الرئيسيةمختاراتتقارير وتحقيقاتبيرزيت: جنون الجامعة وبسمة الصيف

بيرزيت: جنون الجامعة وبسمة الصيف

القبس-بثينة حمدان – في هذه البلدة من الضفة الغربية تتميز أسماء الأماكن والشوارع، تزداد «النهفات» والمغامرات، وذلك لطبيعتها الطلابية ووقوع جامعة بيرزيت فيها. فهنا مطعم «شو بدك» وهناك «جمهورية الفلافل» ومشاوي «انسى غرامك راح». كما أنها بلدة مسيحية فيها الكنائس والعائلات المسيحية، لكن وبعد أن كانت تحتوي على أجود أنواع الزيت، تراجع الإنتاج وتحوّلت من «بئر زيت» إلى «بئر ثقافة» في سعي واضح لتصبح عاصمة ثقافية.

ذكريات الجامعة
انطلق فريق القبس من محافظة رام الله إلى بلدة بيرزيت (16 ألف دونم) عبر طريق حيوية تربط شمال المحافظة بمجموعة من قراها. تبعد البلدة عن رام الله نحو 25 كلم، وتتبع بلديتها عشر قرى أكبرها ترمسعيا. مررنا على قرى سردا وأبو قش، ثم على تلة كبيرة إلى اليسار استلقت جامعة بيرزيت. هنا ولد حلمي بدراسة الإعلام، وبدأت قصة حبي المستمرة إلى اليوم. تتلمذنا على أيدي أشهر وأهم أساتذة الإعلام أمثال د. نبيل الخطيب رئيس تحرير قناة العربية، عارف الحجاوي مدير تحرير قناة الجزيرة الوثائقية سابقاً ومراسل قناة «بي بي سي» لفترة طويلة، والإذاعي الراحل عارف سليم من مؤسسي إذاعة صوت فلسطين، ود. نشأت الأقطش خبير العلاقات العامة والأستاذ في جامعة الشارقة سابقاً.
وقتها كانت طريق سردا مغلقة، يعسكر فيها جيش الاحتلال. كان الشارع مليئاً بالوحل شتاء، فنضطر لركوب عربات تجرّها الحمير للوصول إلى الطرف الآخر من الحاجز الموجود في منطقة لا تؤدي إلى مستوطنة اسرائيلية، وبالتالي الحجج الاسرائيلية الأمنية تبدو باطلة بوضوح.. وفي الصيف يأكلنا الحر وتحرقنا الشمس. لا أذكر أنني وصلت مهندمة مرتبة كما أريد إلى الجامعة، وأذكر أنني كنت أرفض ركوب العربة والتأقلم مع تغيرات الطريق، لكنني اضطررت لركوبها أمام حجم الوحل!

الأولى فلسطينياً.. والمميزة عربياً
أسست نبيهة ناصر مدرسة ابتدائية للبنات عام 1924، في وقت انعدمت فيه فرص التعليم للفتيات في البلدة والقرى المجاورة، ثم أضيف إليها مدرسة للذكور إلى أن تحولت في الأربعينات إلى كلية، وأصبحت مطلع السبعينات تمنح درجة البكالوريوس. وبعد سنوات أضيف إليها برنامج الماجستير وافتتح العام الماضي برنامج الدكتوراه. وقد صنفت مؤخراً حسب تصنيف QS الأولى بين الجامعات الفلسطينية، وحصلت على تصنيف 61 – 70 من بين مائة جامعة عربية.

مكتبة يوسف الغانم.. والحب
في الجامعة العديد من المباني التي شُيّدت بدعم خليجي، بينها مبنى مملكة البحرين لدراسات المرأة بدعم من غرفة تجارة البحرين، ومبنى الشيخ راشد آل مكتوم للخدمات والنشاطات الطلابية والسكن السعودي. وصلنا مكتبة يوسف أحمد الغانم التي شُيّ.دت عام 1985 بدعم من شركات الغانم الصناعية، وهي المكتبة الرئيسية للجامعة وتضم 141 ألف مجلد.
المبنى مكوّن من أربعة طوابق، أضيف إليه ملحق بمساحة 6128 مترا مربعا بدعم من الحكومة الكويتية. المكتبة هي مكان لثلاث فئات من الناس: أولاً للباحثين، ثانياً للدراسة والمطالعة، ثالثاً هي مكان هادئ للعشاق لممارسة هواياتهم في التأمل والحب.

جامعة الشهداء.. والتنكيل الإسرائيلي
شهدت الجامعة توسعات بشكل هائل خلال سنوات، وتبلغ مساحتها اليوم 800 ألف متر مربع. كنا (الطلبة) نعبّر في الحرم الجامعي عن آرائنا السياسية والاجتماعية، حيث تقوم الكتل الطلابية بنشاطات عديدة خلال المناسبات الوطنية، والعديد من المعارض والمسرحيات، وكان للطلبة دور كبير، خاصة خلال الانتفاضة الأولى، لذلك استهدفها الاحتلال، فاقتحمها وألقى القنابل والرصاص والغاز المسيل للدموع. وكان من أوائل شهداء الجامعة كمال ناصر الذي اغتالته القوات الإسرائيلية في لبنان عام 1973.
القائمة طويلة، ومنهم الشهيد الطالب ساجي درويش (سنة ثانية إعلام) الذي قتله رصاص المستوطنين. مرت جنازته من حرم الجامعة وإلى ضريح شهداء الجامعة، حيث كان يمر يومياً متوجهاً إلى كليته من دون أن يعرف أنه سيضاف إلى قائمة شهداء الجامعة. وجرى تأبينه من قبل زملائه وأساتذته، ثم دُفن في قريته بيتين، قضاء رام الله.

أسرى العلم.. والاحتلال
دخلت الجامعة أول مرة في التسعينات في زيارة مع ابنة عمي، تعرفت على عدد من الطلبة، ومنهم من تجاوزوا العشرينات والثلاثينات، حيث ضاعت عليهم فصول وسنوات دراسية عديدة بسبب الاعتقال. ولعل من أبرز أسرى الجامعة حالياً وعددهم سبعين، طالب الماجستير في الرياضيات الاقتصادية خضر عدنان الذي خاض إضرابين عن الطعام، أولهم لمدة 66 يوماً والثاني 55 يوماً انتهى مؤخراً بعد موافقة السجان الاسرائيلي على إطلاق سراحه.

العزوف عن الزيتون
انطلقنا إلى مقر البلدية، حيث استقبلنا رئيسها حسيب كيلة، وأخبرنا عن اسم البلدة الذي يعود إلى وفرة زيت الزيتون فيها وجودته، لكن ومع تغير نمط الحياة صار الانتاج يتضاءل، فعائلة كيلة كانت تنتج حتى عام 2001 نحو 600 تنكة زيت، تراجعت اليوم إلى ثماني تنكات فقط، حيث تغيّر توجه البلدة الى الاهتمام بتقديم خدمات للطلبة المقيمين فيها وعددهم ثلاثة آلاف، مثل توفير سكنات واستديوهات ومطاعم وتنظيم نشاطات وأمسيات فنية، وذلك في مسعى طموح لتصبح عاصمة ثقافية، لاسيما مع قرب الانتهاء من بناء المتحف الفلسطيني (بتكلفة 40 مليون دولار وبمساحة 40 دونماً).

أول مبنى أخضر في فلسطين
المتحف سيوثق الكارثة التي شكلت نقطة تحوّل في تاريخ فلسطين الحديث، وكل ما يتعلق بتراثها وتاريخها، ومن المقرر أن يفتتح المتحف في يوليو من العام المقبل.. وهو أول متحف وطني، وأول مبنى أخضر في فلسطين وبشهادة فضية ضمن نظام الريادة العالمي. انطلقنا من البلدية برفقة أنطون عبدالله عضو المجلس البلدي لمشاهدة المتحف، وبقربه صعدنا إلى الخربة، وهي أقدم منطقة في بيرزيت، وأشار لي إلى بقايا مبانٍ حجرية قديمة، اعتاد في صغره أن يدرس فوقها.

عائدون من معمل الشمع
خرجنا من البلدية، وإذا بسرب من الأطفال يسير باتجاه جمعية سيدات بيرزيت، توقفنا مع إحدى المشرفات داليا عبدالله، التي حدثتنا عن المخيم الذي يضم 86 شخصاً من الفئة العمرية 6 – 13 سنة، كانوا قادمين من زيارة تعليمية من معملي الشمع والصابون، لتناول وجبة الغداء في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذوكس، الواقعة مقابل مقر الجمعية.
وبينهم بشار زياد (13 سنة) أحد الأطفال الذين أبهرتهم صناعة الشمع اليدوية، وكيف يعاد تصنيع حتى فتات الشمع والشمع المتكسر. بشار يريد أن يصبح مهندساً معمارياً، وعادة ما يرافق والده في عمله بالعمارة وحدثني كيف أن أول زيارة عمل له في نابلس باءت بالفشل بسبب الحاجز الإسرائيلي الذي أغلق في وجهه!

مشغل التوائم.. وأغلب زبائنه من الفلسطينيين
في غرفتين صغيرتين أسفل منزله، يقضي رائد حنانيا النهار وهو يصنع الشمع يدوياً، وقد سماه مشغل التوائم للشموع، تيمناً بطفليه، يعمل في هذه الحرفة منذ 26 عاماً، يعشق رائحتها ويتلذذ بتقليب مادة الشمع الخام التي تصله على شكل فتات يحوّلها إلى أعمدة من الشمع بطول يتراوح بين 30 و180سم، ووفق ما قال فإنه لا يوجد ماكينات تصنع الشمع الطويل.
ورغم أنه مسيحي وفي بلدة تعد مسيحية ويصنع شموع الكنائس وسبت النور، فإن أغلب زبائنه من المسلمين، خاصة أهل الخليل الذين يتميزون بعادة في ليلة الزفاف، حيث يضعون طابوراً من الشموع على الجانبين يمر بينها العرسان بدءاً من مدخل البيت وصولاً إلى غرفة النوم.

البلدة المسيحية – الإسلامية
أخبرني أنطون عبدالله أن سكان البلدة ينتمون في معظمهم إلى ست عائلات، أربع منها مسيحية، وأن الكثير من العائلات اغتربت خاصة في الأميركتين، وفيها أيضاً ثلاث كنائس أقدمها كنيسة الروم التي لا تتسع لإقامة حفل زفاف، لذلك يتم بناء كنيسة جديدة. ويوجد أربعة جوامع أقدمها الجامع العمري، يعيش فيها ستة آلاف نسمة، فضلا عن ثلاثة آلاف طالب وطالبة. وفي البلدة ست مدارس وعشرة مطاعم ومتنزهان اثنان.

سيرك فلسطين.. «الوحيد»
حين وصل فريق القبس الى مدرسة سيرك فلسطين كان مديرها شادي زمرد يقدّ.م إحدى العروض لمجموعة من المخيمات الصيفية خارج البلدة. لاحقاً تواصلنا وحدَّثنا عن تجربته التي بدأت بمحاولة اللعب بكل ما هو كروي، من فواكه وكرات بأشكالها وحين وصل الأمر إلى البيض وقفت والدته أمام هذه الخطوة بحزم! ضحك وهو يحدثني، ثم تعلم فنون السيرك على أيدي فرقة نرويجية زارت البلاد، ومع الوقت احترف المهنة وكان أول عروض السيرك من مواد صُنعت يدوياً من الخيوط والأقمشة، لعدم قدرته على إدخال المواد، إلى أن تحوّل الحلم إلى مدرسة هي الوحيدة في فلسطين.
وتحوّلت هذه القرية الهادئة إلى قرية صاخبة بعروضها.. مؤسساتها.. مخيماتها الصيفية.. وجنون طلبتها الجامعيين.

روبوت يقرأ الدماغ.. إلى أميركا
كانت إحدى مشاريع التخرُّج للطالب محمد عتيق وزميله حسان عاروري في كلية تكنولوجيا المعلومات، وتحت إشراف أستاذه واصل غانم، كيفية معالجة الإشارات الصادرة من الدماغ.
وفعلاً تم تطبيق ذلك على كرسي آلي للمُقعدين، يتحرك بناءً على قراءته للدماغ. اليوم يستعد محمد وحسان للسفر إلى أميركا للمشاركة في مسابقة عالمية للمخترعين الشباب.. بالتوفيق.

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا