الرئيسيةمختاراتمقالاتعن الحقّ في المقاومة

عن الحقّ في المقاومة

كتبت: منى عوض الله

ليست المقاومة لغزًا يحار العاقل في تفسيره أو فهم أسبابه، فكل قهر وعنف استعماري ينكر حقّ الشعوب في تقرير مصيرها يثير عدائيةً تنقلب على المستعمرين، إذ يعيد المستَعمَر إنتاج ذاته وفق مقتضيات العنف الذي يواجهه، بعد أن يكتنفه إحساسٌ بتعليق حياته الملاحَقة والمحكومة بالموت، ما دام خاضعًا لهيمنة الاستعمار وسلطته، فيرى في المقاومة، بجميع ضروبها، ضرورة وحتمية لا مفرّ منها، تبشّر بواقع مغاير، وتؤسّس لحالة سياسية واجتماعية جديدة.

ظهرت المقاومة فعلًا مضادًا للسلطة القهرية، يسعى إلى تحقيق العدالة والحرّية المغيّبة، ثم بدأ البحث عن المفهوم الذي يجمع عناصرها وأبعادها وآلياتها، وينظّم علاقات أركانها، ويعكس سماتها الفارقة، أي أن الفعل المقاوم سابقٌ لنظرياته. وبحسب فرانز فانون، المقاومة، بما هي فعل تحرّر عنيف ومسلح، تمثل التقاء قوتين متخاصمتيْن، تتأسّس على التكوين الذي تنشئه الحالة الاستعمارية وتغذّيه. ولمّا كان الاستعمار عنفًا خالصًا، فإنه “لا ينحني إلا أمام عنفٍ أعظم”. وبذلك، يقوم مفهوم المقاومة هنا على فكرة القوة والقوة المعاكسة، ويستند إلى مبدأ القدرة المتمثل في قوة إرادة المقاوم وما يمتلكه من أدوات ووسائل تدعم صموده، إلا أن المقاومة، بصورتها الأشمل والأعمّ، لا تتحدّد بشكلٍ أو أسلوبٍ بعينه، إذ تستلزم استدامتها أن تظلّ بطابع مفتوح غير محدّد بنمط أو مفهوم واحد وموحّد.

أما الحديث عن الحقّ في المقاومة فمرتبطٌ بالصراع على السلطة واغتصاب الشرعية والنزعة إلى استعباد الآخر التي برزت وازدادت وضوحًا مع تقدّم الإنسان في رحلة تمدّنه وتحضّره؛ فالإنسان، بطبيعته وفطرته الأولى، كائنٌ حرٌّ يتعذّر استعباده، واستخدام غلبة القوة لفرض واقع يقسّم البشر إلى فئتين، إحداهما غالبة مرفّهة وأخرى مغلوبة مقهورة، يُحدث في المستعمَر الذي يمثل الفئة الثانية ضررًا نفسيًا لا يتحرّر منه إلا بالمقاومة. لذا، المستعمر والشعب المغلوب يظلان، كما يقول جان جاك روسّو، في حالة حربٍ دائمة، ما لم تُرَدّ إلى هذا الشعب حرّيته، ولا تُنال هذه الحرية إلا بمقاومة تحرّره من سلطة الاحتلال الواقعة عليه، وهي إذ ذاك حالةٌ لا يمكن تجنّبها ما دامت إرادة الحرية حاضرةً لدى المستَعمَرين. وإذا تجلّت المقاومة على صورة عبور عنيف نحو الحرّية، فيجب أن تُفهم في إطار هذا الحق الطبيعي الذي لا خلاف عليه، الحقّ في الحرّية، وأن تُحدّد المواقف المتخذة إزاءها وفقًا له، فكما يقول تشومسكي إن “أي إنسانٍ ذي فكر أو إنسانيةٍ لن يدين بسرعة كبيرة العنف الذي غالبًا ما يحدُث عندما تتمرّد الجماهير المقموعة فتراتٍ طويلة ضد مضطهديهم، أو عندما يخطون خطواتهم الأولى نحو حرّيتهم”.

من هذا المنطلق، رفعت الثورات الحديثة شعار الحرية إلى جانب شعارات الكرامة والعدالة والمساواة، وصارت المقاومة حقًا مشروعًا بنصّ القانون الدولي مع نهاية الحرب العالمية الأولى، فأُقر حقّ الشعوب في الدفاع عن نفسها وتقرير مصيرها، وهو ما نصّت عليه اتفاقيات جنيف لعام 1949 ضمن جملة المبادئ المتعلقة بالاحتلال الذي وصفته بأنه مؤقّت، ويحقّ للسكان صدّه بإنشاء حركات وتنظيمات مقاومة، وخوض حروب عصاباتٍ في مواجهته، ثم صدرت لاحقًا عن الجمعية العامة قراراتٌ عدّة أكّدت حق الأفراد والجماعات في مقاومة الاحتلال حال تعرّضها له، وشرعية النضال في سبيل الحرية والاستقلال باستخدام كل الوسائل الممكنة والمتاحة، بما فيها الكفاح المسلح، وضرورة تأمين الحماية اللازمة للمقاومين في نضالهم ضد الاحتلال الأجنبي والأنظمة العنصرية، ومن ذلك القرارات 2852 (1971)، و3034 (1972)، و3246 (1974)، ثم جاءت النسخة المطوّرة من قواعد القانون الإنساني في مؤتمر جنيف عام 1977 لتؤكّد على مشروعية حروب التحرير الوطني.

إذن، تستمدّ المقاومة مشروعيّتها، أولًا وقبل كل شيء، من ارتباطها بالحرّية التي هي مسألة وجودية وحق طبيعي يحرُم اغتصابُه أو مصادرته بقوة الحديد والنار، وثانيًا من أحكام القانون الدولي والقرارات والاتفاقات الدولية التي تنصّ على حقّ الشعوب في تقرير مصيرها والدفاع عن نفسها ضد الاستعمار، بكل أشكال المقاومة المتاحة؛ فكل فعلٍ مقاوم، قلّ أو صغر، هو فعل مؤثر يقرّب الشعوب من تحقيق غايتها في نيل حرّيتها، فالكفاح المسلح، والمظاهرات، والاعتصامات، والإضرابات العامة، وحملات المقاطعة، وعرائض الاحتجاج، والتفاعل على منصّات التواصل الاجتماعي، والنتاجات الفنية والأدبية والأكاديمية، وجميع الفعاليات الثقافية والاجتماعية الداعمة للمقاومة، تتكاتف وتتقاطع وتتداخل، لتشكّل مسارًا حيويًا منتظمًا يحرّك عجلة الثورة ويحقّق النصر المنشود.

ولمّا كانت هذه هي حال الحقّ في المقاومة، فإن أسئلة كثيرة تطلّ من خلف واقع علاقة المجتمعات العربية بها، فإذا كانت المقاومة حقًا مشروعًا لا تُعارضه فطرة، ولا ينكره عقل، ولا يستثنيه قانون، فما الذي يفسّر ضعف مستوياتها ومحدودية ممارستها في الدول العربية اليوم؟ وأين اختفت روح المقاومة التي يحفل بها تاريخُنا؟ ولماذا غابت عنا ثقافتها؟ ومتى فقدناها وأين؟ والأهم من ذلك كله، كيف نستنهضها من جديد؟

عن “العربي الجديد”

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا