عبد السلام فرج.. أمير الاغتيالات

الحلقة الرابعة: فصول من كتاب خالد عكاشة “أمراء الدم”

فى الفصل الرابع من الكتاب الذى صدر مؤخرًا عن دار نشر “سما” فى حوالى ٦٠٠ صفحة، يتناول خالد عكاشة حياة محمد عبد السلام فرج، مؤسس تنظيم الجهاد ومؤلف كتابهم الأخطر “الفريضة الغائبة” وقاتل الرئيس السادات.

درس الهندسة إلا أنه سقط فى مستنقع كتابات سيد قطب وأبى الأعلى المودودى، وراح يفسر آيات الحاكمية تفسيرا منحرفا، فراح يرفع راية الإسلام مخضبة بالدماء.. كفر الدول والمسلمين جميعا، وأصبح أول “أمير” فعلى لتنظيم الجهاد، أبو التنظيمات الإرهابية.

هو الذى أفتى بقتل السادات، قبل التفكير فى اغتياله بأعوام، من خلال كتابه القنبلة “الفريضة الغائبة” الذى أصبح ترخيصا بالقتل، خصوصا للحكام والسياسيين.

يتتبع خالد عكاشة نشأة “محمد عبد السلام فرج” منذ مولده عام ١٩٤٢ فى “قرية الدلنجات محافظة البحيرة” فى أسرة متوسطة الحال، حتى تأثره بكتابات قطب والمودودى وابن تيمية، ثم “صالح سرية”، الإرهابى مؤسس “مجموعة الفنية العسكرية”، وكتابه “رسالة الإيمان” الذى يدعو فيه إلى الإطاحة بكل الأنظمة العربية، باعتبارها جاهلية.

فى فترة من حياته اكتشف عبد السلام فرج فى نفسه موهبته الحركية وعشقه للتخطيط ومهارته فى التكتيك، واستولت عليه فكرة أن البلاد فى حاجة إلى الجهاد، وأنه لا بد من استخدام القوة لتطبيق شرع الله.

قام فرج بتجميع عدد من المؤلفات الخاصة بابن تيمية وضمها فى كتاب مكون من ٥٤٠ صفحة، وسماه “الفريضة الغائبة”، يقصد بها الجهاد، وطبع منه ٥٠٠ نسخة بمطبعة صغيرة بإمبابة، قام بتوزيع ٥٠ أو ٦٠ نسخة منه، وقام بإحراق باقى النسخ خشية افتضاح أمره.

مثلت الفتاوى الموجودة بهذا الكتاب الأساس الفكرى لتنظيمه الجديد الذى أطلق عليه “الجهاد”، وراح يدعو له وحده وفق خطة موضوعة وأسلوب منظم، حيث ركز على الشبان ما بين العشرين والثلاثين.

قادت الصدفة عبد السلام فرج للقاء “طارق عبد الموجود الزمر” أثناء تردده على مسجد الفتح فى “بلدة ناهيا” القريبة من إمبابة، وتعرف على أخيه عبود الزمر، المقدم بالمخابرات الحربية وقتها، الذى كان مقتنعاً بضرورة الجهاد.

وحدة الدم

كانت المجموعات الجهادية شتاتا، بعد انكشاف معظمها والقضاء على البعض الآخر، حتى ظهر كتاب محمد عبد السلام فرج “الفريضة الغائبة” وجهوده التى استطاع من خلالها تجميعها فى كيان واحد ممتد من إمبابة وصفط اللبن وحتى أسيوط، كما ضم إلى تنظيمه مجموعات دعوية أخرى مثل “مجموعة صالح جاهين”، التى كانت تمارس الدعوة فقط دون ميل للعنف، وأقنعها بـ”الجهاد”.

وتم إنشاء “مجلس شورى للتنظيم”، مكون من عبود عبد اللطيف الزمر، وكرم محمد زهدى، وفؤاد الدواليبى، ونبيل المغربى، وعلى محمد الشريف، وعصام الدين دربالة، وعاصم عبد الماجد ماضى، وحمدى عبد الرحمن عبد العظيم، وأسامة إبراهيم حافظ، وطلعت فؤاد قاسم.

تمكن عبد السلام فرج من تشكيل تنظيم متكامل الأركان ومتنوع وممتد جغرافيا، شكل النواة الأولى التى ستمثل العصب الرئيسى لتنظيم الجهاد، والذى سيضعه عبد السلام فرج بعد شهور معدودة فى مواجهة الرئيس السادات ونظامه بالكامل، سعيا وراء إطلاق حلم “الثورة الإسلامية”.

“الفريضة الغائبة”

كان تيار الجهاد فى مصر قبل كتاب عبد السلام فرج “الفريضة الغائبة” يعتمد على الكلام الشفهى الذى يتناقله الجهاديون، وكانوا يقومون من حين لآخر بتصوير أو طباعة كميات من بعض أجزاء كتب ابن تيمية وابن كثير وسيد قطب وغيرهم، للاستدلال على أفكارهم، إلى أن جاء عبد السلام فرج فجمع كل أفكار الجهاد الشفهية، وضم إليها كل أقوال “العلماء” التى يستدل بها الجهاديون.

ومع استكمال بناء التنظيم السرى، وجد عبد السلام فرج الفرصة سانحة لأن تتحوّل أفكاره التى ضمنها كتابه الصغير “الفريضة الغائبة” إلى واقع، وأنه آن الآوان لقطع رؤوس حكام مصر “الكفرة” الذين حولوها إلى حياة الجاهلية والإلحاد.

فالكتاب الذى لا يزال حتى اليوم مرجعا لفكر الجماعات الأصولية المتطرفة، أحيا أفكار قتل الحاكم الذى لا يحكم بما أنزل الله، باعتبار قتله جهادا، ويبدأ الكتاب بمقدمة يذكر فيها مؤلفه أن علماء الإسلام فى العصر الحديث تجاهلوا الجهاد فى سبيل الله، رغم علمهم أنه الطريق الوحيد لإعادة ورفع صرح الإسلام، ويسوق حديثين نبويين ليدلل بهما على رأيه، أحدهما قول النبى، صلى الله عليه وسلم: “بعثت بالسيف بين يدى الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقى تحت ظل رمحى، وجعل الذل والصغار على من خالف أمرى، ومن تشبه بقوم فهو منهم”، والثانى: “استمعوا يا معشر قريش، أما والذى نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح”.

كل ما كتبه فرج ودعا إليه ليس سوى القتل والقتال بين المسلمين، كما يكتب مؤلف “أمراء الدم”، وليس سوى الهرج والمرج والفتنة التى اعتزلها أغلب الصحابة حين نشبت بين الإمام على ومعاوية، رضى الله عنهما، وكان عددهم حينئذ عشرة آلاف، ويروى ابن حجر العسقلانى أنه لم يشارك فيها سوى أربعين فقط منهم أو أقل.

المخ والعضلات: فرج والزمر

فى بداية عام ١٩٨١، وبتكليف واتفاق مع عبد السلام فرج، انتهى عبود الزمر من وضع خطة التنظيم- من الأهداف الرئيسية للخطة، السيطرة على مبنى وزارة الدفاع، ومبنى الإذاعة والتليفزيون، وقيادة الأمن المركزي، ووزارة الداخلية، وقتل بعض الشخصيات السياسية، بحيث يؤدى هذا القتل إلى إرباك القيادات، وفقد السيطرة على الدولة، مثل وزير الداخلية، وقائد الأمن المركزى، ووزير الدفاع، ووزير الخارجية، أو شل حركتهم وإفقادهم السيطرة على أمور الدولة، فضلاً عن قتل الشخصيات المؤثرة من الأحزاب الشيوعية، حتى لا تركب الموجة وتستغل الحركة الإسلامية لصالحها، مثل خالد محيى الدين، علاوة على شل شبكة المواصلات فى القاهرة والجيزة، وإخراج الشعب المسلم فى مظاهرات لتأييد الثورة الشعبية!

وقد لعب “الشيخ عمر عبد الرحمن، عضو الجماعة الإسلامية” دورا فى حل أزمة التمويل للتنظيم السرى، بعد إصداره فتوى الاستحلال لأموال النصارى وقتل السادات، حيث كان التنظيم فى بداياته تواجهه مشكلة فى توفير الأموال اللازمة، من أجل شراء الأسلحة، وترتب على فتوى الاستحلال التى أصدرها الدكتور عمر عبد الرحمن العديد من عمليات السطو المسلح على محال المصوغات الذهبية، فى العديد من المحافظات فى أوقات مختلفة، واستخدمت أموال بيع هذه المسروقات فى شراء الكثير من أنواع الأسلحة المختلفة اللازمة لتنفيذ خطة التنظيم.

وركزت قيادات التنظيم على حيازة أكبر كمية من الأسلحة النارية، وكذلك القنابل والمتفجرات والذخائر، والأسلحة البيضاء من سيوف وسونكيات وخناجر ومطاوى وبلط وسكاكين.

اللحظة الحاسمة

لم يتخل محمد عبد السلام فرج يوما عن حلمه بقتل أول حاكم يقع فى طريقه، وساق كل تبرير ممكن لإنزال حكم التكفير والردة على الحكام، فيقول مؤكدا هذا: “حكام العصر قد تعددت أبواب الكفر التى خرجوا بها عن ملة الإسلام، بحيث أصبح الأمر لا يشتبه على كل من يتابع سيرتهم، هذا بالإضافة إلى قضية الحكم”.

ويضيف عبد السلام فرج، وكأنه يسقط الحكم على الرئيس السادات، بل يحرض المسلمين كل فى بلدة: “ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يقتل كما هو مذهب مالك والشافعى وأحمد، ومنها أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلى، إلى غير ذلك من الأحكام، وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلى عن شرائعه، إذن فما موقف المسلمين من هؤلاء؟”.

الإجابة كما يقول خالد عكاشة واضحة وكامنة فى السؤال نفسه: وهى عداوة المسلمين لحكامهم وحربهم.

يشير المؤلف إلى بعض الفتاوى الأخرى “المضروبة” التى أفتى بها ابن تيمية، ويقيسها على العصر ليبرر ويحرض على قتل السادات، كما يفعل حين يقارن بين التتار ووزيرهم وحكام العصر: “وزيرهم السفيه الملقب بالرشيد.. يقدم شرار المسلمين كالرافضة والملاحدة على خيار المسلمين أهل العلم والإيمان، حتى تولى قضاء القضاة من كان أقرب إلى الزندقة والإلحاد والكفر بالله ورسوله، بحيث تكون موافقة للكفار والمنافقين من اليهود والقرامطة والملاحدة والرافضة، وعلى ما يريدونه أعظم من غيره، ويظهرون من شريعة الإسلام بما لا بد له من أجل من هم هناك من المسلمين، حتى إن وزيرهم هذا الخبيث الملحد والمنافق صنف مصنفا مضمونه أن النبى، صلى الله عليه وسلم، رضى بدين اليهود والنصارى، وأنه لا ينكر عليهم ولا يذمون ولا ينهون عن دينهم، ولا يؤمرون بالانتقال إلى الإسلام”.

ثم يعلق محمد عبد السلام فرج، عاقدا المقارنة بين السادات وهذا الوزير قائلاً: “فسبحان الله أليس مصنف وزير التتار هو نفس مصنف “الإخاء الديني”، و”مجمع الأديان”، بل الأخير أفظع وأجرم”، هكذا يسقط محمد عبد السلام فرج الكلام على (السادات العدو القريب)، وهو إسقاط ليس بحاجة إلى تصريح أكثر من ذلك.

الطلقة الأولى

عقب صدور قرارات السادات فى سبتمبر ١٩٨١ باعتقال ١٥٣٦ شخصا من القوى السياسية والفكرية المعارضة للنظام، أصيبت قيادات تنظيم الجهاد بالرعب، واعتقدوا أن أمرهم على وشك الانكشاف، وأن من واجبهم البدء سريعا فى إعداد العدة لمواجهة إجراءات السلطة التى بالضرورة قاضية عليهم لا محالة، وأدخل فرج التنظيم منذ تلك اللحظة وحتى يوم ٦ أكتوبر فى معادلة مختصرة حاسمة مع النظام إما قاتل أو مقتول.

كان عبد السلام فرج صاحب فتوى صريحة فى تكفير نظام السادات بعد معاهدة كامب ديفيد، لذلك فبمجرد أن عرض عليه “خالد شوقى الإسلامبولي” فكرة اغتيال السادات خلال العرض العسكرى يوم ٦ أكتوبر، نجح فرج سريعا بأن يقنع الجميع بتنفيذ ذلك القرار رغم تحفظ البعض، شأن عبود الزمر، القائد العسكرى للتنظيم، أو مجموعة الصعيد التى كانت تمثل القوة الضاربة العددية والتنظيمية، مما يوحى بأنه كان صاحب الكلمة المسموعة فى التنظيم، ومالك سلطة إصدار القرارات التى لا تصد ولا ترد.

دارت الأحداث بسرعة مذهلة وبأقصى مما كان يتخيل مخططوها أو منفذوها، واستطاع عبد السلام فرج أن يربط خيوط الخطة جميعها ببعض، ولم يكن أحد من الذين شاركوا فى التنفيذ ليعلم بحجم مشاركة الآخرين فى أدوار أخرى، وفى أماكن عديدة ومختلفة، كنا أمام آلة دم شرهة تستهدف الجميع، وتنطلق فى جميع الاتجاهات، يديرها هذا الأمير القابع فى حجرة بمسكن صغير، كان قد وصل إلى لحظته الموعودة التى سكنته خلال أعوامه القليلة الماضية، والذى سخر لها كل مواهبه التكتيكية النادرة التى استطاعت أن تعصف بحياة كل هؤلاء الضحايا الذين سقطوا فى تلك الخطة الجهنمية، كانت اللحظة واللحظات التى تلتها قد جردت المشهد تماما من كل ما فيه، لتبقى المعادلة وحدها التى آمن بها عبد السلام فرج… إما قاتل أو مقتول.

تم القبض على محمد عبد السلام فرج بعد مرور أسبوع على عملية الاغتيال، وكان حليق الذقن، مختبئأ عند قريب لزوج أخته فى قريته بالدلنجات، وعندها أنكر معرفته بأى من الجناة، وأن أول مرة كان يراهم فيها حينما نشرت صورهم الجرائد والصحف عقب عملية الاغتيال.

وعقب تضييق الخناق عليه ومواجهته باعترافات المتهمين، أقر بما فيها وتم تحويلهم للمحاكمة.

لم ينته الأمر باغتيال الرئيس السادات، وبمذبحة منصة العرض العسكرى، فقد كان فى الخطة المتكاملة التى وضعها عبد السلام فرج فصل آخر مقررا له موعد ومكان آخر، وكانت آلة الدم على موعد جديد لحصد عدد آخر من الضحايا فى أقصى الجنوب، وبعد ساعات محدودة قبل أن تجف دماء القاهرة.

النهاية.. الإعدام

عقدت الجلسة الأولى صباح يوم ١٢ نوفمبر ١٩٨١م، فى المحكمة العسكرية العليا، فى القضية (رقم ٧ لسنة ١٩٨١م أمن دولة عسكرية عليا)، برئاسة “اللواء دكتور سمير محمد فاضل، وعضوية اللواء مصطفى ماهر، واللواء عبد العزيز الشاعر”، وعلى يمين المنصة “العقيد بحرى محمود عبد القادر رئيس النيابة العسكرية”، و”اللواء فاضل خليل المدعى العام العسكري”، وكانت وقائع المحاكمة أمام كاميرات التليفزيون، ويحضرها الصحفيون والإعلاميون، وبداية من الجلسة الثالثة، قررت المحكمة نظر الدعوى فى جلسات سرية، حفاظا على أسرار القوات المسلحة، ومراعاة للنظام العام.

سألت المحكمة فى إحدى الجلسات محمد عبد السلام فرج: هل تقتل رجلاً حاول حكم مصر حكما ديمقراطيا؟ فأجاب: أى ديمقراطية هذه؟ ديمقراطية إنجلترا التى أباحت الشذوذ الجنسى لأن ستة من النواب مصابون به.. أهذه هى الديمقراطية؟!

وفى ٦ مارس ١٩٨٢م، عقدت الجلسة الأخيرة من المحاكمة، وكان حكم المحكمة كالآتى:

“القضية رقم ٧ لسنة ١٩٨١ أمن دولة عليا.. باسم الشعب.. بعد الاطلاع على مواد الاتهام، والمادة ٧٥ من قانون الأحكام العسكرية، والمواد ١٧، ٣٠، ٣٢ من قانون العقوبات، والمادة ٦٠٤ من قانون الإجراءات الجنائية، وبعد المداولة قانونا حكمت المحكمة حضوريا:

أولاً: بمعاقبة كل من: المتهم الأول “خالد الإسلامبولي”، والثانى “عبد الحميد عبد السلام”، والثالث “عطا طايل”، والرابع “حسين عباس”، والخامس “محمد عبد السلام فرج” بالإعدام، بإجماع الآراء نظير التهمتين المنسوبتين إلى كل منهم.

■ ■ ■ ■ ■

وهكذا.. أفصحت معادلة الدم، عن نهايتها، لكنها لم تدفن مع أميرها، الذى صكها فى عمره القصير الحافل.. فقد تركت جسده تحت التراب، لتطير نفس المعادلة الدامية مع فريضته الغائبة.. لتسكن مرة أخرى عقول أجيال جديدة، ما زالت تؤمن وتجدد طرفى التناقض والصراع.. إما قاتل، أو مقتول!

للاطلاع على الحلقة الثالثة: فصول من كتاب خالد عكاشة «أمراء الدم»

شاهد أيضاً

الحلقة الثانية: فصول من كتاب خالد عكاشة “أمراء الدم”

حسن البنا.. القاتل الأقل جهامة في الفصل الثاني من الكتاب الذي صدر مؤخرًا عن دار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × اثنان =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann