المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا

حركة فتح المسيرة والانجاز

كتب: جميل مطور

عبرت حركة “فتح” خلال مسيرة نضالها الطويلة عديد الممرات الاجبارية وتخطت الكثير من المطبات الجغرافية والسياسية عبر ارادتها الوطنية الحرة قيادة وكوادر وجماهير ملتفة حولها بقوة الفكرة وقوة العمل وقوة الانطلاق من جديد وسط حقول من الألغام في مواجهة أسوأ اشكال الاستعمار الحديث المتمثل في احتلال فلسطين من قبل كيان استيطاني عنصري توسعي مسلحًا بقوة السلاح والاسناد والتغذية الراجعة من منظومة الدول والقوى الاستعمارية الطامعة في بسط هيمنتها ونفوذها على هذه المنطقة من العالم بكل مواردها وخيراتها ومواقعها الاستراتيجية.

فقد أراد المستعمرون من هذا الكيان ان يكون العصا المسلطة على شعوب ودول المنطقة وشرطي الاستعمار، فلم يكن الكيان الصهيوني مجرد مستعمرة غربية على ارض فلسطين او قوة عسكرية متحركة، بل كيانًا استيطانيًا مسلحًا ومدججًا بكافة النصوص التوراتية والاساطير الدينية ومظالم اليهود وما تعرضوا له من بعض دول العالم وخاصة بعض دول أوروبا وبالتالي تبرير اكذوبة قيام دولتهم على ما يسمى بارض الميعاد، وكل ما رافق ذلك المخطط من قتل وتشريد واحتلال للأرض وتشييد المستعمرات وممارسة كافة اشكال القمع والملاحقة بهدف طمس الحق الفلسطيني، وشطب سردية الشعب الفلسطيني من جهة وتكريس روايتهم الزائفة عبر اصعب واخطر عملية قرصنة في التاريخ في ظل اختلال واضح لموازين القوى وهبوط في محيط الأمة وانشغال الدول العظمى في تحقيق مصالحها قريبة وبعيدة المدى.

وأمام هذا الواقع الرهيب جاءت انطلاقة حركة “فتح” وميلاد ثورتنا الفلسطينية استجابة طبيعية لسوء هذا الواقع من أجل تغييره أو على الأقل الحد من آثاره وأضراره وأهدافه البشعة.
وبالطلائع الثورية المؤمنة، وبالفكر الثوري الخلاق وبالإرادة الوطنية الحرة ومن خلال ممارسة الكفاح المسلح باعتباره أرقى أشكال النضال وبالجماهير الشعبية استطاعت “فتح” أن تشق طريقها بالكفاح مدعومة من شعبها أولاً ومن كل أحرار الأمة والعالم ثانيًا وتجترح المآثر والمعجزات النضالية والسياسية وبالتالي بعث قضية فلسطين وفرضها كحقيقة سياسية على الخريطة الجغرافية في وجه الاستلاب والنفي والتشريد واستطاعت عبر قيادتها للثورة الفلسطينية بكافة فصائلها وكيانها السياسي والمعنوي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا أن تنتزع اعتراف دول الإقليم والعالم بأسره بشرعية نضالنا وقائدة نضاله منظمة التحرير وصولاً إلى انتزاع الاعتراف بعضوية دولة فلسطين عبر الجمعية العامة للأمم المتحدة.

تعاملت حركة “فتح” بوعي ومسؤولية في مسيرتها النضالية وسبرت غور كل مرحلة وتبنت المواقف والسياسات التي تخدم أهداف شعبنا في التحرر والاستقلال والعودة، وتميزت بمرونة التكتيك المستند إلى صلابة الاستراتيجية، وراكمت الإنجازات وصولاً إلى إقامة أول سلطة وطنية على الأرض الفلسطينية، رأت فيها “فتح” نواة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس إيمانًا منها بأن تحقيق برنامجنا الوطني لم ولن يتم إنجازه بضربة واحدة، بل عبر تراكم النقاط في ظل حالة التردي والضعف العربي وخمول الضمير العالمي.

إن تمييز “فتح” بين الوسائل والأهداف من جهة، وقدرتها على قراءة التغيرات والتحولات في العالم من جهة أخرى مكنها من عبور العديد من المحطات الصعبة دون مساس بالقيم والمبادئ والاهداف التي وجدت لاجلها، بالرغم من كثرة المتآمرين وطعون الطاعنين وتشكيك العابثين من ناحية، وبالرغم من صعوبة الصراع وشراسة العدو والقوى الداعمة له من ناحية أخرى، وهكذا ظلت الحركة بروحها الكفاحية وخطها السياسي الواضح المدعوم دوليًا هي الحركة الأكثر إزعاجًا للاعداء والأكثر فضحًا وتعرية لسياساتهم، بل أضحت “فتح” الأكثر استهدافًا من الأعداء واعوانهم لانها الأكثر دراية في إدارة الصراع وتوجيه دفة النضال واختيار الأساليب الأكثر نجاعة بعيدًا عن المغامرة العدمية او الدونية الامر الذي جعل الأعداء وأعوانهم يتفننون في محاولات إضعاف “فتح” أو إجهاضها أو تشويهها أمام جماهيرها بل محاولات الانقضاض على الكيانية الوطنية وبالتالي ضرب المشروع الوطني الفلسطيني والذي عمدته “فتح” بدماء الشهداء من قادتها ومناضليها وكوادرها وجماهيرها.

لقد قالت “فتح” عبر ماراثون الكفاح الطويل دع مئة زهرة وزهرة تتفتح ولكن في بستاننا الوطني فرحبت وعملت مع العديد من فصائل العمل الوطني عبر المسيرة الطويلة وقالت إن الوحدة الوطنية هي سلاحنا الأمضى في مقارعة العدو وهي السياج الأمين لمسيرتنا الوطنية ونضالات شعبنا، فلم تعرف حركة “فتح” ثقافة الاقصاء أو التخوين او التكفير، بل كرست ثقافة التنوير والتفكير المستنير وحرية الاجتهاد والاعتقاد، وعززت النهج الديموقراطي والتشاركي وسط غابة البنادق، ونادت بموضوعية اللقاء على ساحة الصراع وان التناقض الرئيسي هو صراعنا مع المحتلين وسياساتهم الفاشية، فولدت واينعت في ظلال ثورتنا العديد من الفصائل والقوى المناضلة وتعايشت معًا في خنادق المواجهة وفي ساحات الاشتباك السياسي دفاعًا عن الحقوق الوطنية، وقد شكلت منظمة التحرير الفلسطينية مظلة العمل الوطني وانضوت تحت رايتها العديد من الفصائل وفق نظامها الأساسي والميثاق الوطني الفلسطيني.
آمنت “فتح” بأن قوة المنظمة تكمن في قوة الفصائل والأحزاب العاملة تحت رايتها وبرنامجها أولًا وحرص الجميع ثانيًا على القرار الوطني المستقل الذي دافعت عنه حركة “فتح” وعمدته بالدماء منعًا للتدخلات أو التلاعب بالقضية الفلسطينية من هذه الدولة أو تلك، أو تحويلها إلى جسر لتحقيق تلك الدول مصالحها وأجنداتها الخاصة.

وفي الختام لابد من الذكر بأن “فتح” لا تؤمن بالنضال من اجل النضال وأكدت في سياق نضالها الطويل بأن من يزرع يحصد ومن لا يزرع لا يحصد، فالنضال والمقاومة ليسا هدفًا، بل وسائل لتحقيق الأهداف، فالنضال المسلح يزرع والعمل السياسي يحصد، والطلقة غير الواعية والمسيسة قاطعة طريق ليس إلا.
وفي ذكرى انطلاقتها التاسعة والخمسين، تواصل “فتح” مسيرتها بكل ثقة، وتلج المستقبل بكل ثبات رغم وعورة الطريق، ورغم سهام الحاقدين، ورغم بطش الأعداء، لأنها ذاهبة بحرية شعبنا واستقلاله الوطني ومن خلفها جماهير شعبنا وكل أحرار العالم.
وإنها لثورة حتى النصر.

Exit mobile version