في ذكراه العاشرة …. ألم يحن الوقت لإنهاء الانقسام ؟

بقلم: المحامي راجح ابو عصب

يعيش الشعب الفلسطيني في هذه الأيام الذكرى العاشرة للانقسام , واذا كانت احداث هذا الانقسام بدأت في عام 2006 اثر فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 وكانت اول انتخابات تشريعية تشارك فيها حماس , وقد تقبل الرئيس محمود عباس نتائج تلك الانتخابات وكلف القيادي في حماس اسماعيل هنية تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة .

وقد طلب الرئيس من حكومة هنية الجديدة الالتزام بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع اسرائيل خاصة اتفاق اوسلو الذي وقعته المنظمة مع حكومة اسرائيل برئاسة رئيس الوزراء انذاك اسحق رابين عام 1993 , وقد استند الرئيس في طلبه المحق هذا الى ان المنظمة تعتبر الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني .

ومن هنا فان على اي حكومة فلسطينية تتشكل ان تلتزم بما التزمت به المنظمة , لأن الوفاء بتلك الالتزامات يعطي العالم صورة واضحة تدل على ان الشعب الفلسطيني من شعوب العالم المتحضرة التي تحترم كلمتها وتحترم ما تلتزم به في اي اتفاقات توقعها وبالتالي فهو قادر على اقامة دولته المستقلة التي يسعى لاقامتها .

اما عدم وفاء حكومة الشعب الفلسطيني ايا كان منْ شكلها فانه يعطي صورة سيئة لهذا العالم تقول ان الفلسطينيين لا يحترمون التزاماتهم ولا ينفذون ما تعهدوا به وما وقعوا عليه من اتفاقات ؟ فهم لذلك ليسوا اهلا لاقامة دولة فلسطينية كما يطالبون وكما يسعون وبالتالي سيفقدون احترامهم لدى دول العالم المختلفة , وسيخسرون كل التضامن والتعاطف مع قضيتهم الفلسطينية ومع سعيهم لاقامة دولتهم .

وستقول المنظمات الدولية التي تسعى السلطة الفلسطينية الى الانضمام اليها كخطوة في الطريق الى اقامة دولتهم , وفي سعيهم لاعتراف تلك المنظمات الدولية بدولتهم , ستقول تلك المنظمات : اذا كان الشعب الفلسطيني لم يلتزم بما وقعه في اتفاق اوسلو الذي على اساسه قامت سلطته الفلسطينية , والتي وضعت هدفها الاساس اقامة دولة فلسطينية فكيف سيلتزم بمواثيق هذه المنظمات التي يطلب الانضمام اليها ؟ ذلك ان التوقيع على الانضمام الى تلك المنظمات يعني الالتزام بكافة مواثيقها وما تفرضه من التزامات .

كما ان الرئيس عباس طلب من حكومة هنية الالتزام بنهجه السياسي وخياره الاستراتيجي المتمثل في ان السبيل لتحقق الاماني المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها : اقامة دولته المستقلة على الاراضي الفلسطينية وذلك ضمن حدود الرابع من حزيران عام 1967 , وهذا النهج السلمي البعيد عن العنف هو الذي طرحه الرئيس عباس على الشعب الفلسطيني حين ترشح لانتخابات الرئاسة الفلسطينية عقب رحيل زميله في النضال القائد ياسر عرفات والذي على اساسه فاز باصوات اغلبية الشعب الفلسطيني .

وهذا النهج السلمي الذي سار عليه الرئيس عباس هو ايضا النهج الذي اختطته الدول العربية , وتجلى ذلك في تبني مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في العاصمة اللبنانية عام 2002 مبادرة السلام العربية التي تدعو الى اعتراف اسرائيل بدولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وقابلة للتواصل الجغرافي في جناحي فلسطين : الضفة الغربية وقطاع غزة وذلك ضمن حدود الرابع من حزيران عام 1967 .

وقد استطاع الرئيس عباس من خلال خياره الاستراتيجي هذا للسلام ان يكسب الاعتراف الدولي بحق الشعب الفلسطيني باقامة دولته ومن هنا جاء اعتراف اكثر من مئة وثلاثين دولة في العالم بدولة فلسطين ورفعت اعلام فلسطين فوق العشرات من السفارات الفلسطينية في العديد من العواصم العالمية .

وكذلك فان هذا النهج السلمي هو الذي فتح الابواب واسعة امام السلطة الفلسطينية للانضمام الى العديد من المنظمات الدولية وخاصة في الامم المتحدة وذلك كسبيل لنيل العضوية الكاملة في الامم المتحدة وتعزيز الاعتراف بها في المؤسسات الدولية .

والانضمام الى منظمة الامم المتحدة كعضو كامل العضوية حق طبيعي لكل شعوب الارض بما فيها الشعب الفلسطيني وهذا الانضمام الى الامم المتحدة وبالتالي الانضمام تلقائيا الى كل المنظمات المتفرعة عنها , يتفق تماما مع النهج السياسي السلمي الذي اختطته القيادة الفلسطينية لاقامة دولة الشعب الفلسطيني وكذلك مع الجهود العربية والدولية الساعية بصدق لانهاء الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي المستمر منذ اكثر من سبعة عقود .

وقد اعترفت الاسرة الدولية من خلال الامم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه وذلك من خلال عدة قرارات تبنتها الجمعية العامة للامم المتحدة خاصة القرارات التي تحمل الارقام 3236 و2649 و455 /65 التي اكدت ان حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في اقامة دولته المستقلة ذات السيادة هو حق مشروع .

وفي ذات الاطار فان قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 2672 اكد على احترام حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف يشكل جزءا حيويا من التوصل الى سلام عادل ودائم في الشرق الاوسط .

ومن هنا جاء قبول فلسطين عضوا كامل العضوية في عدد من الهيئات الاقليمية والدولية فهي تتمتع بصفة عضو مراقب في الامم المتحدة كما تتمتع بالعضوية الكاملة في حركة عدم الانحياز التي تضم مئة وعشرين دولة وهذا تلقائيا ادى الى ان هذه الدول المئة والعشرين اعترفت بدولة فلسطين علما ان عدد اعضاء دول الامم المتحدة 193 اي ان اغلبية كبرى من دول العالم تعترف بدولة فلسطين .

ومما سبق يتبين ان نهج الرئيس عباس السلمي الذي يتمتع بتأييد اغلبية الشعب الفلسطيني وبالاجماع من دول الجامعة العربية والاكثرية من دول العالم هو النهج السليم والطريق الوحيد للوصول الى تحقيق الاهداف المشروعة , ولو تخلى الرئيس عباس وحكومته كما طالبت حكومة حماس التي تشكلت عام 2006 عن هذا النهج وعن ما التزمت به في اتفاق اوسلو لما تحققت كل هذه الانجازات في الطريق الى اقامة الدولة الفلسطينية ولاتخذت حكومة اسرائيل من ذلك ذريعة للتحلل نهائيا مما وقعته حكومة اسحق رابين مع منظمة التحرير الفلسطينية في اتفاق اوسلو خاصة وان حكومات نتنياهو التي شكلها منذ عام 1996 وحتى حكومته الرابعة الحالية تماطل في تنفيذ ما التزمت به حكومة اسرائيل في اتفاق اوسلو .

واثر هذا الخلاف الجوهري بين طريق الرئيس عباس السلمي وطريق حركة حماس التي ترفض هذا الخيار فان الرئيس عباس دعا في شهر كانون الاول من عام 2006 الى اجراء انتخابات تشريعية جديدة يقول فيها الشعب الفلسطيني رايه في شفافية ونزاهة وديمقراطية وباشراف فلسطيني وعربي ودولي في اي الخيارين يريد خيار السلام كنهج استراتيجي وهو خيار الرئيس عباس واغلبية الشعب الفلسطيني ودول الجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي ام خيار حركة حماس الرافض لهذا النهج ولكن حركة حماس رفضت اجراء تلك الانتخابات .

وجراء هذا الرفض من حركة حماس فان الرئيس عباس اقال حكومة اسماعيل هنية وكلف د. سلام فياض بتشكيل حكومته الجديدة , فرفضت حركة حماس بهذه الاقالة التي هي حق تشريعي ودستوري للرئيس عباس واصرت على ابقاء حكومة هنية ومن ثم تطورت الاحداث المؤسفة الى اشتباكات مسلحة بين كتائب القسام التابعة لحركة حماس والقوة التنفيذية التابعة ايضا للحركة والتي شكلها انذاك القيادي في الحركة سعيد صيام وبين الاجهزة الامنية التابعة للسلطة الفلسطينية .

وجراء هذه الاصطدامات الدموية المؤسفة سقط نحو 322 فلسطينيا قتلى وذلك حسب احصائية اعدتها الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الانسان وقد سقط هذا العدد الكبير من الضحايا جراء الانفلات الامني خلال الفترة من كانون الاول عام 2006 وتشرين الثاني من نفس العام حيث قتل في القطاع 236 فلسطينيا وسقط في الضفة الغربية 86 اخرون .

وقد استمرت اجواء التوتر مع مطلع عام 2007 وبدأت محاولات عربية عديدة حثيثة لانهاء هذا الوضع القاتم حيث ان الملك عبد الله بن العزيز ملك المملكة العربية السعودية انذاك دعا قادة حركتي فتح وحماس الى مكة لبحث انهاء الخلاف وتحقيق المصالحة وذلك في رحاب اقدس بقعة اسلامية في العالم , وقد وقعت الحركتان في شباط من عام 2007 اتفاق مكة واثر ذلك شكلت الفصائل الفلسطينية حكومة وحدة وطنية .

ولكن وللاسف العظيم فان هذا الاتفاق لم يجد طريقه الى التنفيذ حيث تجددت الاشتباكات بين مسلحي حركتي فتح وحماس وانتهى الامر بسيطرة حركة حماس على قطاع غزة في الرابع عشر من حزيران عام 2007 وهكذا تحول الانقسام السياسي بين الحركتين الى انقسام جغرافي .

وما زالت الامور على حالها من الانقسام والتشرذم بين جناحي الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى يومنا هذا وها هو هذا الانقسام يدخل عامه العاشر ودون اية دلائل او اشارات توحي بانه في طريقه الى الانتهاء.

وخلال الاعوام العشرة السابقة لهذا الانقسام فان الرئيس عباس كان ولا يزال منفتحا على كل المحاولات العربية ومن قبلها الفلسطينية لانهاء هذا الانقسام ووضع حد له واعادة اللحمة لجناحي الوطن في الضفة والقطاع وذلك ابتداء من وثيقة الاسرى التي اطلقتها قيادات الاسرى في السجون الاسرائيلية في شهر ايار من عام 2006 ومرورا بالوساطة القطرية في تشرين الاول من عام 2006 ايضا .

كما ان الرئيس عباس تجاوب مع المحاولات المصرية العديدة لانهاء الانقسام حيث طرحت القاهرة في ايلول من عام 2009 ما عرف بالورقة المصرية حيث وضعت فيها القاهرة خلاصة افكارها لانهاء هذا الانقسام , علما ان مصر هي اكثر الدول العربية تأثرا بهذا الانقسام جراء حدودها المشتركة مع قطاع غزة .

وقد سارعت حركة فتح الى التوقيع على ورقة المصالحة المصرية هذه ولكن حركة حماس ماطلت في التوقيع على هذه الاتفاقية وطلبت ادخال تعديلات عليها ما ادى الى رفض مصر هذه التعديلات وهذا ما ادى الى عدم تطبيق بنود هذه الورقة واستمرار الانقسام .

ورغم ذلك فان مصر التي يهمها وحدة الشعب الفلسطيني واستقرار الامن على حدودها مع قطاع غزة استمرت خلال فترة الرئيس الاسبق حسني مبارك في سعيها لاتمام المصالحة وتولى ذلك الملف في تلك الايام رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان ولكن كل ذلك لم يؤد الى الامل المنشود في انهاء هذا الانقسام .

وهكذا دفع الشعب الفلسطيني خاصة الاخوة في قطاع غزة وما يزال يدفع ثمنا باهظا جراء هذا الانقسام ويكاد يصبح هذا الانقسام سياسة دائمة وثابتة .

رغم ان القطاع يعيش اوضاعا كارثية من الحصار والفقر والبطالة والتشرد وعيش الاف الاسر في خيم في العراء او في منازل مهدمة ولا زال الاخوة الغزيون يعانون من انقطاع التيار الكهربائي ومن شح المياه ومن عدم تمكن المرضى ذوي الامراض الخطيرة من العلاج في الخارج وكذلك خسر كثير من الموظفين العاملين في الخارج وظائفهم , وكذلك العديد من الطلبة مقاعدهم في الجامعات خارج القطاع ويوم عن يوم تحذر المنظمات الدولية من كارثة انسانية حقيقية في قطاع غزة.

والسؤال الذي يطرحه كل مواطن فلسطيني في هذه الايام وبمناسبة مرور عشرة اعوام على هذه الكارثة الفلسطينية الم يحن الاوان لحركة حماس ان تستجيب لنداءات الرئيس عباس لانهاء الانقسام , من خلال الذهاب الى انتخابات رئاسية وتشريعية يقول فيها الشعب الفلسطيني كلمته بحرية ونزاهة وديمقراطية في مرشحيه وقد اعلن الرئيس عباس باستمرار انه سيقبل بنتائج تلك الانتخابات مهما كانت ؟ .

ان اجواء رمضان وقدوم عيد الفطر المبارك يجب ان تدفع جميع الفصائل الى التعالي عن المصالح الفئوية والحزبية والفصائلية الضيقة والى اعلاء مصلحة الشعب العليا والتي تتمثل في سرعة انهاء هذا الانقسام والسير معا في طريق تحقيق اماني هذا الشعب في دولته الفلسطينية المستقلة .

والله الموفق

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا