كتاب وأهداف خبيثة

بقلم: عمر حلمي الغول

لكل إنتاج معرفي أهداف، ورسالة يريد الكاتب والباحث إبراقها للمجتمع، وللعالم ككل. وتزداد اهمية الإصدار من اهمية ومكانة الكاتب، ودوره السياسي أو الإقتصادي / المالي أو الأمني أو الثقافي او الديني، وايضا من كيفية عرضه لرسالته، وإستهدافاته. وكل كتاب بما فيها الكتب والإصدارات الصفراء يحمل قيمة معينة، لإنه يعبر عن رؤية تيار داخل شعب، أو في المنظومة الإقليمية أو العالمية. وكل إنتاج معرفي مهما كان مجاله له رواده ومريديه، ويؤثر في بناء الوعي المجتمعي بقدر تأثير المؤلف، ودار النشر المنتجة للكتاب.
إستوقفني في الأيام الأخيرة إعادة إعداد ونشر كتاب “لعبة الأمم” لرجل المخابرات الأميركي، مايلز كوبلاند، الصادر عن دار الخلود للنشر والتوزيع عام 2012، إعداد وتقديم د. الحسيني الحسيني معدِّي، والذي تم إصداره نهاية الستينيات من القرن الماضي، ولا اريد ان أُحمل المعد للكتاب اية تبعات، بيد اني ساعالج ما اراده المؤلف ذاته، لإعادة تذكير من قرأه بالرسائل التي شاء إيصالها للنخب والجماهير العربية والعالمية على حد سواء من خلال تسليطه الضوء على مرحلة هامة من مسار تطور النظام السياسي العربي الجديد من 1947/ 1967، وخلال العشرين عاما المذكورة قفز الكاتب عن سابق تصميم وإصرار عن الصراع العربي الصهيوني بشكل متعمد، وكان مروره سريعا وخاطفا، وكأنه لم يشأ لفت النظر إلى خلفياته ومواقفه المنحازة لإسرائيل، ولا لمواقف قيادته من المشروع الصهيوني، وفي ذات الوقت، حاول ان يظهر نفسه، كأنه “صديق” للزعيم العربي العظيم.
توقف كوبلاند أمام نموذجين من الأنظمة العربية المعاصرة، التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، وفي اعقاب تولي الولايات المتحدة مركز القرار الرأسمالي، وتحملها المسؤوليات المباشرة عن إدارة الصراع في العالم عموما وفي المنطقة خصوصا، وبعد إطلاقها لمبدأ “ترومان” ثم مبدأ “إيزنهاور”، وغوصها في المياة الإقليمية للشرق الأوسط الكبير والوطن العربي بالتحديد من خلال إدارة ما أسماه الكاتب المخابراتي “لعبة الأمم”، حيث قامت وزارة الخارجية وCIA والبنتاغون مع الإدارة الحاكمة من تشكيل فريق من الشخصيات والكفاءات الأميركية المتميزة، الذين تمثل كل منهم دور زعيم من زعماء العالم العربي، للوقوف على كيفية إدارة الصراع الداخلي والخارجي. هذا وتوقف كوبلاند امام نموذجين من الحكم في العالم العربي: النموذج الأول في سوريا، الذي شهد عدم الإستقرار نتاج الإنقلابات المتوالية بدءً من إنقلاب حسني الزعيم عام 1949 … إلخ، والنموذج الثاني الحكم الناصري، والذي إحتل الحيز الأكبر والأهم من مساحة الكتاب وفصوله ورسائله، وتجاهل عن سابق تصميم وإصرار النموذج الثالث، النموذج الملكي في المنظومة العربية الرسمية.
ومن الكلمة الأولى في الكتاب يشتم القارىء الرائحة المخابراتية الفاسدة ضد التجربة الناصرية، رغم إدعاء المؤلف، أنه كان قريبا من الزعيم الخالد جمال عبد الناصر. ولاحظت كيفية تطبيقه بشكل دقيق مقولة “وضع السم في الدسم!”، فاولا شاء كوبلاند ان يفصل بين عبد الناصر وخلفيته القومية، عندما حاول، ان يلبس الزعيم القومي العربي الرائد ثوب المناورة والتكتيك في دعوته للقومية والوحدة العربية، وإستعماله “الورقة القومية” لحسابات “شخصية” و”قطرية”، و”طعن” في ثقافته ورسالته القومية من خلال التشهير به، بأنه يجهل دلالات ومعاني القومية العربية؛ ثانيا رغم إعترافه بالكاريزما الإستثنائية لعبد الناصر على المستويات الوطنية والقومية والأممية، بيد انه في كل حدث من الأحداث العظيمة، التي ساهم ابو خالد في صناعتها سعى للتقليل منها؛ ثالثا في العلاقة مع الولايات المتحدة، مع ان كوبلاند اشار لتردد وعدم تمكن الإدارات الأميركية من التعامل مع عبد الناصر بايجابية، إلآ انه بالنتيجة حمل الزعيم المصري العربي المسؤولية عن الخلل إن كان في تجربة قرض ال40 مليون دولار، او تسليح الجيش المصري، او السد العالي، وحتى في الصراع حول لبنان 1958، وفي علاقة الناصرية مع النظام الأردني آنذاك، وفي اليمن … إلخ؛ رابعا حاول ان يشي بان الزعيم الخالد لم يكن يعرف ما يريد، واستخدم الخطاب الشعبوي لتمرير سياساته في الداخل المصري والعربي والأفريقي؛ خامسا الموضوع الفلسطيني ايضا لم يتوقف امامه إلآ لماما، وبشكل خاطف؛ سادسا حتى إستنتاجاته الأساسية كانت خاطئة وملغومة وهادفة لإفساد الوعي، عندما يقول : في ثالثا ص 7 “وفي “لعبة الأمم” لا يوجد فائزون البتة، بل الكل خاسرون. لهذا لم يكن حرص كل لاعب على النجاح، بقدر ما هو على تجنب الضياع والخسارة”. وهذا إستنتاج خاطىء، وغير علمي، ولا يمت بصلة لإي لاعب سياسي مهما كان وزنه أو ثقله السياسي. لإن منطق الأمور، ان يسعى كل لاعب لتحقيق اهدافه، واهداف شعبه، او بعضها بالحد الأدنى، او تقليل الخسائر في أي معركة خاسرة.
الكتاب بالتأكيد هام، واعتقد من الضروري إعادة قراءته لمن قرأه سابقا، ومطالبة الأجيال الجديدة الإطلاع عليه، ولكن لمعرفة خلفياته المخابراتية، وليس لشيء آخر.
oalghoul@gmail.com
a.a.alrhman@gmail.com

شاهد أيضاً

شعرتُ بالتفكير؟ فلم أخلقُ فأرا!

بقلم: بكر أبوبكر كتب الأخ المدجّج بالنقوش الأرجوانية، وفرح النهارات المارِقة على الفؤاد مُروق النسمات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − 2 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann