تعاويذ لـ”شارع السهل”

بقلم: زياد خدّاش

لا أنتظرُ أحدا، ولا أتوقّع مرور أحد في الثالثة صباحا، وأنا أغتسلُ بأضواء، وشجر، ومطر شارع السهل برام الله. لا لا يأتي النوم كثيرا هذه الأيام، الكتب خلفي، والماء أمامي، ولا مفّر إلا الوقوف بينهما كأجمل غرقى المدينة.
يمتحنني شارع السهل كساكن جديد فيه بألذّ، وأعقد الأحاسيس كابن مخيم كان يطل من غرفته في المخيم على صراخ المساحة، وكآبتها.. صارت الإطلالة الجديدة المغمسة بصمت حلو، وعزلة مجيدة أقرب للوقوع في حالة حب سرية مع الوجود.
صار شارع السهل بحثي الدائم، وسؤالي الكبير: لماذا عاد للشارع مجده الأول الذي سرقه منه شارع رُكب؟! ما الذي طرأ؛ ليحدثَ هذه التغييرات؟ ككاتب غير موهوب في التحليل، والربط أترك الإجابة للآخرين، وأخرج لساني مناكفاً لشارع رُكب الذي ضحك علينا نحن جيل التسعينيات من الكتّاب، والكاتبات، وقال لنا: لا شارعَ غيري أنا الأصل، والآخرون محاولات ليصيروا مثلي.
في شارع رُكب أمضيتُ يفاعتي مع أقراني، ونحن نفعل شيئين اثنين متكررين: رشق باص (إيغد) الإسرائيلي بالحجارة، وهو يمر من شارع حلويات الأمراء، والذهاب إلى حلويات دمشق؛ لنصنعَ ما يشبه استراحة محارب نتحدّث بمرح عن هلع السائق، وتطاير زجاج الباص.
في الكهولة وبالصدفة، وبينما نحن نتجوّل لاحظنا قهوة على مفترق شارع في رام الله التحتا، وصار مقهى الانشراح بيتنا نحن الشباب.
رأينا شارع السهل بكامل تنوعه، ومجده، وشعبيته الأنيقة، وصرنا نعرف كثيرا عن هذا الشارع (أبو عيسى) النّجار الثمانيني الطيب، وحكاياته مع المنجرة في الخمسينيات، وهو في العشرين من العمر (كان الشارع غير معبّد، وكنت أنتظر أبي خائفا؛ ليأتيَ، ويأخذني إلى البيت)، ومرةً جاء صاحب المنجرة، وقال لي: «شو بتعمل في المنجرة يا زلمي؟ ولا دومري في الحارة»، (وأبو عيسى) حتى هذه اللحظة لا يتذكّر معنى كلمة (دومري).
ببحث بسيط استطعت أن أعرفَ معناها كانت تعني: «ولا حارس كان بالحارة»، و(الدومري) كان حارسا للحارات في العصر العثماني.
و(أبو إلياس) الحلّاق التسعيني بحكاياته مع القادة، والمسؤولين الكبار الذين حلقوا عنده منهم الأمير حسن الأردني، ودكتورة الكيمياء التي عادت من ألمانيا إلى الشارع، وقد فقدتْ عقلها، واستخدمت بشكل غير واع هذيانها أثناء حديثها معي أوائل التسعينيات في قصصي، الراهبات الإيطاليات الثلاث اللواتي يسكن في الشارع منذ ما قبل النكسة ورفضن العودة لإيطاليا واقعات في سحر(السهل).
أشياء كثيرة موجودة في شارع السهل: مركز ثقافي إسباني.. مقاهٍ شبابية.. مدرسة عريقة..، وأهم من ذلك مازال مبنى فندق نبيل الشهير موجودا بعد تحوله إلى بيت.
أحبُّ شارع السهل..أحبُّ مطره، وأضواءه، وبناته الجميلات الذاهبات إلى مقهى صوفي متكئات على خوف صغير، وموعد.
لا أنتظر أحدا خلف نافذتي..لا أحد يمر في الثالثة صباحا سوى ماء ينهمر، وخيالات كلاب، وطيفي، وهو يمشي في مراهقته الصيفية الحارقة أوائل الثمانينيات تحت شرفتي الآن ينظر للشرفة، ويقول متحسرا: آه لو كان هذا البيت بيتي.

شاهد أيضاً

المشروع الصهيوني الاستيطاني يمتد من فلسطين إلى المناطق العربية

بقلم: عمران الخطيب مختلف الصراعات التي تدور في منطقة الشرق الأوسط وبشكل خاص في العالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × ثلاثة =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann

Contact Us