الانقسام.. سنوات العجاف الوطني

ما الذي حدث يومها؟ كيف تدحرجت الجريمة حتى اصطدمت بمقر الرئاسة؟ يومها ركع أحدهم على مدخل المقر شاكراً لله هذا النصر المبين على “الأعداء”، هكذا كنا نراقب هول المشهد بذهول متسائلين ما الذي تفعله حركة حماس؟ ومن الذي قدم لها تلك النصيحة السوداوية، التي اتضح الآن بعد عقد على الانقلاب في مثل هذا اليوم أنها تغرق في كومة من الأزمات، غرقت وأغرقتنا جميعا وبتنا بحاجة إلى معجزة للخروج من تلك الورطة.

كان ذلك في الرابع عشر من حزيران شوارع غزة ملأى بالمسلحين، أسطح العمارات تحتضن القناصة، معارك بين الإخوة الأعداء أشرس من المعارك التي دارت مع الاحتلال، معبأة بالتحريض الذي لعبت وسائل الإعلام ورجال التنظير الفكري دوراً في زراعة ثقافة الحقد، وإلى حين أن وصلنا إلى هذا اليوم الأسود كانت الأرض مفروشة بالكراهية، كان كل شيء جاهزا لإطلاق الرصاصة الأولى، التي أشعلت الحريق الذي لم تنجح كل العواصم في إطفائه.

ما حدث لم يكن خلافا بين فصيلين متصارعين على السلطة فقط، ولم ينته عند هذا الحد، كما حدث في جميع الدول التي خاضت حروبا أهلية كالولايات المتحدة وإسبانيا ولبنان حتى، لكن فرادة التجربة الفلسطينية تحت الاحتلال ووجود المانع الجغرافي ممثلاً بإسرائيل بين منقطقتين كل منهما يحكمه أحد أطراف الخلاف جعل من التداعيات ما يمثل كارثة للمشروع الوطني، الذي بدأ خط بيانه الهابط المستقيم بشكل ثابت ينحو نحو انهيار بات هو الحقيقة الوحيدة في المشهد الفلسطيني إذا ما دققنا النظر بكل الجزيئات التي باتت تنتظر إعلان انهيارها الكامل دون أن يستطيع أحد وقفه برغم قلة المحاولات التي تمت، لكن للحظة بدت الإرادة الفلسطينية الآن بعد عقد هو الأكثر بؤساً في تاريخ الفلسطيني تشهد انكشافا وعجزا غير مسبوقين لفشلها في إنهاء هذه الحالة الشاذة من صراع وانقسام تحت الاحتلال.

الأسوأ في الانقسام الذي حدث أنه أحدث شللاً في الحياة السياسية الفلسطينية التي كانت تجربة وليدة تحبو نحو صقلها من خلال برلمان وصندوق انتخابات وشفافية ومؤسسات تتداول الحكم وتنافس لاستقطاب الرأي العام وكل ما يمكن أن تنتجه هذه الحالة التي كانت تطمح أن تسجل نموذجا فريدا في المنطقة العربية يحكم قربها من التجربة الاسرائيلية التي كان قد عايشها معظم فلسطينيو الداخل وإذ بها تصدمنا بنموذج هو الأكثر تخلفا في المنطقة وقد فعل الزمن فعله في المؤسسة التي تجمد الدم في عروقها ليتحول إلى صديد تخثر في جسدها.

هذا الجمود كان لا بد وأن ينتج حالة من التفرد الذي قاد بفعل انقسام شطري الوطن إلى منطقتين متصارعتين كل واحدة محكومة بنقيض الأولى ولديها رأي عام من المخالفين قاد إلى حكم استبدادي خائف من الآخر يعيش حالة من الذعر الدائم والتشكيك أنتجت قدر من السلوك غير السوي في ممارسة الحكم ممثلا بديكتاتورية فرضت نفسها أو بررت لنفسها كل التجاوزات التي عايشها جزئي الوطن كان القانون الوليد ضحيتها الأولى والمواطن الفلسطيني هو شاخص الرماية لممارسي الحكم بلا رحمة.

ولأن السياسة هي حلقات مترابطة فقد نتج عن ذلك فقدان الثقة بالنظام السياسي سلطة ومعارضة وأحزاب، لأن كل هذا الخراب الذي نتج، سواء بسببها أو بسبب فشلها في منعه أو عدم قدرتها على محاصرة تداعياته والتغلب عليه، وهذا الأمر لا يمكن التقليل من خطورته باعتبار الفلسطيني مازال في مرحلة التحرر الوطني والذي أخذت الفصائل على عاتقها مشروع التحرير، وهذا يعتمد أولاً على ثقة المواطن بهذه القوة واستعداده للتضحية معها والذهاب إلى حيث تريد فإن الهوة التي تتسع بين المواطن والقوى هي ما حاولت إسرائيل فعله على امتداد العقود الماضية من عزل للقوى عن شعبها ورافدها بالقوة البشرية حققته الفصائل بضربة واحدة وهنا يمكن أن نرى أن ما تبقى من المدافعين هم المجموعة السكانية المرتبطة اقتصاديا ووظيفيا بالقوى الحاكمة.

ما فعلته حركة حماس باندفاعها غير المحسوب هو أخذ غزة بعيداً عن المكون الوطني سياسياً وجغرافياً وهذه المنطقة التي مثلت أزمة المشروع الإسرائيلي منذ احتلاله لها في حرب 67 ساعياً للتخلص منها وقد جرت محاولات فصلها، سواء مع المحيط الإقليمي أو مع قوى محلية وصولاً لمحطة أوسلو التي استهدفت غزة وحدها لكن لم ينجح المشروع الإسرائيلي، لأن ياسر عرفات انتقل أو نقل الصراع للضفة الغربية، لكن الفعل المسلح للحركة قبل عشر سنوات ذهب دون أن تدري باتجاه هذا المشروع ومازلنا نسمع حتى في الكابينيت الإسرائيلي عن ضرورة إيجاد سياسة خاصة مع غزة. والأهم أن تجربة الحكم التي ترسخت في العقد الأخير، تجربة الجمود والفشل في تمكين المواطن إنسانياً واجتماعياً وسياسياً والنموذج الذي يتقدم “حتى كتابة هذا المقال هناك معتقلون في الضفة وغزة بسبب آراء على الفيسبوك”، هذا النموذج أحدث تآكلاً في الإرادة الشعبية التي تراجع لديها حلم الاستقلال طالما أن هذا المستوى من الحكم هو ما ينتظرها بعد الاستقلال.

غزة كانت ميدان التجربة التي غرقت بها حماس وأغرقت معها سكان القطاع بحصار هو الأقسى وثلاثة حروب ودمار هائل وانهيار لبنية المجتمع والأهم فقدان الأمل وتحويل الكتلة البشرية التي تسكنه الى مجموعة من المتسولين فاقدي الإرادة ،غزة التي مثلت دفيئة المشروع الوطني تحولت الى عبء على هذا المشروع وأزمته الانسانية الكبرى التي يبحث الجميع عن خلاص لها ويصبح البحث عن حلول لأزماتها أولوية الأولويات الوطنية، هنا تكمن الأزمة، ومن لم يصدق عليه المقارنة قبل عشر سنوات وأين يقف الفلسطينيون اليوم، هذا يحدث للشعوب عندما لا تجد قيادة أو تكون قيادتها أقل كثيراً من قضيتها، تهوي وتجر معها مستقبلها، هذا ما حدث.

والآن يسأل الجميع بسذاجة ما المخرج؟ ما قاله القيادي سمير المشهراوي بالأمس على قناة الغد العربي يعكس إمكانية الاتفاق، فهل شجع وجود قيادة جديدة لحركة حماس من المتحررين من إرث الانقسام على التفاهم؟ ربما ذلك يشكل فرصة للتراجع نحو آفاق وطنية أوسع بعد سنوات الضياع تلك فليتقدم الجميع نحو فكفكة عقد الأزمة، فما زال هناك متسع تحكمه الضرورة الوطنية لوقف الانهيار.

بقلم: أكرم عطا الله

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا