الرئيسيةمختاراتتقارير وتحقيقاتالإخوان المسلمون… و اتفاق الهدنة مع إسرائيل مشروع لصناعة دويلة/إمارة غزة (1-3)

الإخوان المسلمون… و اتفاق الهدنة مع إسرائيل مشروع لصناعة دويلة/إمارة غزة (1-3)

تبوأت غزة تاريخيا(1)مكانة متميزة بين مدن العالم من حيث ورودها في وسائل الإعلام وجذب الاهتمام العالمي وإن كان انسداد الأنظار في السنوات القليلة الماضية لغزة يعود إلى ما يشهده قطاع غزة من أحداث وخصوصا العمليات العسكرية الإسرائيلية التي وصلت أوجها في العدوان الأخير في يوليو 2014 بحيث بات مصطلح الحرب أو العدوان على قطاع غزة الأكثر ترددا في وسائل الإعلام العالمي وعلى ألسنة المواطنين والمحللين السياسيين ، إلا أن لغزة تاريخ عريق يضعها ضمن أقدم مدن العالم حيث ورد ذكرها في التوراة وفي وثائق فرعونية قديمة فحاضرها غير منقطع الصلة بتاريخها و تميز غزة بشراسة وتكرار العدوان الإسرائيلي إنما يعود لموقعها الجيوسياسي وتكوينها ودورها السسيوثقافي في حمل راية الوطنية الفلسطينية والتصدي للمخططات الإسرائيلية ، كانت غزة وستبقى القلعة التي تقف في وجه العدوان الإسرائيلي وتتصدى لكل محاولات الإجهاض على المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني .

و سنحاول مقاربة الموضوع من خلال محاور أربعة:

المحور الأول: غزة في سياقها الوطني الفلسطيني
بالرغم من أن كل مدن وقرى وربوع فلسطين متساوية من حيث الانتماء الوطني والمشاركة في النضال الوطني التحرري إلا أن منطقتين استقطبتا الاهتمام المحلي والدولي أكثر من غيرهما من المناطق وكل منهما تميزت برمزيتها وخصوصيتها التاريخية والنضالية هاتان المنطقتان هما مدينة القدس بما لها من رمزية دينية ولكونها عاصمة دولة فلسطين وقطاع غزة لرمزيته الوطنية ولما شهده من أحداث وحالات عدوان لم تشهد مثيلا لها بقية مناطق فلسطين،كان الموقف مما يجري في هاتين المنطقتين بمثابة بارومتر يؤشر على سخونة الأحداث أو هدوئها كما كان الموقف العربي والدولي مما يجري في هاتين المنطقتين يُقاس عليه للحكم على الموقف من القضية الوطنية بشكل عام ، فغزة تعتبر ثاني اكبر مدن فلسطين بعد مدينة القدس حيث تُذكر غزة في أقدم الوثائق التاريخية الفرعونية التي تعود لأكثر من ثلاثة آلاف عام ولا ينفصل صمود غزة وتاريخها النضالي المعاصر عن تاريخها القديم في مواجهة الغزو العبراني الأول حيث جاء في أحد الكتب الدينية اليهودية وهو سفر الملوك الأول الذي يعود لعهد سليمان : “إن حدود مملكة اليهود تنتهي عند حدود مدينة غزة التي لم تدخل أبدا ضمن مملكة اليهود ، وظلت بعد ذلك ملكا للفلسطينيين ” ( الملوك الأول 4 : 24 ) نفس الأمر ورد في سفر القضاة(2) غزة تلك المنطقة الصغيرة من جنوب فلسطين والفقيرة بمواردها الطبيعية(3)وشبه الصحراوية لم تتميز فقط من خلال دورها النضالي بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 67 بل كان دورها النضالي قبل الاحتلال لا يقل أهمية عن دورها بعد الاحتلال، فقطاع غزة حافظ على الهوية الوطنية الفلسطينية بعد النكبة وفي سنوات التيه والضياع بعد أن فرضت إسرائيل جنسيتها وقوانينها على فلسطينيي الخط الأخضر وفرض الأردن جنسيته وقوانينه على فلسطينيي الضفتين فيما كان ممنوعا على غالبية فلسطينيي الشتات التعبير بحرية عن هويتهم الوطنية أو ممارسة حقهم بالنضال الوطني.
لن نقلل من المعاناة التي يعيشها الأهالي في قطاع غزة منذ حصاره عام 2006 ، ولكن يجب أن لا ننسى أن كل فلسطين محتلة وأن أهالي الضفة والقدس وفي مخيمات لبنان واليوم في مخيمات سوريا عاشوا ويعيشون معاناة لا تقل عن معاناة أهل غزة ، وبالتالي فالتميز بقسوة المعاناة لا يبرر مجرد التفكير بالخروج من الحالة الوطنية من خلال توظيف المعاناة لخدمة تطلعات سلطوية للبعض أو لخدمة أجندة خارجية . وحتى نكون أكثر وضوحا وصراحة ، وبعيدا عن الانتقائية في الحديث عن المعاناة ، فإن أهلنا في الضفة والقدس هم الأكثر معاناة من الاحتلال والمعركة الحقيقية بالمقياس الوطني هي التي تجري هناك ، ويجب أن نحكم ونحاكِم ونُقَيم الوضع في الضفة والقدس ليس من خلال سياسة السلطة وممارساتها بل من خلال معاناة الشعب وما تتعرض له الأرض من استيطان وتهويد، فخلال ست وستون سنة من تَشَكُل قطاع غزة بتركيبته الجغرافية والبشرية الراهنة(4)جرت محاولات ومؤامرات متعددة لنزع القطاع من سياقه الوطني وكانت اخطر هذه المحاولات ما أقدمت عليه إسرائيل من انسحاب من القطاع من جانب واحد عام 2005 الأمر الذي مهد لاحقا لسيطرة حركة حماس على القطاع وبداية الحديث عن مخطط لفصل غزة عن المشروع الوطني والدفع بها جنوبا نحو مصر أو اقتطاع جزء من سيناء وضمه للقطاع لإقامة (دولة غزة) المنسلخة عن تاريخها وسياقها الوطني الأمر الذي وضع المشروع الوطني على المحك وجاءت تطورات الأحداث في قطاع غزة الحصار ، الانقسام ، والحروب الثلاثة ( حرب نهاية 2008 و بداية 2009 و حرب 2012 و حرب 2014 ) التي شنتها إسرائيل على القطاع لتؤكد خطورة ما يُحاك للمشروع الوطني من مؤامرات ليس فقط من إسرائيل بل أيضا من أصحاب مشاريع وأجندات عربية وإقليمية .

المحور الثاني: الانسحاب من القطاع 2005 محاولة نزع غزة من سياقها الوطني الفلسطيني
يتعرض قطاع غزة لتهديد رباعي الأبعاد الاحتلال بالرغم من خروج الجيش الإسرائيلي من وسط القطاع عام 2005 الانقسام، الحصار و العدوان العسكري المتكرر لكن غزة تبقى أرضا فلسطينية وليست محل أطماع لأحد لا من إسرائيل ولا من دول الجوار و ليس من خيار أمام فلسطينيي غزة إلا أن يكونوا فلسطينيين فبعد سنوات من المحاولات الإسرائيلية الفاشلة لثني الفلسطينيين عن هدفهم بإقامة دولتهم المستقلة والفشل في إخضاع القطاع وكسر روح المقاومة أو تدجين سكانه لحالة من الاستكانة لم تجد دولة الاحتلال من وسيلة إلا الخروج عسكريا من القطاع في عام 2005 في محاولة منها لضرب المشروع الوطني وقطع التواصل بين الضفة والقطاع ، لم يكن الانسحاب من غزة قرارا مفاجئا لكثير من الأطراف بل جاء تنفيذا لمخطط استراتيجي إسرائيلي بدأ التفكير فيه رسميا بعد فشل مباحثات كامب ديفيد الثانية عام 2000 ففكرة الانسحاب من قطاع غزة من جانب واحد كانت حاضرة عند المفكرين الاستراتيجيين الإسرائيليين قبل الانسحاب بوقت طويل ، فقد تم تناول الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة كسيناريو محتمل في تقرير صادر عام 1989 عن مركز ” جافي ” الإسرائيلي و في التعقيب على نتائج هذا السيناريو يقول التقرير : (ومن الممكن أن تكون الآثار الناجمة داخل القطاع حادة بشان السلطة بين وطنيين علمانيين – مدعومين بعناصر من منظمة التحرير يأتون من الخارج – وبين مسلمين أصوليين يتمتعون بقوة أكبر من قوتهم في الضفة الغربية و أي تكن النتيجة فان الدويلة في غزة ستلهب نزاعا مطردا باستمرار مع إسرائيل ولن يجني أي من الفلسطينيين الآخرين فائدة فورية منه و ستجد السلطات الغازية صعوبة في احتواء العنف الموجه نحو إسرائيل وفي حين أنها ستكون قلقة بالتأكيد من ردود إسرائيلية انتقامية عنيفة وغير متحمسة لعودة الاحتلال فمن غير الواضح إلى أي درجة سيرتدع السكان عامة بفعل الخطر الأخير فالأحوال في غزة قد تسوء إلى درجة أن بعض الغازيين قد يستعيد ذكرى الاحتلال الإسرائيلي بشيء من الحنين .)(5)

في 1 نوفمبر 2004 صدرت وثيقة عن مؤسسة TOLEDANE (6) تتضمن ورشات عمل غير رسمية عقدها فريق مشترك فلسطيني /إسرائيلي في مدريد دعا لها شلومو بن عامي وزير خارجية إسرائيل الأسبق والذي كان يعمل نائبا عن مدير مؤسسة TOLEDANE في ذاك الوقت كان الرئيس أبو عمار محاصرا في مقر المقاطعة في رام الله وكان جوهر النقاش يدور حول الكيفية التي سيتم فيها فصل غزة عن الضفة وتشكيل إدارة انتقالية للسلطة في قطاع غزة بعيدا عن السلطة الفلسطينية و تم عقد هذه الورشة في خضم العداء الأمريكي والإسرائيلي للرئيس أبو عمار [11]، جاءت الظروف لتنفيذ الخطة بعد وصول عملية التسوية لطريق مسدود واندلاع انتفاضة الأقصى 2000 حيث تم طرحها علنا من طرف شارون في مؤتمر هرتسليا يوم 18-12- 2003 ، وصادقت الحكومة الإسرائيلية على خطة الفصل المعدلة يوم 4-6 -2004 ، وكان الحديث عن الانسحاب من مستعمرات قطاع غزة وأربع مستوطنات في الضفة ، وتم تفعيل الخطة مع احتدام الصراع مع أبو عمار وسعي إسرائيل وواشنطن لتصفيته سياسيا والبحث عن قيادة بديلة، فقيادات رسمية فلسطينية كانت تعلم بالمخطط وتعلم بأن شارون لا يهرب من غزة بقدر ما إنه يقدم القليل ظاهريا وتكتيكيا ليأخذ الكثير استراتيجيا وخصوصا تدمير وحدة المشروع الوطني والتخلص من الكثافة السكانية في القطاع فتم تشكيل لجنة تحت رئاسة الوزير محمد دحلان للتعامل مع خطة شارون وتم رصد مبلغ عشرين مليون دولار لتنسيق عملية الإشراف على الانسحاب وتسهيله وهذا بتزامن مع قرار من حركة حماس وبقية فصائل المقاومة بوقف الأعمال العسكرية أثناء فترة الانسحاب ، لم يكن الخروج من غزة هروبا لجيش الاحتلال بل مخططا سياسيا متكاملا له تداعيات خطيرة سياسية واقتصادية وقانونية . وكان يُفترض على السلطة تشكيل لجان لبحث الوضعية القانونية لغزة بعد خروج الجيش الإسرائيلي ؟ هل ستكون سيادة فلسطينية أم حكم ذاتي موسع ؟ هل سيكون الانسحاب تطبيقا لقرارات الشرعية الدولية أم تطبيقا إسرائيليا لخارطة الطريق دون أية مرجعية إلا مشيئة شارون ؟ والوضعية القانونية لغزة ستختلف حسب مرجعية الانسحاب إلا أنه لم يحدث شيء من ذلك حيث شغل الصراع على السلطة بين مراكز القوى داخل السلطة نفسها والصراع بين فتح وحماس الجميع عن الخطر الذي يهدد الوطن .

تم التحذير منذ ذاك التاريخ بان الثمن الذي قد يضطر الفلسطينيون لدفعه مقابل إشرافهم على غزة هو الضفة الغربية والقدس كما تم التحذير من مخطط فصل غزة عن الضفة ومن أن الفلسطينيين لن تكون لهم سيادة على غزة والحكم الذاتي الذي سيمارسونه على غزة هو كقصور على رمال متحركة ،فبالإضافة إلى محدودية سلطتهم – حيث سيشاركهم فيها المصريون من خلال تحكمهم بالمعابر – قد تتحول غزة إلى ساحة لمواجهات قد تأخذ أبعادا خطيرة بين الفصائل فالمناصب المتاحة وخيرات القطاع المحدودة هي دون القدرة الاستيعابية لشباب غزة الذين يتزايدون باستمرار وسيكون الأمر أكثر صعوبة إذا ما توقفت المنظمات عن عملها العسكري وتحولت إلى العمل السياسي آنذاك ستطالب بنصيبها من المناصب والخيرات التي هي محدودة في غزة(7).

يتبـــــــع
شفيشو عبدالاله / الشاون
________________________________________
1) مدينة غزة جزء أو محافظة من محافظات قطاع غزة والعالم الخارجي لم يعد يميز بين مدينة غزة وقطاع غزة .
2) يمكن الرجوع لأصل الاقتباسات حول الموضوع إلى : التوراة وهي تشكل العهد القديم من الكتاب المقدس للمسيحيين
3) تم اكتشاف الغاز في المياه الإقليمية للقطاع لأول مرة عام 1998 وفي مارس 2013 أعلنت حكومة حماس عن اكتشاف بئر جديد للغاز
4) سنوات التيه والضياع هي سنوات العقد الممتد من 1948 سنة النكبة إلى 1959
شقيق الحوت : بين الوطن والمنفى، بيروت ، رياض الريس للكتب والنشر، 2007.
5) أنظر بهذا الشأن : حسين أبو النمل : قطاع غزة ١٩٤٨ – ١٩٦٧: تطورات اقتصادية وسياسية واجتماعية وعسكرية ، مركز الأبحاث منظمة التحرير الفلسطينية , 1979.
6) وثيقة ورشات عمل مدريد حول الحكم في قطاع غزة ،1 نوفمبر 2004 . وقد ترجم الوثيقة اللواء الركن المتقاعد عبد الكريم عاشور من فلسطين .
7) يمكن الرجوع لمزيد من التفاصيل إلى : إبراهيم أبراش ، صناعة الانقسام الفلسطيني : النكبة الفلسطينية الثانية ، دار الجندي للنشر والتوزيع ، القدس ، 2014 .

ابو صامد شفيشو

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا