الرئيسيةمختاراتمقالاتثقافة الفساد في العالم العربي

ثقافة الفساد في العالم العربي

بقلم: د. إيهاب عمرو

يدور الحديث في المنتديات الإعلامية والثقافية والشعبية في العالم العربي حول ظاهرة الفساد. ولعل التساؤل المطروح يتعلق بأسباب تفشي تلك الظاهرة الخطيرة التي تودي بمقدرات الدول العربية ومقدرات شعوبها، مع العلم أن كثيراً من تلك الدول لديها موارد طبيعية وطاقات بشرية لا تتوفر لدى غيرها، خصوصاً أن مقدرات تلك الدول إنما يجب أن تكون ملكا لشعوبها لا لغيرهم من المارقين الذين يكون همهم الأول والأخير أرصدتهم البنكية ومصالحهم الضيقة دون إدراك لخطورة الدور الذي يقومون به من تدمير مقدرات تلك الشعوب وإعادتها قروناً إلى الوراء عوضاً عن المساهمة في تقدمها ورفعتها ونموها وإزدهار حياة أجيالها الصاعدة.

في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن الفساد يعد ظاهرة عالمية، وإلا بماذا نفسر الأزمات المالية التي عانت منها ولا تزال بعض الدول الغربية، وبعض دول أميركا اللاتينية كذلك؟

ولعل الشكل الذي يكثر الحديث عنه هو الفساد المالي الذي يقتصر على طبقة السياسيين، والحقيقة تبقى أن هناك أشكالاً أخرى من الفساد منها ما هو إداري حكومي أو إداري في القطاع الخاص، ومنها ما هو أكاديمي، وكذلك الفساد الشعبي، بمعنى أن يصبح الفساد ظاهرة شعبية تستمرئها الشعوب وتكون ديدن لها.

وتحضرني في هذا السياق نماذج شعبية للفساد مثل تمجيد الفاسد واعتباره قارئاً جيداً للمعادلات ومدركاً لطبيعة الوضع العام، سواء تعلق ذلك بالفاسد الصغير أو الكبير، في حين أن الملتزم يعد- وفقاً لتلك الثقافة الفاسدة السائدة- عديم الرؤية وليس لديه قدرة على قراءة تلك المعادلات، التي أقل ما يقال عنها إنها مشبوهة.

كذلك، فإن الواسطة والمحسوبية تعتبران من أشكال الفساد في العالم العربي رغم أنها مجرمة قانوناً. والأنكى من ذلك هو وصول تلك الظاهرة الخطيرة إلى الجهازين القضائي والتعليمي في بعض الدول العربية، رغم أن الجهاز القضائي يعد المرتكز لحماية سيادة القانون ورد الحقوق لأصحابها، ما ينبغي معه أن تكون التعيينات في هذا الجهاز المهم مستندة إلى أسس علمية وقانونية سليمة كإجراء الامتحانات القضائية، مع ضرورة مراعاة الشفافية العالية والرقابة الفاعلة عند إجرائها وإعلان نتائجها. إضافة إلى أن الجهاز التعليمي ينبغي أن يكون الأنموذج كونه يتعلق بالأجيال الصاعدة وضرورة تنشئتها على احترام مثل الحياة العلمية وقيمها.

ولاحظت أثناء وجودي في اليونان أن الجهازين القضائي والتعليمي بقيا متمتعين باحترام فئات الشعب اليوناني كافة أثناء الأزمة المالية التي ضربت اليونان مع بداية العام 2010 التي عشتها وعايشتها عن قرب، وذلك بسبب الشفافية والشعور بالمسؤولية التي تمتعا بها بالمقارنة مع أجهزة حكومية أخرى في قطاعات معينة، كالقطاع السياحي مثلاً الذي ضرب الفساد بعض أركانه.

خلاصة القول: إن الثقافة الشعبية التي تمجد الفساد في العالم العربي دون أن تشعر لا بد من تغييرها وإحلال ثقافة بديلة عنها تستند إلى الشفافية والمسائلة، ذلك أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. كذلك، إن الثقافة الشعبية التي تركن إلى الواسطة والمحسوبية في التعيينات إنما هي ثقافة بالية أبعد ما تكون عن مستلزمات العمل المهني السليم، وأصول المتابعات الإدارية. ولا نقصد بالواسطة هنا مجرد المعرفة بالآخر أو قدراته العلمية إذ لا يمكن في مجتمعات شرقية تعتمد على التواصل الاجتماعي إنكار وجود تلك الروابط الاجتماعية والمهنية، لكن المقصود بالواسطة والمحسوبية هنا منع الآخرين من الحصول على ذات الفرصة في أن تتم معاملتهم بشكل متساو في إجراءات التعيين من قبل المؤسسات المشغلة وأصحاب العمل وفق القانون.

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا