زحـــمـــــة مــبـــــادرات

بقلم: صادق الشافعي

المبادرة التي طرحها الدكتور رمضان شلّح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في خطابه بالذكرى التاسعة والعشرين لانطلاق الحركة، تأتي في سياق المسار الواسع المكتظ بالمناشدات والدعوات والاجتماعات والفعاليات على أنواعها، وهي تأتي من مختلف فئات وشرائح وهيئات المجتمع الفلسطيني ومن كل مناطق الوطن والشتات.
وكلها في الجوهر تُجمع على المناداة بانهاء الانقسام الفلسطيني واستعادة الوحدة الوطنية بكافة تعبيراتها من جهة، وتنادي بالتغيير والتجديد والتفعيل في النظام السياسي الفلسطيني العام بداية بالمفاهيم الاستراتيجية وبالبرامج والمؤسسات والهيئات من جهة أُخرى.
لكن، ما يعطي مبادرة الدكتور شلّح خصوصيتها أنها تطرح رسميا بلسان الأمين العام لتنظيم فلسطيني يتمتع، الى جانب نضاليته، بدرجة عالية من المصداقية، وهو التنظيم الوحيد الذي ظل منسجما مع رفضه لاتفاقات أوسلو ولم يشارك في اي تعبيرات خرجت عنها.
بغض النظر عن وجود بنود في المبادرة قابلة للجدل، وصياغات تحتاج الى تدقيق وربما مراجعة ( تعبير “اعادة البناء” في البند المتعلق بمنظمة التحرير مثلا)، وبغض النظر عن “حشوات” جدلية خلافية ألحقت بشروحات بعض بنود المبادرة، دون ان تدخل في صلبها لم يكن لها لزوم وليس لها من دور سوى استجلاب ردات فعل سلبية وربما مخارج للطفشان، فان ذلك لا يفقد المبادرة خصوصيتها.
لا يمكن رؤية المبادرة والتعاطي معها بوصفها برنامجا منجزا ومكتملا مطلوب الموافقة عليه والبدء بتنفيذه، بل تكون رؤيتها والتعاطي معها بكونها مقترحاً يشكل أساساً، وربما واحداً من الأسس، لحوار وطني جامع ومسؤول للكل الفلسطيني تخرج عنه المفاهيم الاستراتيجية والبرامج المطلوبة، وتخرج معها لزومياتها من تفاصيل وآليات وأولويات وتوقيتات و…الخ. كما تخرج عنه إجابات واضحة وحاسمة على أسئلة واقعية وقائمة، أولها واكثرها مفصلية وإلحاحاً سؤال الانقسام وتعبيراته القائمة وكيفية التعامل معها، وآليات الانتهاء منه.
من الطبيعي والواجب أن يتناول الحوار الوطني المطلوب الأخطاء والقصورات والرهانات الخاسرة التي وقع بها النظام السياسي الفلسطيني العام بوضوح وجرأة، وهي موجودة وحقيقية، وتم بحث وتناول العديد منها في اطر ولقاءات ومناسبات عدة، واتخذت تجاه البعض منها مواقف وقرارات.
ومن الطبيعي والواجب بنفس القدر، ان يرى الحوار ويتناول باعتزاز وإنصاف النجاحات والإنجازات التي حققها هذا النظام على اكثر من مستوى وصعيد وبالذات على المستوى الدولي، وهي ايضا موجودة وحقيقية. كما انه من الواجب والضروري البناء على الاتفاقات السابقة التي حظيت بموافقة الجميع بالذات وثيقة الأسرى واتفاق القاهرة.
اذا ما تحقق هذا الحوار الوطني فان القرارات التنفيذية المطلوبة تكون عندها صادرة عنه ونتيجة له، بغض النظر عن الجهة التي تصدرها ومن يوقع عليها.
وفي التقدير، ان إعلان عدد من التنظيمات والجهات تأييدها او ترحيبها بمبادرة الدكتور شلّح لا يخرج عن هذا الفهم.
مبادرة الدكتور شلّح سبقت بأيام زيارة الرئيس أبو مازن الى تركيا، حيث من الطبيعي التوقع ان يكون الوضع الفلسطيني الداخلي والانقسام على جدول أعمالها. وتليها مباشرة، زيارة الرئيس الى قطر حيث التقى الأخ خالد مشعل وربما آخرين من قادة حماس. وليس مستبعداً أن تبادر قطر الى تحريك الحوار التوحيدي، بشكل او بآخر.
والمبادرة تسبق بأيام زيارة الأخ محمد بركة رئيس لجنة المتابعة القطرية للجماهير العربية ( 1948) الى قطر، مع وفد شخصيات فلسطينية من الضفة والقطاع والشتات والداخل. الزيارة جاءت بطلب وتأييد من كل فصائل منظمة التحرير التي أصرت على مشاركة قيادات من الداخل الفلسطيني في مشروع المصالحة الوطنية الفلسطينية وإنهاء الانقسام، وبتشجيع من الرئيس أبو مازن. وهو امر يصب في تأكيد وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة اهتماماته في جميع مناطق الوطن والشتات. والزيارة تتم بناء على قرار اخذ بإجماع لجنة المتابعة.
ومبادرة الدكتور شلّح تأتي قبيل الموعد المرتقب لمؤتمر حركة فتح. ومن الطبيعي، ان معالجة الانقسام ووحدة النضال الوطني الفلسطيني بكافة مؤسساته وهيئاته ستكون بالتأكيد من اهم بنود جدول أعمال ومحركات هذا المؤتمر ونتائجه.
إذن، نحن أمام حركة نشطة لمعالجة موضوع الانقسام، نأمل أن تصل الى نتائج تبلّ ريق المواطن العادي وشوقه الى إنجاز ملموس ويستأهل، ولا تدفعه الى مزيد من الإحباط وصولا الى فقدان الأمل.
لكن الحركة لا تكتمل ولا تأخذ كامل مداها المطلوب، ولا تصل الى النتائج المرجوّة، دون ان يحتضنها حراك جماهيري تشارك فيه أوسع قطاعات الشعب واكثرها تنوعا. فلم تعد تكفي اجتماعات مندوبي بعض او كل التنظيمات كما اجتماعات الكرادلة يخرج منها، بدل الدخان الأبيض، صور ولقطات تلفزيونية تمتلئ بالقبل والأحضان ومعها تطمينات وتفقد مفعولها بعد وقت قصير.
في غياب دور المجلس الوطني والمجلس التشريعي، ومع استمرار استلاب حق المواطنين بانتخابات دورية وديموقراطية، فلا بديل عن حراك شعبي تشارك فيه قوى المجتمع المدني على تنوعها والاتحادات النقابية والشعبية ومؤسسات ومراكز البحث والدراسات والأكاديميين والشخصيات الوطنية المناضلة والاقتصادية والثقافية. حتى لو احتاج الأمر الى تشكيل لجنة تحضيرية تنظم هذا الحراك على شكل اجتماعات ولقاءات ومؤتمرات تشمل مناطق الوطن والشتات.
مبادرة الدكتور شلّح علقت جرساً إضافياً، وقد يكون ناقوسا أقوى رنيناً، المهم أن يقع الرنين على آذان تسمع وإرادات تستجيب.

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

فتح ميديا أوروبا