دراسة حول “العنف” للدكتور منير نصر سعد..

عندما يعلن قائد الشرطة أن العنف والقتل بالرصاص من عادات العرب وتقاليدهم نفهم نواياه واتجاهه! علمًا أن الواقع يكذّب ادعاءه، إذا ما قارنّا نسبة حوادث القتل في وسط العرب الفلسطينيين في إسرائيل مع نسبتها لدى أشقائهم في الضفة وغزة.

كتب: سهيل كيوان

هل نستطيع أن نخفّف من وباء العنف الذي بات مصدر قلق كبير لكل فرد من أبناء مجتمعنا! فهو يطال حتى أولئك الذين لا دخل لهم في صراعات عالم الجريمة، إذ يصلهم العنف من حيث لا يدرون ولا يتوقّعون.

ساحات العُنف والجريمةِ والإيذاء كثيرة، لفظية وجسدية، في البيت وخارجه، وجاهية وإلكترونية، وأهدافها ودوافعها مختلفة، وتعاني منها جميع شرائح المجتمع.

أعجبني في هذا الموضوع كتاب “العنف، أسبابه، أنواعه، مدى انتشاره، أخطاره، وإمكانيات التغلّب عليه”، من تأليف د. منير نصر سعد من شفاعمرو، الصادر عن مكتبة كل شيء في حيفا 2021، وهو عبارة عن أطروحة دكتوراة قدّمها المؤلف في جامعة بوخارست، وهو حاصل على لقبين أوَّلٍ وثانٍ من جامعة حيفا، وله نشاطات ودراسات أخرى كثيرة.

يتميّز مؤلف الكتاب بأنّه عمل في مهنة التدريس حوالي خمسة وأربعين عامًا، شغل في نصفها منصب مديرٍ للمدرسة التكنولوجية في شفاعمرو، حيث استفاد من تجربته في مجال التدريس كمعلم ومدير في مكافحة العنف في المدارس التي عمل فيها وتولى إدارتها.

للمدرسة تأثيرٌ حاسم على مستقبل الطالب، فهناك تنمو شخصيته وتتطور نفسيته للأسوأ أو للأفضل بين جدرانها، ومنها سيخرج إلى معركة الحياة معبّئًا بقناعات ومؤثّرات وحمولات معرفية ونفسية، سيواجه فيها المجتمع الذي سينخرط فيه.

في المدارس يوجد عنفٌ بين الطلاب أنفسهم، وكذلك بين طلابٍ ومعلمين وبالاتجاهين، وكذلك بين بعض ذوي الطلاب والمعلمين.

استخلص الباحث د. منير سعد في دراسته بعد تشخيص حالة العنف وتعريفها وأنواعها وأسبابها الكثيرة المتشابكة والمشفوعة بإحصاءات عالمية ومحلية، عددًا من الاستنتاجات والتوصيات في بحثه القيّم الواقع في 122 صفحة من الحجم الكبير.

على صعيد المدرسة، تلعب الإدارة والمعلّمون في كل مدرسة دورًا حاسمًا في تخفيض نسبة العنف، ومن خلال البّحث المُعزّز بالأرقام، يظهر الفرقُ الشّاسع بين إدارةٍ ومعلّمين مجنّدين لتقليص العنف في مدارسهم، طبعا بالتعاون مع الأهالي والسلطة المحلية والوزارة، وبين إدارة ومعلمين غير مجنّدين بصورة منظمة ومدروسة لهذا الهدف.

استشهد الكاتب بدراسات كثيرة ومصادر متعددة من عدد من دول العالم، منها ما أجري على 2500 طالب في مدينة بيرجن في النرويج، تبين أنّ المدارس التي أدارت برنامجًا لكبح العنف حقّقت نجاحًا كبيرًا، في مقابل المدارس التي لم تتبع برنامجًا واضحًا مخطّطًا لهذا الهدف، كذلك الأمر والنتيجة في دراسة أجريت على معلمين في مدارس تركية، أظهرت قُدرة المعلمين تقليص نسبة أعمال العنف في مدارسهم، ومن ثم تقليص إسقاطات العنف السلبية على المجتمع ككل.

يستنتج الكاتب طرقًا وإستراتيجيات لمكافحة العنف، ويعتبر أن المدارس هي أفضل مكان لمكافحته.

في كتاب إحصاءات شرطة إسرائيل فتحت الشرطة في عام 2018 ما يقدر بـ162043 ملفًا جنائيًا، منها 67326 ملفًا ضد العرب و97530 ضد يهود، هذا يعني أن 41% من الملفات الجنائية التي فُتحت كانت ضد عرب، وهو ضعف نسبتهم 20% من السُّكان، هذا يعني أن المجتمع العربي فيه عنف أكثر من المجتمع اليهودي.

ونحن نستنتج أنّه عندما يتعلق الأمر في جرائم القتل في المجتمع العربي فإن دور السُّلطة يتراجع في الكشف عن مرتبكيها وعدد من قُدمت ضدهم لوائح اتهام.

ومن هنا إضافة إلى استنتاجات الدكتور منير العلمية، نضيف مشكلتنا الأساسية، وهي مشكلة التمييز على أساس عرقي في التعامل مع المجرمين والضحايا، والعمل وفق أجندات سياسية تهدف إلى إضعاف مجتمعنا ودفعه أكثر فأكثر إلى الفوضى والجريمة واليأس.

عندما يعلن قائد الشرطة أن العنف والقتل بالرصاص من عادات العرب وتقاليدهم نفهم نواياه واتجاهه! علمًا أن الواقع يكذّب ادعاءه، إذا ما قارنّا نسبة حوادث القتل في وسط العرب الفلسطينيين في إسرائيل مع نسبتها لدى أشقائهم في الضفة الغربية وقطاع غزة بصورة بارزة.

لهذا لا نستطيع محاربة العنف وتجفيفه من دون مواجهة دور السُّلطة المتواطئ وفضحه، وكجزءٍ لا يتجزأ من نضالنا ونضال شعبنا لأجل الأمن والعدل والسّلام.

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

فتح ميديا أوروبا