بدون اوهام بشأن محمود عباس

يكتب الكسندر يعقوبسون، في “هآرتس” انه من ناحية هامة واحدة، يعتبر محمود عباس زعيما معتدلا بشكل يستحق الاشادة. ومن ناحية هامة أخرى، هو ليس معتدلا بتاتا. عباس معتدل في تعامله مع الكفاح المسلح، وليس معتدلا في موضوع حق العودة. وفي هذين الموضوعين يتمسك بمواقف طويلة السنوات.
لقد اعرب عباس على الملأ، عن معارضته للعمليات في بداية الانتفاضة الثانية، في ذروة التحريض في الشارع الفلسطيني. وهو لم يرفض العمليات ضد المدنيين فحسب، وانما رفض ايضا الهجمات النارية على الجنود من قبل نشطاء فتح. وادعى ان “عسكرة الانتفاضة” تمس بالمصلحة القومية الفلسطينية. وكان موقفه هذا شجاعا تم التعبير عنه علانية في ظروف قاسية. لقد قام اتفاق اوسلو على اسس الامل والافتراض بأن القيادة الفلسطينية ستفسر هكذا المصلحة القومية الفلسطينية. هذا الافتراض لم يكن صحيحا بالنسبة لياسر عرفات، لكنه صحيح بالنسبة لعباس.
عباس لم يتراجع عن هذا الموقف حتى اليوم. ورغم انه كان يأمل في البداية “بإقناع” حماس بالامتناع عن العمليات، الا انه في نهاية الأمر – وبسبب الضغط الاسرائيلي وفي اعقاب الانقلاب في غزة – توصل الى الاعتراف بأنه لا مفر من تفعيل القوة من قبل اجهزة الامن في السلطة والتعاون الامني مع اسرائيل. وهذا التعاون الذي منع الكثير من العمليات يتواصل لسنوات رغم الظروف السياسية الصعبة، وهو يجبي من السلطة ومن زعيمها ثمنا كبيرا في الرأي العام الفلسطيني.
لهجة السلطة الفلسطينية وفتح في موضوع التعامل مع الكفاح المسلح، تكون احيانا صعبة ومستفزة. يمكن الافتراض بأن هذه اللهجة تهدف في جزء منها الى تقليص الثمن الذي تدفعه السلطة في الرأي العام الفلسطيني بسبب نشاطها ضد الارهاب والعنف. ورغم هذه اللهجة، لا يوجد شخص في المناطق لا يعرف بأن رئيس السلطة يعارض العمليات، وان اجهزة الامن الفلسطينية تعمل بجهد، حسب اوامره، لمنعها.
وكما يتمسك عباس بمعارضته للعمليات، هكذا يتمسك ايضا برفض التخلي عن مطلب حق العودة لـ (احفاد) اللاجئين الفلسطينيين الى اسرائيل. وقال احد كبار المتفائلين في معسكر السلام الاسرائيلي انه عندما تم خلال مفاوضات كامب ديفيد، طرح موضوع حق العودة، بشكل غير رسمي، كان موقف عباس (الذي تشاوروا معه رغم عدم وجوده هناك) اكثر تعنتا من موقف ياسر عرفات. لم تكن تلك لهجة متطرفة الى اقصى حد قبل المفاوضات. ففي لحظة الحقيقة، في ساعة الحسم المصيري، وامام الفرص الواقعية لقيام دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمتها، تبنى عباس موقفا لم يترك أي فرصة للسلام. موقف يعني العكس تماما لفكرة “الدولتين للشعبين”.
حق العودة هو احد اسس الهوية الفلسطينية والمبادئ الأساسية للحركة القومية الفلسطينية. يصعب جدا التخلي عن هذا المطلب، ولكن من دون التخلي عنه – لا معنى للحديث عن السلام. عباس، ومثله قادة السلطة وفتح في توجههم الى ابناء شعبهم، يكررون القسم بحق العودة “المقدس”. انهم يصرحون بأن اللاجئين (واحفادهم) فقط هم الذين يقررون ما بين اختيار العودة الى اسرائيل او الحصول على تعويضات، وان السلطة الفلسطينية لا تملك حق التنازل باسمهم. ربما يفهم عباس ان هذا الطلب غير واقعي، لكن هذا لا يعني انه مستعد ويستطيع التوقيع على اتفاق سلام بدون حق العودة. كما ان مبادرة السلام العربية التي يلتزم بها عباس لا تذكر “حلا عادلا ومتفقا عليه لمشكلة اللاجئين”، وانما “حل عادل يتم الاتفاق عليه وفقا لقرار 194”.
حكومة نتنياهو والقيادة الفلسطينية تتمسكان اليوم بمواقف لا تسمح بالتوصل الى اتفاق سلام. ومن المناسب، حتى من دون التوصل الى اتفاق دائم، العمل على تقليص الاحتلال، بدل تعميقه وتخليده – ولكن بأعين مفتوحة وبدون اوهام.

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا