إسرائيل والعباءة القطرية

بقلم: د. أحمد فؤاد أنور

منذ نحو عامين كتبت هنا فى «الأهرام» عن الدور السلبى الذى تلعبه السياسات القطرية فى المنطقة, وعن الفرص التى تهدرها تباعا لرأب الصدع وكف الأذى، وكان من المستغرب أن يأتى الرد من إسرائيل، حيث خصصت صحيفة معاريف صفحتين كاملتين هجوما ضد شخصى ودفاعا عن قطر، ما كان مستغربا منذ نحو عامين لم يعد مستترا ومستهجنا خلال الأسابيع الماضية، فقد تكشفت تفاصيل كثيرة تفضح حجم التحالف، ربما بسبب حجم الضغوط العربية على قطر، التى فشلت المخابرات الإسرائيلية فى توقعها مبكرا.

بنعرة طائفية ممجوجة يستغل الائتلاف الحكومى الحالى الدين اليهودى ويشوهه مروجا إلى يهودية الدولة مقابل شعار دولة لكل مواطنيها، وكأن الفلسطينيين يحتملون المزيد من التضييق والإفقار، أو أن المنطقة يمكن أن تتكيف وتتقبل هذا التحول المستفز الذى بالطبع سيصحبه ترحيل جماعى للسكان ومطالب وسعى لتغيير الحدود الحالية، وهنا نجد أن للنظام القطرى منذ نحو عشرين عاما دورا يلعبه فى الإلهاء عن هذه الخطوات الإسرائيلية المستقبلية، وفى تفتيت العالم العربى من الداخل بدعم الإرهاب ماليا وإعلاميا، وبتوفير الملاذات للإرهابيين، مما دفع تل أبيب للدفاع عن الدوحة إعلاميا، بل وعبر تسهيلات من الطيران الإسرائيلى للطيران القطرى فور اندلاع أزمة الدوحة مع الدول العربية التى فاض بها الكيل من الإصرار القطرى على التدخل فى شئونها وضرب الاستقرار ودعم الإرهاب.

عبرت عن هذا دعم صحيفة «يسرائيل هيوم» الإسرائيلية المقربة من نيتانياهو من خلال محللها المستشرق أدى كوهين للدوحة، وتوقعت الصحيفة منذ أيام «فشل الجهود العربية فى إقناع مسلحين بالسيطرة على شبكة قنوات الجزيرة وإسقاط نظام تميم آل ثانى». وهى مطالب مختلقة مزورة لم تطرحها الدول العربية على الإطلاق!! كما روجت الصحيفة إلى «مساندة قطرية لمصالح إيران فى سوريا، ودعم الدوحة لمزاعم إيرانية بشأن تبعية البحرين لإيران». والغريب هنا أن المستشرق الإسرائيلى نفسه زعم أن عددا كبيرا من سكان عدة دول خليجية ينحازون لقطر ويعربون عن تقديرهم لإيران! وهو ربما ما يفسر بيان وزارة الداخلية البحرينية الأخيرة ضد متورطين شيعة فى إثارة القلاقل فى البحرين برعاية رسمية قطرية.

من صور التعاطف الإعلامى الإسرائيلى أخيرا مع قطر تعالى نغمة: مقارنة قطر بإسرائيل، لكونهما دولتين صغيرتين محاطتين بـ «الأعداء» وإبراز كون الرياضيين فى قطر يتعاملون بنفس المعاملة التى يعانيها الإسرائيليون مع الدول العربية منذ سنوات. وعلى نفس موجة التعاطف والتحالف بشّر «يونى بن مناحم» المحلل بمركز إسرائيلى للدراسات الأمنية بـ«فتح سفارة لقطر فى تل أبيب خلال أسابيع»..وهو ما برر به مطالبته للحكومة الإسرائيلية بعدم التورط مباشرة فى «الخلاف».

أبرزت القناة العاشرة الإسرائيلية تأثير قناة الجزيرة ودورها فى تفجير أحداث «الربيع العربى». وهو ما يمكن ربطه بمعاداة تل أبيب والدوحة لثورة 30 يونيو فى مصر وهى حالة العداء التى كشفت رغبات توسعية لدى فرع الأسرة الحاكمة الحالى فى الدوحة تتماشى مع رغبات مماثلة لإسرائيل لاتتحقق إلا بتفتيت الكيانات المناوئة من الداخل ببث الفتن والنعرة الطائفية عبر الإخوان وداعش. وهو ربما ما يفسر تلكؤ نيتانياهو فى إغلاق مكتب الجزيرة فى إسرائيل. وكيف سيطردها وقد عاونته بشكل مباشر وغير مسبوق مرارا؟ حيث استضافت كثيرا المتطرف مردخاى كيدار المروج الأول ليهودية القدس، وافيخاى أدرعى المتحدث باسم جيش الاحتلال، وعددا من جنرالات الجيش الإسرائيلى، بل ووفرت لنيتانياهو نفسه مرتين فى 2009 و2016 منصة دعائية مطولة تجاوزت 25 دقيقة وهى فرصة لم يكن يحلم بأن ينالها نيتانياهو بتلك الأريحية والكرم حتى فى قناة إسرائيلية، وتمت إذاعة كلمته كاملة على الهواء دون تعقيب بعد أن شارك فى المرة الأولى لنفس الفترة الطويلة عبر حوار مع القناة. نيتانياهو الذى يعتقل إداريا دون محاكمة آلافا لسنوات..والذى لم يتوان عن إصدار قرارات اغتيال فرد فى عمارة سكنية بقنبلة وزنها 2 طن، مما يعنى بالضرورة وقوع مذبحة لأبرياء، تردد فى إغلاق الجزيرة ولا يزال تحت حجة تشكيل لجنة موسعة لدراسة الأمر.

سعيا لدفع الرأى العام الإسرائيلى والغربى لتبنى المواقف القطرية حذرت مصادر إسرائيلية مسئولة علنا من تضرر إسرائيل من الموقف العربى الموحد نظرا لأن توقف الدعم القطرى لحماس ــ بطلب مصرى سعودى ــ من شأنه أن يؤدى إلى انفجار، وإلى ارتماء حماس فى أحضان إيران، وربما المبادرة إلى شن مواجهة عسكرية مع إسرائيل للهروب من الحصار، وسيؤثر على مفاوضات برعاية قطرية لإعادة 4 جثث لإسرائيليين فى قطاع غزة. ووفقا لنفس المزاعم فإن قائمة خسائر إسرائيل من الخطوة العربية المشتركة ضد سياسات قطر شملت تجارة الألماس والمجوهرات التى تعد تجارة رائجة فى إسرائيل وسيمثل غياب القطريين من هذه السوق فى موسم عيد الفطر ضربة للشركات التى يعمل بعضها تحت ستار هندى.

التحالفات القطرية وتقاطع المصالح الذى بدأت تظهر ملامحه وتفاصيله كاملة من خلال قائمة 59 شخصا متورطين فى الإرهاب بشكل مباشر ــ نصفهم مصريون ــ وقوائم أخرى فى الطريق يمكن ربطها بتحالف علنى قطرى إسرائيلى تركى ضد الاقتصاد المصرى, وضد التصدير بشكل خاص استحوذت شركة إسرائيلية على شريك أساسى لبنك مالطى استحوذ بدوره على شركة تخصيم فى مصر (من مهامها تشجيع التصدير) توالت داخلها الاستقالات بعد ظهور شراكة مع بنك إسرائيلى سييء السمعة، وهو ما استدعى التقدم ببلاغ للنائب العام المصرى رقم 2652، يتضمن تلك الشكوك مشفوعة بأدلة وأسماء تفصيلية.

يهدف التعاون الإسرائيلى القطرى الحالى إلى منح حكام قطر طوق نجاة أخير بالترويج للرواية القطرية والمظلومية أمام الغرب والولايات المتحدة تحديدا، حتى تتمكن الدوحة من تمييع المطالب والشواغل العربية أو المناورة وقتل الوقت حتى تتجاوزها وتستمر فى حرف مسار حركات المقاومة ودفعها للتدخل فى الشئون الداخلية للدول العربية والتشبث بالسلطة وتوزيع الامتيازات والمكاسب بتحالف تركى إيرانى إسرائيلى غير مكتوب.

عن جريدة “الأهرام”

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا