المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا

الحافز الذاتي، والأكبر للعطاء

كتب: بكر أبوبكر

إن كنا نُعرّف الحافز الخارجي القادم من البيئة الخارجية، من الآخرين متمثلًا بالثواب أو العقاب عامة، فإن العامل الداخلي داخل الانسان مثير وعميق وعجيب حيث أنه يمكّن المرء من القيام بعمله بإحسان أو مثابرة أو اتقان، ويمكنه من إشعال تفكيره وتحقيق عطائه واستمراره لمجرد إرضاء ذاته أو ضميره، أو لأنه يُشعره بالرضا عمّا يفعل أو لاستمتاعه به دون حاجة لمثير أوحفْز خارجي.
ويمكننا القول باتجاه آخر أن هناك حافز آخر أقوى هو الانتماء للجماعة وتحقيق رضاها هي، وهناك حافز الله سبحانه وتعالى. 
يقولون هذا الرجل ضميره حيّ لذا فهو يعمل لإرضائه بالسر أو العلن، لا لإرضاء القانون أوخوفًا من تهديد السلطة وسوط السلطان مثلًا، ويقولون عن ذاك الشخص أنه صاحب قيم وأخلاق لأنه بها يتمسك في مواجهة  إغراءات جزيل الثروة أوالإغداق بالموقع أوالنفوذ والمنصب إن خفض من مستوى قيمه ومبادئه قليلًا وانحنى ومال.
الحافز الداخلي وهو الجوهري مقابل الخارجي لا ينتظر الهدية الثمينة، ولا ينتظرالمكافأة المجزية أو الترقية سواء المادية أو حتى المعنوية من الآخرين كمديح أو إعلاء شأن أو شكر أو إشادة على أهميتها وضرورتها نفسيًا.
الحافز الجوهري لا ينتظر من المدير الزيادة على الراتب، كما أنه لا يخشي من زوال أو تهديد بزوال شيء ما. فهو حافز نابع من ذاته ولذاته.
في الأثر الإسلامي حضٌّ وحث على بعث واستثارة العامل الداخلي في النفس الانسانية، حيث الأعمال بالنيّات، ولكل امرءٍ ما نوَى، وكلٌ محاسبٌ شخصيًا على ما فعل وليس غيره حتى يوم القيامة. وفي حديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ما يخبرنا أكثر عن دور هذا الحافز حين يقول عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظلّه أي يوم القيامة (ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تعلم شمالُه ما تُنفق يمينه)، وفي هذا لعمري بُعد السماء عن الأرض فيما يتعلق بالاستعراض والرياء الذي يكون من الكثيرين الذين يتبجّحون بالعطيّة ويكررون ذكرها في كل محفل! تفخيمًا لأنفسهم من جهة وإذلالًا للآخرين، أو رغبة بالحصول على المديح والثناء وجزيل الشكر.
“لا تعلم يمينه ما تنفق شماله” فيها حافزٌ ذاتي شخصي داخلي نعم، ولكن أيضًا فيها حافز آخر هو الحافز الرباني والقيمي، فالله  سبحانه تعالى كحافز خفيّ عن الانسان مستقرٌ في قلبه وروحه هو “الحافز الأكبر” لعمل الخير ليس سواه.
في الحافز الأكبر أي الخالق سبحانه وتعالى علاقة إيمان متيقن وعلاقة توكل ذات طمانينة بلا حدود (إنّ الله يحبّ المتوكّلين-آل عمران 159)، بمعنى أن التوكل هنا تسليم واعتماد وثقة،  يستدرج عملًا دؤوبًا مثابرًا، وليس تخلي عن المسؤوليّة، بل آليّة تحدي تحقق الرضا والسّكينة.
لا يجب في كثير من الأمور خاصة التي بها مساعدة للناس (من سار في حاجة أخيه-الحديث)، أن يطلب الشخص الإشادة أوالذكر أو المديح، وإنما يبقى في مساحة العلاقة الثنائية مع ربّه فيُرضي الله سبحانه (وكيله) وهو الحافز الأكبر، وقد يُرضي ضميره الذاتي ويحسّ بالمتعة والسعادة. والثانية تبع الأولى أي إرضاء الذات تبع إرضاء الله، ولا تفترض الأولى وجوب تحقق الثانية بمعنى أن تكون اشتراطًا على الله.
السعيُ للمكانة أو الشهرة أو المجد أوأن يكون المرء رقمًا بالمجتمع، أوشيئًا مذكورًا أو صاحب بصمة أو للشعور بالرضا والسعادة الذاتية هي حاجات انسانية مفهومة ومقبولة بحدودها، وقد تمثل لذاتها حافزًا لتجاوز الواقع، ولكن “الحافز الأكبر” لايعتبر كل ما سبق بقيمة أعلى أبدًا.
الحافز داخلي من ذات الانسان ولذاته، أو خارجي من غيره، أو الحافز الأكبر مرتبطًا بالروح وصاحب العزة والجلال.
وهناك باعتقادي الحافز الرابع وهو الحافز الاجتماعي، حافز الانتماء، أي أن يقوم الانسان بالعمل لتحقيق رضا المجتمع أو الأسرة أو التنظيم أو الجماعة، وليس بالضرورة رضاه الذاتي، وإن تداخل معه وتقاطع أو تحقق بتحققه.
حاولت أن أتامل في الحافز الداخلي ذاته، واعترف أن الشعور بالرضا عن عمل معين يُعد حافزًا مما خبرته وجربته، وأعتقد أن مجرد الشعور بالانجاز هو حافز أيضًا أي هذا الشعور.
واليك النظر بشعور السعادة أو المتعة أو الفرح كحافز قد يتأتى أيضًا من المثابرة ومن فك الألغاز واكتشاف الأسرار وفتح الأبواب والبحث وراء الغامض أو غير المفهوم او المجهول.
قام الرحالة القدماء لحافز ذاتي (إشباع نفسي) بالتجوال في رحلاتهم عبر العالم ومن هنا جاء ابن بطوطة الرحالة العالمي الأول والأبرز الذي قضى 29 عامًا من عمره يقطع الفيافي والقفار، ويعبر البحار ويدخل القرى والمدن والبلدان وليسجل لنا تحفة في رسم صورة  البلدان والشعوب التي زارها بكتابه “تحفة النظار فى غرائب الأمصاروعجائب الأسفار”.
ولعلي أجد في الأنبياء ومعظم المفكرين والمثقفين والعلماء والأئمة والكتاب والمصلحين ميزة توفر الحافز الذاتي فيهم، وفي بعضهم الحافز الأكبر، لذا كانت المكتبة مليئة بكتب هؤلاء وأفكارهم كما كانت نتاجاتهم معينٌ ثري لنا لاجتياز الحياة الشاقة ومحاولة فهمها، ولربما أضيف رغبة هؤلاء (ربما ليس كلهم) بانتشار فكرهم وذكرهم، أوعلى الأقل للاعتراف بهم مما هو عامل ذاتي غير مادي.
اعتقد أيضًا أن الحافز قد ينقطع أو يقل إلا إن وجد أداة شحذ متواصلة قد تكون سلبية الظاهر من الشعور بالضيق والألم من القائم المستقر، وهو أي الضيق أو الألم أو المشكلة  أو الوقوع في الحفرة ما قد يشحذ الرغبة ويفعّل الإرادة ويعقد النية للتصدي للمشاكل ما يسمونه هنا تحويل المشاكل الى تحديات (وَمَنْ  لا  يُحِبّ  صُعُودَ  الجِبَـالِ*يَعِشْ  أَبَدَ  الدَّهْرِ  بَيْنَ   الحُفَـر-الشابي).
لاسيما أن الإغراق في اجترارالماضي واستنزاف القدرة العقلية والروحية في تذكّر وتداول إحباطاته وسلبياته يُضعف المقاومة والمناعة الذاتية من جهة ويؤدي لخراب الروح.
وهنا نقول إن تدخل الحافز الداخلي، وأيضًا الحافز الأكبر وجعل من هذه المشاكل مادة ثريّة وأصيلة يرتقي فوقها لصنع تقدمه فإنه يؤدي بالشخص لأن يسمو وينمو.
لذلك فإن التراكم للمشاكل وكما تقول العرب قد يكون مفتاحًا لمغاليق كثيرة ضمن عقلية (الصّعاب/الحاجة/المشكلة أمّ الاختراع) أوالمشكلة مفتاح التقدم.
يقول الشاعر العربي الفلسطيني المناضل عبدالرحيم محمود
شَعبٌ تَمَرَّسَ في الصِعا بِ وَلَم تَنَل مِنهُ الصِعابْ
لَو هَمَّهُ اِنتابَ الهِضا بَ لَدَكدَكَت مِنهُ الهِضابْ
مُتَمَرِّدٌ لَم يَرضَ يَوْ ماً أَن يُقِرُّ عَلى عَذابْ
عُمر نينَه بَلَغَ السَماء ءَ وَرَأسَهُ نَطَحَ السَحابْ
وَأَرى العِدا ما أَذهَلَ الدْ دنيا وَشابَ لَهُ الغُرابْ
عُرفِ الطَريقُ لِحَقِّهِ وَمَشى لَهُ الجدَدُ الصَوابْ
إن الحافز الخارجي ثواب وعقاب كليهما أو أحدهما، والحافز الداخلي إرضاء للذات وسعادة خاصة ذاتيه مكتفية بذاتها، والحافز الاجتماعي بوابة انتماء، فيما أن الحافز الأكبر هو مرضاة الله، ولكل أن يكتشف حافزه أو حوافزه ويسير واثق الخطى والله مولانا واليه المصير.

https://baker2014.wordpress.com/

Exit mobile version