الرئيسيةمختاراتمقالاتالاعتقال الإداري وسطوة الزمن كتب أكرم عطا الله العيسة

الاعتقال الإداري وسطوة الزمن كتب أكرم عطا الله العيسة

السابع والعشرون من آذار 1988 ذروة الانتفاضة الاولى، عشرات الحافلات التابعة لجيش الاحتلال الاسرائيلي تنقل المئات من المعتقلين الفلسطينيين من مختلف مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وتلقي بهم في هذا المعتقل حديث الافتتاح في صحراء النقب “كتسعوت” تم إنزال العشرات منهم من الحافلات التي وصلت، كانت ايديهم مقيدة للخلف وعيونهم معصوبة، تم امر الجميع بالجلوس على الارض والسماح لهم بازالة عصبة العينين.

وقف ضابط عسكري إسرائيلي يحمل بيده ورقة ويصرخ بالعبرية إننا “إي المعتقلين الفلسطينيين” معتقلين إداريين وبأمر من ايهود باراك الذي كان في حينه قائدا للمنطقة الوسطى – بناء على التقسيمات الإسرائيلية – كان أمرا جماعيا، ولم يحدد فيه مدة الاعتقال الإداري، وقد اختلف عن الطابع الفردي الذي اعتاد عليه المعتقلين الاداريين السابقين والذي كان يتم عبر اجرآت اخرى، بحيث يتسلم كل معتقل ورقة وأمرا رسميا يحمل اسم المعتقل، وموقعا باسم ضابط إسرائيلي “رفيع المستوى” مثل قائد المنطقة الوسطى، او قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة.

حتى صيف العام 1987 كان عدد المعتقلين الاداريين في الضفة الغربية وقطاع غزة محدودا فهو لم يتعدى سوى حالات معدودة جدا. ومن ابرز المعتقلين الإداريين قبل ذلك التاريخ كان المناضل علي الجمال من جنين، ولكن ما لبث أن ارتفع العدد إلى ما يقارب 60 معتقلا اداريا تم احتجازهم في سجن جنين على اثر إضراب الأسرى الفلسطينيين الشهير في صيف عام 1987 والذي ادى الى انتفاضات ومواجهات عمت الكثير من مدن وقرى ومخيمات فلسطين لتتحول فيما بعد الى انتفاضة عامة هي الانتفاضة الفلسطينية الاولى.

ومن هنا قام الاحتلال الإسرائيلي بكسر حاجز التردد اتجاه الاعتقال الاداري واعتقل اكثر من الفي ناشط فلسطيني وزج بهم في معتقل االنقب الصحراوي” كتسعوت” حديث الافتتاح. لم يعد الاحتلال عابئا بفردية الاعتقال الاداري، بل اصبح الاعتقال الاداري ظاهره عامة بعيدا عن الشكليات القانونية السابقة، وهذا ما وجد تجليه في قول اسحاق رابين وزير الدفاع الاسرائيلي في حينه، والذي زار سجن النقب شتاء 1988 وقال بصريح العبارة ” طالما توجد انتفاضة يوجد كتسعوت” اي سجن النقب”.بمعنى سيادة المصوغ السياسي والامني فوق اي اعتبار قانوني. بل ان ايهود براك قائد جيش الاحتلال في حينه قد رفع مدة بدء الاعتقال الى سنة ولم تعد مقتصرة على ستة اشهر.

لقد افتتحت سلطات الاحتلال سجن النقب “كتسعوت” في السابع عشر من مارس عام 1988 بهدف قمع قيادة انتفاضة الأولى. وأخضعته لإدارة الجيش العسكرية وليس لإدارة مصلحة السجون. ويقع هذا المعتقل في جنوب فلسطين التاريخية في منطقة عسكرية بالقرب من الحدود المصرية وقد كان معسكرا للجيش الإسرائيلي وتم إنشاء خيم الاعتقال بداخله. وهو يتسع لأكثر من عشرة الآلاف معتقل، بلغ عدد الذين اعتقلوا فيه حوالي 100الف حالة اعتقال في الفترة ما بين 1988-1996، ولا زال الآلاف المعتقلين الفلسطينيين يقبعون فيه إلى ألان. إن هذا يفيد وبمنتهى البساطة ان حكومات الاحتلال المتتاليه لم تعد تأبه بالمؤسسات الحقوقية الدولية التي كانت تدين وتعارض قانون الاعتقال الاداري

تشير الإحصائيات الصادرة عن هيئة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين انه وحتى نهاية شهر أب الماضي يوجد ثلاثمائة وواحد وستون معتقلا إداريا في السجون الإسرائيلية، ولو نظرنا بشكل مجرد لهذه الارقام لبدت قليلة بالمقارنة مع اعداد باقي المعتقلين في السجون الإسرائيلية ، ولكن من الجدير الاشارة الى أن هؤلاء ليسوا مجرد ارقام ترد في الإحصائيات فكل منهم قصة، اسرة، زوجة، ام، اخت، حبيبة، اب ، ابن أو بنت، لكل منهم ظروف حياة فريدة وخاصة، كما أن لكل منهم خطط ومشاريع مستقبلية كغيرهم من المعتقلين ولكن ما يميز وضعهم أنهم معتقلين ادارييين .

الاعتقال الإداري:

يعود أصل الاعتقال الإداري إلى قانون الطوارئ الذي سن في عهد الانتداب البريطاني عام 1945،حيث ان بريطانيا استخدمته اتجاه بعض قيادات العصابات الصهيونية المسلحة مثال اسحاق شامير ومناحيم بيغن ” اصبحا فيما بعد رؤساء وزراء لدولة اسرائيل” ولا زالت قوات الاحتلال الإسرائيلي تستخدمه بناء على الأمر العسكري رقم 1651 ، والذي بدوره يمنح قائد المنطقة العسكرية الحق في احتجاز الشخص أو الأشخاص لمدة تصل إلى ستة شهور بدون تقديمه للمحاكمة. والاعتقال الإداريّ هو احتجاز من دون محاكمة وبدون سبب، فاعتقاد جهاز الاستخبارات أن المعتقل يشكل خطراً على أمن المنطقة والجمهور الاسرائيلي يعد كافيا لجعله أمرا واقعا، وبالتالي لا تقدم لوائح اتهام، ولا يمثل أمام المحاكم وهذا يعتبر مضادا لما نص عليه القانون الدولي، وفي حال مثل أمام المحكمة، يحرم هو ومحاميه من حق الدفاع وتكون المحكمة عبارة عن محكمة صورية تُعقد للنظر في قرارات تجديد الاعتقال الإداري وذلك بذريعة سرية الملف، فالمعتقلون الإداريون لا يعرفون ما هي الأدلة الموجودة ضدّهم ولا يمكنهم دحضها، ولا يعرفون موعد إطلاق سراحهم، حيث أنه بالإمكان تجديد الاعتقال من دون قيود وقد تصل عدد مرات التجديد إلى 15 مرة متتالية ، وفي بعض الحالات وصلت فترة الاعتقال الإداري إلى أكثر من 6 سنوات.

استعملت إسرائيل هذه الأداة كعقاب جماعي ضد عشرات الآلاف من الفلسطينيين، طوال سنوات احتلالها للأراضي الفلسطينية، وأصدرت منذ العام 1967 أكثر من 50 ألف قرار اعتقال إداري. وقد وصل عدد المعتقلين الإداريين في عام 2000 الى 19 ألفا ما بين اعتقال جديد وتجديد للاعتقال سابق. وفي سنه 2006 بلغ عدد قرارات الاعتقال الاداري 2850 قرارا ، من بينها قرارات طالت الأطفال النساء والشيوخ وأعضاء من المجلس التشريعي الفلسطيني ووزراء سابقين. ومن الملاحظ أن أعداد حالات الاعتقال الإداري قد تناقصت في السنوات الأخيرة ففي سنة 2011 بلغ عدد المعتقلين الإداريين 219 ، وفي عام 2012ارتفع العدد إلى 309 معتقلا ، في عام 2013 خاض المعتقلين الإداريين إضرابا عن الطعام احتجاجا على ظروف اعتقالهم كما وقاموا بمقاطعة المحاكم الخاصة بالاعتقال الإداري. أما في عام 2014 فقد تزايدت اعداد المعتقلين الإداريين لتصل مع نهاية شهر أب إلى 473 معتقلا.

ومن الجدير ذكره أيضا, أن إسرائيل لا تأبه لما ورد في نص القانون الدولي حول حظر استخدام الاعتقال الإداري كوسيلة عقابية بل كإجراء استثنائي تمليه “أسباب أمنية قهرية” كما جاء في (المادة 78)، ووفقاً للمادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي نصت على وجوب أن يحظى المعتقلين بمحاكمة عادلة .

وبطريقة متندرة يقول المعتقل الفلسطيني ذيب نجاجره من بلدة نحالين غربي مدينة بيت لحم والذي تم الافراج عنه بتاريخ 6 آب 2015 بعد اعتقال إداري استمر 8 شهور، بدأ بامر اعتقال اداري لمدة 4 شهور وتم التجديد لاربعة اشهر اخرى ” ان المعتقلين الفلسطينيين الاداريين اعتادوا بعض التفسيرات والتقديرات، فمن يكون حكمه الاول 4 شهور عادة ما يتم التجديد له لاربعة اخرى، واما من يكون حكمه الاول ستة شهور فربما يأخذ تجديدا ثانيا وثالث ورابعا” بكل بساطة فالسجين لا يعرف متى سيفرج عنه، ولن يكون قادرا على التخطيط لاي شيء فالزمن يسرق منه، ويحل مكانه احلاما وخططا ربما لا تكون واقعية.

ان سطوة الزمن غير المرئي التي فرضتها اسرائيل على المعتقلين الاداريين هي التي دفعت ببعض المعتقلين الاداريين الى خوض حالات اضراب عن الطعام طويلة وفردية وغير مسبوقة في تاريخ الحركة الاسيرة، وكان الزمن هو الشعار فالمناضل خضر عدنان رفع شعار ” المحاكمة او الافراج” والاسير محمد علان الذي مازال مضربا عن الطعام منذ 58 يوما، ايضا يطرح شعار ” الافراج او المحاكمة” على الرغم من عدم عدالة المحاكم العسكرية الاسرائيلية، لا يختلف الامر كثيرا اذا هي سطوة الزمن وسرابه اللتان تؤذيان المعتقلين الاداريين وتدفعهم للبحث عن وسيلة لتحديد الزمن اما بالافراج او المحاكمة رغم عدم عدالتها، ولهذا ايضا نجد معتقلين اخرين مثل عبد الرازق فراج ونضال ابو عكر واللذان يعانيان من الاعتقال الادري المتكرر والمتجدد منذ اكثر من 10 سنين يفكران في مقاطعة المحاكم العسكرية الاسرائيلية، فهم ايضا لا يريدان الخضوع لسطوة الزمن.

وفي النهاية نقول من الذي سيعوض هؤلاء المناضلين الذين سرق شبابهم بفعل المماطلة الاسرائيلية والاداء الدائم بوجود ملف سري وان هذا الشخص خطير على الامن؟ من سيعوض اطفالهم الذين ولد بعضهم وتربى في ظل غياب ابيه؟ من سيعوض الامهات ساعات وسنوات الانتظار؟ من سيعوض الزوجات والخطيبات والحبيبات سنوات الترقب والمعاناة والحرمان من حياة طبيعية وانسانية؟ ونقول ايضا متى سيتوقف الاعتقال الاداري ؟ ومتى ومن سيعاقب اسرائيل على جرائمها التي سرقت من خلالها الأرض والزمن والماضي والحاضر وتسعى لسرقة المستقبل؟

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا