بقوة، قاومت، شعرت بالأنبوب يضرب في معدتي وهي فارغة، بينما كان نزيف الدم يغطي أرض المكان، قبل ان ‘يحقنوني’ بالماء والملح.. شعرت أنهم صبوا في معدتي كاوتشوك محترق’ قال النوباني.
يتذكر أبو النوب التفاصيل، حتى الصغيرة والدقيقة منها: ‘أدخلونا إلى ساحة صغيرة، يتواجد بها السجانون، ومعهم ‘بُقجة’ بها ملابس خاصة للأسير، كأس بلاستيكية، مخدة وبطانية، أنا الأسير رقم(16)، في غرفة رقم (6)، الخالية من التهوية والشبابيك، الباب من الصاج، هذه أول ساعة في نفحة.
ولسجن نفحة خاصية تختلف عن غيرها من السجون لدى ‘أبو النوب’، هناك خاض إضرابه المُر برفقة زملائه طيلة 33 يوما، من أجل تحسين شروط الحياة القاسية، حيث كانت نوعية الأطعمة سيئة جدا، ومنعوا من ممارسة الرياضة، حاولوا خلالها الاحتيال على السجانين بالمشي ‘هرولة، فيما وضعت لهم إدارة السجن في كل غرفة حمام دون وجود ستارة أو عازل، ومن هنا بدأوا يعدون العدة للإضراب.
عرف الأسرى يومها أن المواجهة باتت قريبة، وان الموت سيكون لهم اقرب من ‘اللسان الى الأسنان’، خاصة أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك عمليات تبادل للأسرى، يقول أبو النوب: ‘ كنا نعلم أنه في حال موتنا، ستلف أجسادنا بالبطانيات وتسلم للصليب الأحمر’.
ويضيف ‘في ذلك الوقت حرصنا على أن تكون العلاقة بين الأسرى متينة، لدرجة أن السجانين كانوا يطلقون علينا ‘عائلة نفحة’ كنا يدا واحدة، خططنا للإضراب تخطيطا دقيقا، قمنا بإرسال رسائل إلى كافة الجهات من منظمات ومؤسسات، كذلك إلى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، ومرشح الرئاسة الأمريكية، والجامعة العربية، والعديد من المؤسسات الدولية، ثم في 14/7/1980 أعلنا الإضراب تحت بند تحسين شروط حياة، وسلمنا كل غرفة من غرف السجن ورقة بالمطالب’.
ويتابع: ‘جاء الضابط من أجل العدد الصباحي، تم تسليمه ورقة بالمطالب، وأبلغناه عن الإضراب، وأخرجنا كل ما له علاقة بالغذاء خارج الغرفة، لم يبق لدينا سوى الماء، وبعد تجاهلنا من قبل الإدارة لمدة أسبوع، سمعنا أحد السجانين ينادي عبر مكبرات على الأسرى تجهيز أنفسهم، طلبوا خروج 26 أسيرا، كنت أنا من ضمنهم، تم تعريتنا بالكامل، والضرب بالهراوات، أجسادنا كانت متعبة لم تستطع المقاومة، جمعونا في غرفة واحدة، ونقلونا مكبلي الأيدي والأرجل، ‘كلبشة بيدي وكلبشة بقدمي، وكلبشة فيما بينهم، وكلبشة بيني وبين زميلي’.
وفي متن حكاية السجين رقم 16، يقول النوباني إنه تم تغذية الأسرى قسريا بواسطة الأنابيب، ومكثوا في عيادة سجن الرملة طيلة أسبوعين، تم بعدها إعادتهم إلى نفحة.
في الساعة السابعة صباحا، من ذلك اليوم المشؤوم، هدرت أصوات السجناء من مختلف أقسام السجن: ‘يا أسرى نفحة علي الجعفري استشهد’، ليلحق بركب الأسير راسم حلاوة، ومن بعدهم بثلاث سنوات الأسير اسحق مراغة.
أسلوب التغذية القسرية الذي يجرّمه العالم أجمع ليس جديدا على الاحتلال، حيث استخدمه بحق الأسرى في ثلاثة إضرابات منذ عام 1970م-1980م بواسطة أنبوب التغذية الصناعية المطاطي (الزوندة)، وفي عام 1976م – 1977م استخدم هذا الأسلوب في إضراب عسقلان الشهير في اليوم التاسع من الإضراب، كذلك في اضراب نفحة عام 1980م
غير أنه أخذ حاليا الصبغة القانونية بعد أن صادق عليه الكنيست الإسرائيلي، فيما يسعى الاحتلال لتطبيق هذا القانون على الأسير محمد علان المضرب عن الطعام منذ 59 يوما.
محمد (30 عاما) الشاب المحامي من بلدة عينابوس جنوب نابلس هدد بقتل نفسه، عبر كتم أنفاسه إذا ما تم تغذيته قسريا.
وفي سيرة السجين رقم 16، وراسم حلاوة، واسحق مراغة، وعلي الجعفري.. ومحمد علان الذي يكابد الوجع هذه الأيام، قصص مُرّة لا تنتهي.. غير ان كلمات السجين رقم 16 الذي اختتم فيها حكايته لـ’وفا’ ستظل ماثلة لزمن طويل: ‘أنا مخردق، لا يوجد شيء في جسدي صالح، أجريت ست عمليات جراحية، أعاني من السكري والضغط والدسك، ومن السجن الذي يعيش بداخلي.. غير ان قلبي لا زال ينبض ولن أنسَ ذلك ما حييت!!’.

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا