اقتراع على التطرف… كيف تحولت الديمقراطية إلى شعبوية؟

واقع الحال يشير إلى صعود تيارات يمينية وتضاؤل قدسية الصناديق ومتلازمة النتائج الرائعة والمصير المزدهر

كتبت: أمينة خيري صحافية

حتى الأمس القريب ظنت البشرية أن الصندوق هو غاية المنى وأن الديمقراطية هي كل الأمل. حتى هذا الجانب المائل إلى الأوتوقراطية بدرجاتها، والمونوقراطية بأنواعها، والديكتاتورية بأطيافها، والشيوعية بانشطاراتها، كان يعرف في قرارة نفسه أن الديمقراطية تقبع في المكانة الأعلى من درجات السمو السياسي والارتقاء الاجتماعي.

اليوم، يبدو الأمس وكأنه تاريخ مرت عليه دهور وأكلت عليه أزمنة، بل وبدأت تظهر مؤشرات بأن الديمقراطية ذاتها ربما تأكل نفسها بنفسها. مؤشر الديمقراطية الأحدث يشير إلى أن الاستبداد في صعود، وهو ليس صعوداً مقتصراً على الدولة التي كان يتم تصنيفها كلاسيكياً بـ”مستبدة”، أو القادة الذين تسبق أسماءهم نعوت الاستبداد أو الشعوب المحفور اسمها في التاريخ باعتبارها ترزح تحت الاستبداد، بل هو صعود وتمدد وتسرب وتوسع يعبر حدود الدول التي تزهو بديمقراطيتها منذ عقود وربما قرون.

التراشق بالمؤشرات

الطريف أن المعركة لم تعد قاصرة هذه الأيام على التراشق بين المجموعات الديمقراطية من جهة، والمجموعات الديكتاتورية بأنواعها من جهة أخرى، والمجموعات المتأرجحة من جهة ثالثة، بل وصلت إلى درجة التراشق والتفاخر بمؤشرات الديمقراطية، وكذلك اعتناق منظومة مؤشرات واعتبار ما عداها مؤشرات كاذبة أو مضللة أو مصنوعة خصيصاً لتصنف نظاماً ما باعتباره ديمقراطياً على رغم أنه ليس كذلك في نظر المؤشرات الأخرى.

حرب المؤشرات تمضي قدماً من دون هوادة، لدرجة أن أحدها حذر من أن سويسرا المعروفة بـ”واحة الديمقراطية وجنتها” تشهد تراجعاً للديمقراطية. “فريدم هاوس” (مؤسسة بحثية مقرها واشنطن) أشارت في تقريرها الصادر عام 2020 إلى أن “ديمقراطية سويسرا تشهد تراجعاً لأن فئات من السكان لديها حقوق محدودة”. في الوقت نفسه أبدت وحدة “إيكونوميست إنتليجنس” (التابعة لمجلة “إيكونوميست” البريطانية) الإشارة نفسها ولكن لسبب مختلف، ألا وهو انخفاض نسبة من يدلون بأصواتهم في صناديق الانتخابات.

صندوق أكبر من الديمقراطية

لكن هل صناديق الانتخابات تؤدي بالضرورة إلى الديمقراطية؟ وهل هناك مؤشرات بأن الولع بالصندوق فاق حدود الخيال حتى أصبح هدفاً في حد ذاته وليس وسيلة لتحقيق الديمقراطية؟

تشير دراسة عنوانها “الديمقراطية الأبعد من الصندوق” (2019)، صادرة عن “الشراكة الحكومية المفتوحة” (مبادرة تهدف إلى تأمين التزامات من الحكومات لتعزيز قيم الحكومة المفتوحة وتمكين المواطنين ومكافحة الفساد والحوكمة)، إلى أن وعد الديمقراطية غالباً يتم تحديده وتحقيقه عبر صناديق الاقتراع، عندما يحدد الناخبون ويختارون من يمثلهم لتحقيق مصالحهم. وعلى رغم ذلك غالباً يفشل هذا الوعد في الانتقال الفعلي من مرحلة الاقتراع إلى واقع الناس اليومي. وكثير من دول العالم التي يتوجه مواطنوها إلى الصناديق يشهد عدم رضا شعبي عن أداء المنتخبين، فإما تنفصل الحكومات المنتخبة عن المواطنين وحاجاتهم، أو تجنح إلى الفساد بدرجاته وترجيح كفة المصالح الخاصة.

وترى الدراسة أن هذا يفسر صعود نجم الاستبداد في العالم، بما في ذلك بعض الدول الديمقراطية، لكنها تصف الموجة الحالية من “عدم الديمقراطية” بأنها تدرجية وغير مباشرة عكس ما كان عليه وضع الاستبداد في الماضي.

وإذا كانت الدراسة ترى أن أغلب موجات “عدم الديمقراطية” تأتي عبر سرقة الأصوات الانتخابية أو توجيهها بطرق خبيثة، أو الانقلابات العسكرية أو تهديد النشطاء والصحافيين وسيادة القانون، فإن الدراسة لم تشر إلى “ديكتاتورية الصناديق” التي يختارها الناخبون بحرية كاملة وإرادة تامة، حتى وإن كانت مسلوبة مسبقاً أو مغيبة مع سبق الإصرار والترصد.

ديمقراطية الدين السياسي

مؤشرات الديمقراطية وقياسات نسب الإقبال على الصناديق لا تأخذ في الحسبان ديمقراطية الدين السياسي التي دونها الرقاب، وكذلك غزوات الصناديق وفتوحاتها حيث هزيمة اليوم تستدعي تجييش الغد والاستعداد لفتح كبير وغزو عظيم تلقى بعده الصناديق في “بالوعات” العلمانية و”نفايات” الدولة المدنية.

مؤشرات الديمقراطية في دول الغرب الديمقراطي لا تعتبر هيمنة التيارات الدينية على الصناديق “الديمقراطية” مستخدمة تنويم الشعوب مغناطيسياً وتحريكها باسم الإله بغرض ترجيح كفة السماء على الأرض- “ديكتاتورية” متنكرة في صورة ديمقراطية، بل ديمقراطية صريحة.

بالأمس القريب، وتحديداً في مثل هذه الأيام من شهر مارس (آذار) عام 2011، عام “الربيع العربي”، وعقب إعلان نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مصر، وهو الاستفتاء الذي شهد استقطاباً دينياً غير مسبوق في تاريخ مصر، وكان كشفاً أولياً لأثر ترك الشارع لجماعات الإسلام السياسي على مدار ما يزيد على ثلاثة عقود، خرج الداعية السلفي محمد حسين يعقوب يصرخ على الملأ “إن السلف يقولون بيننا وبينكم الجنائز، واليوم يقولون لنا بيننا وبينكم الصناديق. وقالت الصناديق للدين نعم”. وطالب الحضور بترديد تكبيرات العيد احتفالاً بتمرير التعديلات عبر الصندوق بنسبة 77 في المئة.

يوم قال الشعب للدين “نعم”

خطب يعقوب في الآلاف من مريديه من الناخبين، مؤكداً أن الدين سيكون مكوناً رئيساً في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة، ومتسائلاً “أليست هذه ديمقراطيتكم؟ الشعب قال للدين نعم، ومن يشكو بأنه لن يستطيع أن يعيش في بلد رجح كفة الدين، نقول له أنت حر، ألف سلامة، ولديك تأشيرات لكندا وأميركا”.

واستطرد يعقوب شارحاً أبعاد ديمقراطية “غزوة الصناديق” فأكد أن “القضية ليست دستوراً، لكنها انقسام الناس إلى فسطاطين، فسطاط فيه كل أهل الدين والمشايخ وهم الذين قالوا نعم، وأمامهم في الجهة المقابلة الناس الثانية”، مضيفاً “شكلك سيئ لو لم تكن واقفاً في الناحية التي يقف فيها المشايخ”، ومطمئناً القاعدة العريضة من مريديه ومريدي بقية جماعات الإسلام السياسي في مصر “لا تخافوا. خلاص البلد بلدنا”.

على رغم أن استلاب البلاد من قبل فصيل واحد يعتبر نفسه الوحيد الذي على حق ليس من الديمقراطية في شيء، وعلى رغم أن الجماعات الدينية التي تصل إلى الحكم عبر ديمقراطية الصناديق تعتبر الديمقراطية نفسها التي تختار فصيلاً مغايراً في “الغزوة” المقبلة ديمقراطية كافرة ويجب محاربتها، وعلى رغم أن علماء السياسة في العالم في حيرة من أمرهم حول علاقة الدين بالديمقراطية وإمكانية وجود نظام ديمقراطي قائم على هيمنة دين بعينه من دون آخر، فإن مؤشرات الديمقراطية الآخذة في الصعود والهبوط ودراسات حالات الاستبداد بين الزيادة والنقصان لا تأخذ “الديمقراطية الدينية” في الحسبان.

أصوات الخائفين من الآخرة

حسابات المؤشرات لا ترى إلا نقاطاً قياسية ومواصفات عالمية لا تقر بفروق ثقافية بين الشعوب، أو اختلافات تاريخية بينها، أو وقائع محورية تختلط فيها السياسة بالمعتقد بالتحولات الاجتماعية والتقلبات الاقتصادية والتأثرات الدينية، لذلك وقفت – وما زالت – مؤسسات قياس الديمقراطية ومراكز دعم الصناديق وهيئات الدفاع عن الأعداد، بغض النظر عما وراء التعبئة والتجييش والتهديد، معادية ومنددة ومستنكرة لخطوات التخلص من جلوس هذه الجماعات في سدة الحكم بدول عربية عدة بعد “الربيع العربي”.

يقول الكاتب العراقي فاروق يوسف في مقال عنوانه “العرب والديمقراطية وجماعات الإسلام السياسي” (2021) إن “ديمقراطية الربيع العربي أتت مصممة على مقاس الإسلام السياسي الذي هو الآخر تعبير غربي تم تبنيه وإشاعته من أجل استعماله حين يكون الإرهاب موجهاً ضد الشعوب التي وقعت في شباكه”، مشيراً إلى أنه لا يميل إلى الحكم القائل إن “ما جرى من فوضى سببه أن العرب ليسوا جاهزين للممارسة الديمقراطية. الصحيح أن هناك نية مبيتة لإفساد الخيار الديمقراطي من خلال الدعم غير المحدود الذي حظيت به الجماعات الإسلامية من مؤسسات غربية ذات نفوذ واسع”.

ويتساءل يوسف “هل تستقيم الديمقراطية في ظل وجود أحزاب تقوم على أساس ديني؟” ليجيب بأنها (الأحزاب الدينية) لها جمهورها الواسع بفضل انهيار أنظمة التعليم في العالم العربي، “جمهور مضلل لم يتح له الوقوف على جوهر العلاقة الانتهازية والمنافقة التي تقام بين الدين والسياسة، الأنظمة السياسية العربية القديمة استضعفت المجتمعات بحيث صارت غير قادرة على مقاومة الأوبئة الفكرية، فهي (الشعوب) لا تملك ما يؤهلها لفك أسرار الظاهرة السياسية الدينية، وقد يسر ذلك لجماعات الإسلام السياسي عملية السيطرة على عقول الناس العاديين الذين هم الأكثرية بالمفهوم الديمقراطي. تلك الأكثرية التي كانت تبحث عن حل لمعضلاتها فإذا بها تصطدم بواقع ديمقراطي يفرض شعار (الإسلام هو الحل) باعتباره العصا السحرية”.

ويرى يوسف أن “الديمقراطية بنسختها العربية كانت وسيلة لاستيلاء الإسلاميين على السلطة من خلال صناديق الاقتراع التي استقبلت أصوات الخائفين من الآخرة”.

لسنا مستعدين للديمقراطية

على رغم أن نائب الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، رئيس جهاز الاستخبارات العامة الأسبق عمر سليمان، لم يذكر “الآخرة” في إشارته إلى “عدم جاهزية” الشعب المصري للديمقراطية خلال حديثه الشهير لشبكة “إي بي سي” الأميركية فبراير (شباط) عام 2011، فإن المعنى والمقصود كانا واضحين وضوح الشمس.

كثيرون في المنطقة العربية قالوا بالفعل إن الاقتصاد يكون ضعيفاً في ظل الديمقراطية، وذلك بعد عقد من أحداث “الربيع العربي”. “الباروميتر العربي” (شبكة بحثية مقرها جامعة “برينستون” الأميركية) وجدت في دراسة مسحية أجريت في تسع دول عربية، إضافة إلى الأراضي الفلسطينية، العام الماضي، أن هناك تحولاً إقليمياً في وجهات النظر تجاه الديمقراطية ومدى التمسك بتحقيقها. وخلصت إلى وجود إدراك متزايد بين المواطنين العرب حول أن الديمقراطية ليست شكلاً مثالياً للحكومة، وغير قادرة على إصلاح كل المعضلات.

معضلة الديمقراطية وأزمتها الحالية لا تقتصر على الدول العربية، سواء تلك التي شهدت هبوباً لرياح ظن الناس أنها “ربيعية” لطيفة ثم تحولت إلى شتوية ممطرة عاصفة، أو تلك التي خرجت من العاصفة بسلام من دون أن يطالها شرر “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية” التي اتضح أن ظاهرها ديمقراطي يحققه الصندوق لكن باطنها ديكتاتوري ديني يعتبر الصناديق غزوة والديمقراطية وسيلة وليست غاية.

تعيش الديمقراطية لحظات هي الأصعب في مسيرتها منذ خرج المصطلح “ديموس” (الشعب) و”كراتوس” (السلطة أو الحكم) في اليونان القديمة عام 508 ق م. وتتفجر مشكلاتها الحالية وأزمتها الكبرى، لا من الدول العربية التي يقال إن محاولة تطبيق الديمقراطية في أثناء هبوب رياح الربيع العربي تم إجهاضها، أو في الدول الكبرى أو الصغرى التي لا تنتهج الديمقراطية بل تعاديها وتطبق عكس قواعدها، بل من قلب “العالم الديمقراطي” الذي طالما اعتبر نفسه ونصبه الآخرون “قبلة الديمقراطية” و”جنة الصناديق”.

مؤشر الديمقراطية الصادر قبل أسابيع عن “وحدة الاستخبارات الاقتصادية” في مجموعة “إيكونوميست” البريطانية يشير إلى أن الديمقراطية في العالم تشهد حالاً من الجمود، وأنه على رغم توقعات تحسن أداء الدول خلال عام مضى، لا سيما بعد رفع قيود كورونا التي دفعت بالدول إلى اتخاذ قرارات وإجراءات معادية للديمقراطية، فإن وضع الديمقراطية يبقى جامداً.

الديمقراطية في عيون الصين

المؤشر يعتمد على خمسة معايير هي: العملية الانتخابية والتعددية وأداء الحكومة والمشاركة السياسية والثقافة السياسية الديمقراطية والحريات المدنية. ويتم تصنيف دول العالم بناءً على هذه المعايير إلى ديمقراطيات كاملة ومعيبة وهجينة أو سلطوية. وبحسب التقرير فإن 45 في المئة تقريباً من سكان العالم يعيشون في ديمقراطية من نوع ما، ونحو 37 في المئة يعيشون تحت حكم استبدادي، والنسبة الكبرى من هؤلاء في روسيا والصين.

المثير هو أن مؤشرات الديمقراطية – وهي كثيرة – يتهمها بعضهم بأنها مسيسة ومؤدلجة، وكثيراً ما تستخدم من أجل تشويه دولة لحساب أخرى، أو إلصاق وصمة “عدم الديمقراطية” بنظام في مقابل تنصيب آخر باعتباره “قمة الديمقراطية”.

يشار إلى أن وزارة الخارجية الصينية أصدرت قبل أيام قليلة تقريراً عنوانه “حال الديمقراطية في الولايات المتحدة الأميركية في 2022″، وذلك بغرض عرض صورة حقيقية للديمقراطية الأميركية، على حد قول التقرير.

وبحسب التقرير فإن “الديمقراطية الأميركية في حال فوضى داخلية شاملة، حيث تسببت في سلسلة من الخراب والكوارث بينما كانت تروج وتفرض نفسها في جميع أنحاء العالم، كما استمرت الحلقة المفرغة من الذرائع الديمقراطية والسياسات المختلة وانقسام المجتمع. وتفاقمت المشكلات الناجمة عن سياساتها المالية والهجرة والهوية، كما زادت الفجوات بين الأغنياء والفقراء. وقد أصابت أمراض الديمقراطية الأميركية بعمق خلايا السياسة والمجتمع الأميركيين. وكشفت عن فشل الحوكمة الأميركية وعيوبها المؤسسية”.

وبحسب وكالة “شينخوا” الصينية، ينقسم التقرير إلى جزأين، الأول بعنوان “الديمقراطية الأميركية في اعتلال مزمن”، والثاني “فرض الولايات المتحدة للديمقراطية تسبب في فوضى بأنحاء العام”. وتشير الوكالة الصينية إلى أن الهدف من التقرير هو المساعدة في كشف الماهية الحقيقية للديمقراطية الأميركية أمام أكبر عدد ممكن من الناس في العالم.

مع ذلك، ترفض الولايات المتحدة الاعتراف بعديد من المشكلات والأزمات المؤسسية التي تواجه ديمقراطيتها في الداخل، وتدعي بعناد أنها نموذج ومنارة الديمقراطية للعالم. ويقول التقرير إن مثل هذه الهيمنة تديم علل ديمقراطيتها وتسبب عواقب وخيمة على البلدان الأخرى.

قمة من أجل الديمقراطية

جاء في التقرير أن ما يحتاج إليه العالم حالياً ليس التدخل في شؤون الدول تحت ستار الديمقراطية الزائفة، بل الدعوة إلى الديمقراطية الحقيقية، كما أن المطلوب ليس “قمة من أجل الديمقراطية” تثير الانقسام وتعزز المواجهات، بل قمة تضامن لاتخاذ إجراءات من شأنها أن تجد حلولاً للتحديات العالمية.

يشار إلى أن الولايات المتحدة الأميركية، ومعها هولندا وكوستاريكا وكوريا الجنوبية ستنظم القمة الثانية (عبر الفيديو) من أجل الديمقراطية يومي 29 و30 الجاري. وقد وجهت الدعوة إلى أكثر من 120 دولة ومنظمة غير حكومية وخيرية، ولم توجه إلى كل من الصين روسيا اللتين يعتبرهما الرئيس الأميركي جو بايدن “الأكثر سلطوية” وخطراً على العالم.

اللافت أن نسبة كبيرة من عناوين الأخبار وموضوعات التحليلات والتقارير في الأعوام القليلة الماضية تستخدم ثلاث كلمات في سياقات مختلفة “أميركا” و”الديمقراطية” و”خطر”. العنوان الأبسط هو “الديمقراطية الأميركية في خطر”، والأكثر تعقيداً يشمل “بقعة في ثوب الديمقراطية الأميركية”، أو “عطب في جسد الديمقراطية الأميركية”، أو “ثقب في جدار الديمقراطية الأميركية”، وتتواتر الثقوب والبقع التي لم تتوقف بهزيمة الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترمب أمام الرئيس الديمقراطي الحالي جو بايدن عام 2020، بل تفاقمت.

فمن رفض ترمب ومؤيديه نتائج الانتخابات التي يعتبر قبولها هزيمة ونصراً، ركناً أساسياً من أركان الديمقراطية، إلى “غزوة الكابيتول” في العام التالي، حين اقتحم أنصار ترمب مبنى الكونغرس، إلى استمرار شيوع نظرية المؤامرة وأن طرفاً يتربص بآخر ويتعمد التلاعب بالصندوق، إلى تنامي نسبة قبول بعضهم في أميركا لمبدأ أو فكرة أو النهج السلطوي لأسباب كثيرة مثل الهجرة وتدني مستويات المعيشة وغيرها، تواجه “قلعة الديمقراطية” و”قبلتها” و”معقلها” ما يسميه قطاع من الأميركيين أنفسهم “تهديدات حادة للديمقراطية”.

تهديد مزدوج

تحت عنوان دال هو “أزمة قادمة: التهديدان التوأم للديمقراطية الأميركية”، كتب ديفيد لينوارت مقالاً في صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية يشير فيه إلى التهديدين الجادين الكبيرين اللذين يمثلان خطراً حقيقياً على الديمقراطية الأميركية. الأول هو الحركة المتنامية داخل أحد الحزبين الرئيسين، ألا وهو الحزب الجمهوري، والرافضة نتائج الانتخابات. وما اقتحام الكونغرس في يناير (كانون الثاني) عام 2021 من قبل أنصار ترمب إلا ترجمة فعلية لهذا الخطر. المقتحمون يؤمنون بأن عدم فوز مرشحهم في الانتخابات يعني وجود تزوير. وهم يصدقون ما يقال لهم من أن هناك نظرية مؤامرة. وأمام المؤامرة والتزوير يبدو الاقتحام غير المسبوق مفهوماً إلى حد ما، وإن ظل غير مقبول، لكن هناك من هذا التيار من يترشح، وربما يفوز استعداداً لانتخابات مقبلة، وهذا يعني الكثير.

التهديد الثاني الذي يسرده ليونارت يسميه بـ”المزمن”، فقد أصبحت السلطة التي ترسم سياسات الحكومة منفصلة بشكل واضح عن الرأي العام. ويشير في هذا الصدد إلى أن القبول بتصرفات أو مشاعر ذات طابع استبدادي لدى بعضهم يعكس الإحباط الذي يعتري كثيرين في أميركا على مدى نحو نصف قرن من تدني مستويات المعيشة للطبقتين العاملة والمتوسطة، كما تعكس مخاوف ثقافية، لا سيما بين البيض، من تحول الولايات المتحدة الأميركية إلى دولة أكثر تنوعاً عرقياً وأقل تديناً.

في 2019 بدأت آراء ونظريات أستاذ العلوم السياسية وعلم النفس الأميركي شون روزنبرغ عن أن “الديمقراطية الغربية تأكل نفسها” تكتسب أرضية وشعبية. حتى الجبهة الرافضة تماماً مجرد طرح فكرة تقلص الديمقراطية أو ثبوت قصورها أو فشلها أو عدم مواءمتها، بدأ أعضاؤها يتفكرون في ما يقول روزنبرغ.

قائمة مؤلفات روزنبرغ على مدى ما يزيد على عقدين تشتمل على عناوين مثل “المداولة والمشاركة والديمقراطية: هل الشعب قادر على اتخاذ القرار؟”، و”غير صالحين للديمقراطية: مواطنون غير عقلانيين ومنطقيين ومستغلين بيولوجياً”، و”هل يستطيع الشعب أن يحكم؟ أهلية المواطن وسيكولوجية المداولة”، و”الديمقراطية تلتهم نفسها: صعود المواطن غير الكفء وجاذبية الجناح اليميني الشعبوي”، وغيرها.

هذا الكتاب الأخير تسبب في حراك شديد منذ صدوره عام 2020. ويجادل فيه روزنبرغ بأن الرئيس السابق ترمب ليس السبب في سقوط الديمقراطية، حتى لو نجح في حملته الشعبوية المناهضة للمهاجرين، فهي أحد أعراض وليست سبب تراجع الديمقراطية.

الإحباط يؤدي إلى الشعبوية

يرى أستاذ العلوم السياسية أن كثيرين من النخب في المجتمع قد تم تهميشهم، هذه النخب التي تساعد وتدعم الآخرين في تحمل المسؤوليات الثقيلة التي تأتي مع حكم الأشخاص لأنفسهم، بالتالي فإن المواطنين أثبتوا أنهم غير مؤهلين معرفياً وعاطفياً لإدارة شؤون ديمقراطيتهم وجعلها تعمل بشكل كفء. ونتيجة لذلك تحول الملايين من الناخبين المحبطين واليائسين إلى شعبويين يمينيين.

يتوقع روزنبرغ أن تستمر ديمقراطية أميركا “الراسخة” في التدهور إلى أن تفشل تماماً مع تنامي اليمين الشعبوي. ويشير إلى أن حصة اليمين الشعبوي في التصويت الشعبي في أوروبا تضاعفت ثلاث مرات تقريباً بين عامي 1998 و2018. وبعض هذه التوجهات نحو اليمين الشعبوي استمر حتى بعد انحسار تدفق المهاجرين كما حدث في ألمانيا مثلاً.

ويشير أستاذ القانون والعلوم السياسية العراقي مهند حميد مهيدي في كتابه الصادر قبل أيام تحت عنوان “صعود اليمين الشعبوي الأميركي والتأثير في منظومة العلاقات الاقتصادية الدولية” إلى أن نتائج الانتخابات في السنوات 2016 – 2019 التي أجريت في مختلف دول الاتحاد الأوروبي مثل السويد وفرنسا وإيطاليا والنمسا وهولندا والمجر وفنلندا والدنمارك وغيرها، شهدت صعوداً لتيارات اليمين المتطرف وجماعاته، وهذا يعود إلى حجم التأثير الذي باتت تحظى به أفكار هذه الجماعات وتأثيرها في تشكيل الوعي لدى المواطن الأوروبي، فضلاً عن التأثير في تشكيل رأي عام مؤثر في الفضاء السياسي.

يرى مهيدي أن صعود اليمين الشعبوي عبر الصندوق يحمل في طياته عديداً من الأخطار التي لن تتوقف عند حدود تفكيك الاتحاد الأوروبي فقط، بل تؤثر في شكل القارة الأوروبية كلها، وعلى النموذج القيمي الذي تقدمه للعالم من حيث التعددية والتسامح وحرية الأديان وقبول الآخر. ويشير إلى أن هذا النموذج بات هشاً جداً مع تصاعد الخطاب اليميني الشعبوي، وهو ما قد يعظم من احتمالات حدوث فوضى عارمة لو استمر هذا التيار في الصعود.

عودة إلى فوكوياما

يصعد هذه الآونة كذلك نجم الكاتب والمفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما، صاحب نظرية أو فكرة “نهاية التاريخ”، والتي برزت في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” عام 1992.

قامت فكرة “نهاية التاريخ” التي أثارت كثيراً من الجدل والسخرية من صاحبها أن ما كان يجري في العالم لم يكن نهاية للحرب الباردة، بل نهاية للأفكار الأيديولوجية في التاريخ وانتشار قيم الليبرالية الديمقراطية. وقامت فكرته على ثلاثة محاور: الأول هو أن الديمقراطية الحديثة نمت وانتشرت في بداية القرن الـ19 كبديل حضاري للأنظمة الديمقراطية، والثاني هو أن النهاية الوحيدة الممكنة للصراع التاريخي بين السادة والعبيد تكمن في الديمقراطيات الغربية فقط، والثالث هو أن الاشتراكية الراديكالية أو الشيوعية غير قادرتين على منافسة الديمقراطية الحديثة، وأن المستقبل سيكون للرأسمالية والاشتراكية الديمقراطية فقط لا غير.

في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، خرج فوكوياما مجدداً مدافعاً عن الديمقراطية باعتبارها الأقوى والأبقى، ولكن باعترافات مبطنة بأن مشكلات كبرى باتت تعتريها. ففي مقال منشور في “ذي أتلانتيك” تحت عنوان “دليل إضافي على أن هذا بالفعل نهاية التاريخ” كتب أنه على مدى العقد الماضي تشكل جانب كبير من السياسة العالمية بفعل الدول القوية التي لا يلتزم قادتها القانون أو الضوابط والتوازنات الدستورية. وجادلت روسيا والصين بأن الديمقراطية الليبرالية في حال تدهور، عكس “الحكومات الاستبدادية” صاحبة القدرة على الإنجاز الحاسم من دون تعطيل. ويقول فوكوياما إن روسيا والصين كانتا طليعة موجة استبدادية أدت إلى تراجع المكاسب الديمقراطية في العالم من ميانمار إلى تونس إلى السلفادور.

تراشق بالاتهامات

على رغم أن المقال يهدف إلى تعرية ضعف الدول الاستبدادية وخطأ قراراتها وسوء أفعالها، فإنه يشير إلى أن “الاحتفالات التي تقام احتفاء بالدول الاستبدادية القوية واضمحلال الدول الديمقراطية الليبرالية سابقة للأوان”. ويدافع فوكوياما عن الديمقراطية التي تتعرض للقيل والقال، فيشير إلى وضعها الجيد جداً في العالم، عكس ما يعتقد كثيرون، وهذا الوضع سببه تقاسم القوة والاعتماد على موافقة المحكومين.

اللافت أن فوكوياما عاد ليشير إلى الدول القوية “الاستبدادية”، باعتبارها المسؤولة عن المكاسب التي حققتها الأحزاب الشعبوية في الدول الديمقراطية مثل السويد وإيطاليا. ويقول إن سياسيين مثل مارين لوبن وإريك زيمور في فرنسا، وفيكتور أوربان في المجر، وماتيو سالفيني في إيطاليا، وترمب في أميركا، عبروا عن تعاطفهم مع بوتين.

وبعد أن كان فوكوياما يؤكد أن الديمقراطية الليبرالية في حال جيدة، عاد ليحذر من أنها (الديمقراطية) لن تعود إلى سابق عهدها لو لم يكن الناس أنفسهم مستعدين للنضال من أجلها، محذراً من أن المواطنين الذين لم يذوقوا من قبل طعم الاستبداد يعتقدون أن الحكومات المنتخبة ديمقراطياً، والتي يعيشون في ظلها هي ديكتاتوريات شريرة تسلب حقوقهم.

واقع الحال يشير إلى صعود تيارات شعبوية يمينية، وتضاؤل قيم الديمقراطية المثالية، وتشكك في قدسية الصندوق ومتلازمة النتائج الرائعة والمصير المزدهر، ما دام يحكم من حصل على غالبية الأصوات.

وبينما تنشط محاولات هنا للتفرقة بين الديمقراطية والشعبوية، أو بين المؤمنين بالديمقراطية والشعبوية حتى وإن جاءت الأخيرة بالصناديق، وتبذل جهود هناك لتبرير ملامح ومعالم فشل الديمقراطية بتحميل ذلك للأزمة الاقتصادية وحرب روسيا في أوكرانيا التي قلبت موازين الأفكار ودفعت بعضهم إلى الهرب من ضيق ذات اليد بالارتماء في أحضان “الاستبداد”، وتكتب المقالات والدراسات التي تجادل بأن الصندوق يصبح لاغياً ما إن يتعثر أو يتأخر تحقيق الوعود الانتخابية، تبقى منظومة الديمقراطية في حال يرثى لها ومصير ضبابي وعلاقتها التلازمية بالصندوق محل بحث وتفنيد.

وعلى رغم أنه لم يثبت أن الرئيس الأميركي الراحل – وأحد الآباء المؤسسين – توماس جيفرسون قال ما هو منسوب إليه من أن “الديمقراطية ليست إلا حكم الغوغاء، حيث يجوز لـ51 في المئة من الشعب أن يسلبوا حقوق الـ49 في المئة الآخرين”، فإن المقولة باتت تفرض نفسها في المناقشات التي تدور رحاها خلف الأبواب المغلقة.

المصدر: اندبندنت عربية

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

فتح ميديا أوروبا