أميركا بين فوضوية الديمقراطية وعبثية الشعبوية

بقلم: أنور رجب

في معرض حديثه عن سير العملية الانتخابية وما صاحبها من توتر واحتقان ناتج عن تصريحات الرئيس ترامب وسيل تغريداته، قال جو بايدن المنافس في انتخابات الرئاسة في حينه قبل شهرين ونيف: “الديمقراطية في بعض الأحيان فوضوية، وتتطلب القليل من الصبر أيضا”، وهو تعبير فيه الكثير من رجاحة العقل والمنطق، لا سيما إذا ما تم اسقاطه على واقع الانتخابات الأميركية الأخيرة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الانتخابات بأدواتها وآلياتها في أي مجتمع ديمقراطي هي الأداة الأكثر أهمية في قياس مستوى تجذر ورسوخ الديمقراطية في ذلك المجتمع، إذ إن مفهوم الانتخابات لا يمكن فصله عن مفاهيم أخرى ذات علاقة بتعزيز الديمقراطية مثل المساواة والعدالة وحرية الرأي والتعبير وتطبيق القانون والتداول السلمي للسلطة، وهذه المفاهيم بمجملها وبجانبها الآليات والأدوات والوسائل التي كفلها القانون والدستور تحكم وتضبط ايقاع سير العملية الانتخابية من بدايتها حتى نهايتها، وتضمن وتكفل عدم تغول الطرف الرابح في الانتخابات على حقوق الطرف الخاسر، وفي نفس الوقت وهنا بيت القصيد فإنها تمنح الطرف الخاسر منافذ متعددة تتيح له فرصة التأكد من خسارته والتثبت من سير العملية الانتخابية بنزاهة وشفافية.

من ضمن الأدوات التي منحتها الديمقراطية الأميركية للطرف الخاسر، اللجوء للقضاء بمستوياته وآلياته المختلفة والمتعددة، وتنظيم الاحتجاجات التي ترفض النتيجة أو تشكك بها، وكلا الأمرين مارسهما العديد من المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة ممن خسروا الانتخابات، ولكن وفق التقاليد والقوانين المعمول بها، ولهذا وفي النهاية كانوا يقبلون بالنتيجة ويقرون بالهزيمة، وكانت عملية انتقال السلطة تتم بكل سلاسة ودون ضجيج أو فوضى أو انقسام داخل المجتمع الأميركي كالذي شهدناه في الانتخابات الأخيرة، وهو ما يمكن اعتباره حالة استثنائية وفريدة من نوعها في تاريخ الديمقراطية الأميركية.

ما صاحب الانتخابات الأميركية الأخيرة من احتقان وتوتر وانقسام ومشاحنات وصلت حد استخدام العنف، هو نتيجة طبيعية للأفكار والرؤى التي يحملها الفريق الشعبوي الفاشي (الترامبية) المسيطر على مقاليد السلطة على مدار الأربع سنوات الماضية وبالتحديد فهمه الميكافيللي للديمقراطية، والمقصود هنا هو استخدام الهوامش والمنافذ التي توفرها مواد ونصوص الدستور والقانون ذات العلاقة بالعملية الديمقراطية وتوظيفها بما يخالف روح الديمقراطية، وبما ينسجم مع الرؤية الشخصية أو الحزبية حتى لو على حساب الصالح العام (فوضوية الديمقراطية)، ونجد أن هذا الفهم قد تم ترجمته عمليا من قبل قائد ذلك الفريق (ترامب) وهو ما ينسجم مع مواصفاته الشخصية وطبيعة الأفكار والمفاهيم التي يحملها وتشكل منطلقا لسلوكه وسياساته، وهو ما بدا واضحا وجليا منذ تقلده منصب الرئيس حيث قلب فيها الأمور رأسا على عقب، بعد أن أثار حالة من الفوضى في السياسة الخارجية الأميركية جعلت العالم أجمع يحبس أنفاسه ويقف مذهولا ومصدوما من سياساته وقراراته وقلقا من تفاعلاتها وتأثيراتها على الأمن والاستقرار الدوليين. وفي الداخل الأميركي تبنى خطابا ساهم في تغذية العنصرية والتطرف والفاشية وأسس لحالة من الانقسام داخل المجتمع الأميركي لن يكون من السهل تجاوز آثارها على المدى القريب، ومن هنا لم يكن مفاجئا أن غالبية من استجابوا لدعوته واقتحموا مبنى الكونغرس هم من الجماعات والحركات العنصرية والفاشية التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض.

نعم لقد جاءت (فوضوية الديمقراطية) برئيس للولايات المتحدة الأميركية من خارج دائرة السياسة والحكم، وإن لم يكن ذلك استثناء في التاريخ الأميركي ولكن الاستثناء هو أن هذا الرئيس جاء من عالم يحمل بين ثناياه كل ما هو مضاد للديمقراطية، عالم المال والتجارة والصفقات والمضاربات، عالم اللهو والملاهي الليلية وحلبات المصارعة، جاء مشبعا بالأفكار العنصرية والفاشية، تحكمه النرجسية والشعبوية والبلطجة ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وبالرغم من ذلك كله وبالرغم من الحرائق التي أشعلها داخل وخارج الولايات المتحدة، إلا أن (فوضوية الديمقراطية) شكلت سياجا حاميا له على مدار الأربع سنوات من توليه الرئاسة، ليس هذا وحسب بل يمكن القول إنه كان قاب قوسين أو أدنى من تشكيل تيار يحمل اسمه (الترامبية) من داخل حزبه ومن خارجه، تيارا يرى فيه القائد الفذ والمعبر الحقيقي عن أميركا العظيمة، وليس أدل على ذلك من حصوله على تأييد 75 مليون ناخب أميركي، وهنا يجب الانتباه الى أن جل هذه الأصوات ليس بالضرورة أن تكون تأييدا لشخص ترامب بقدر ما هي تأييد لمرشح الحزب الجمهوري.

وبالعودة للتعبير الذي أطلقه الرئيس المنتخب جو بايدن “الديمقراطية في بعض الأحيان فوضوية، وتتطلب القليل من الصبر أيضا”، فإن الديمقراطيات الحقيقية والصلبة تفرض قيودا وضوابط تلجم وتكبح جماح تصرفات وسلوك أشباه ترامب ممن تسللوا للنظام السياسي بفعل “فوضوية الديمقراطية” أي أن الديمقراطية تعالج نفسها بنفسها، خاصة في دولة مثل الولايات المتحدة أصبحت فيها الديمقراطية منهج حياة، وراسخة ومتجذرة وصلبة بصلابة دستورها الذي وضعته وسارت عليه منذ مائتي عام ونيف، وليست ديمقراطية مزيفة وهشة كما هو الحال في العالم الثالث. ما يجري الآن في الولايات المتحدة هو في الحقيقة ما عبر عنه جو بايدن في استقرائه للواقع وتطوراته، وقد بدا حينها مطمئنا أن الصبر على ما راكمته “فوضوية الديمقراطية” التي أنتجها ترامب على مدار السنوات الأربع ستكون نتيجته لصالح تعافي النظام الديمقراطي وعودة الأمور إلى نصابها ووضعها الطبيعي، وهو ما يجرى الآن، فالشعبوية الترامبية بكل ما حملته من تطرف وفاشية وعنصرية وبلطجة في طريقها إلى الاندثار، فهور لم يخسر الانتخابات الرئاسية وحسب، بل تسبب في أن يُمنى الحزب الذي وقف عاجزا عن لجمه ومستسلما لنزواته وبلطجته بهزيمة ساحقة بخسارته مجلسي الشيوخ والنواب وليس الرئاسة فحسب، ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالعقاب الذي ينتظر ترامب وفريقه سيكون بحجم ما سببه من كوارث وأزمات، وبحجم انتهاكه للنظام الديمقراطي ولحقوق المواطن الأميركي وتكرر اعتداءاته على تلك الحقوق والتي بلغت ذروتها بتحريض أنصاره على انتهاك أهم رمز من رموز الديمقراطية (مبنى الكونغرس) بعنف لم يعهده الشعب الأميركي، وهو ما سيقود إلى خروج نهائي لترامب وفريقه من المشهد السياسي مكللين بالذل والعار، فقد باشرت الديمقراطية عبر أدواتها وآلياتها باجراءات عزله، وبدأ الجمع ينفض من حوله داخل حزبه، وكل يبحث عن سبيل للتبرؤ من أفعاله، وتم وقف حساباته وطرده بقسوة من تويتر وفيسبوك، ناهيك عما ينتظره من اجراءات قد تقود إلى محاكمته بتهم تقويض الديمقراطية والدعوة للعنف وفتح ملفات التهرب الضريبي والتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية السابقة وغيرها، باختصار وكما كان ترامب حالة استثنائية في النظام الديمقراطي الأميركي، فسيكون حالة استثنائية في خروجه من هذا النظام.

خلاصة القول: إن الديمقراطية الصلبة هي الضمان الحقيقي لحماية حقوق المواطن والحفاظ على الدول والمجتمعات متماسكة وقوية حتى لو تعرضت هذه الديمقراطية لنكسات وأزمات، فتفاعلاتها وضوابطها وآلياتها وأدواتها كفيلة بأن تعالج هذه الديمقراطية نفسها بنفسها. وهكذا نفهم التحولات والأحداث التي عصفت بالولايات المتحدة خلال الفترة الماضية، نفهمها بوصفها مظاهر صحة وتعاف للمجتمع الأميركي وليس مؤشرا على بداية تفكك هذا المجتمع وانهياره.

شاهد أيضاً

منظمة التحرير ومؤسساتها ليست للمقايضة والتسوية

بقلم: عمران الخطيب في إطار التحضير للإنتخابات العامة يجري الحوار الثنائي بين بعض القيادات بكلا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 1 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann

Contact Us