المطلوب: الردع والعقاب معًا

بقلم: رمزي عودة

تزداد طرديًا مستويات خطورة ظاهرة تسريب العقارات والممتلكات الفلسطينية الى اليهود المستوطنين، ويزيد من هذه الخطورة تركيز الجمعيات الاستيطانية اليهودية على الاستيلاء على العقارات في مدينة القدس المحتلة، وذلك بهدف تهويد المدينة المقدسة وتهجير المواطنين الفلسطينيين منها. وتشير بيانات وزارة الأمن الإسرائيلية إلى أن الصندوق القومي اليهودي استولى مؤخرًا على مئات العقارات والدونمات في مناطق الغور ورام الله والخليل وبيت لحم والقدس، وذلك بهدف تركيز عملية الاستيطان في هذه المناطق وقضم الأراضي المحتلة تدريجيًا، بِالشكل الذي يؤدي بالمحصلة النهائية إلى إنهاء حل الدولتين وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم.

ووفقًا لتقرير مركز معلومات وادي حلوة في القدس المحتلة حول عمليات تسريب جرت خلال السنوات الماضية “فإن صاحب العقار يقوم ببيع عقاره لشخص عربي آخر/ سمسار أو نقل الملكية لعدة جهات وصولًا إلى الجمعيات الاستيطانية، ليظهر صاحب العقار بأنه ضحية”. ويضيف التقرير بأن نفس هذه الاجراءات تمت مؤخرًا عند تسريب عقاري المدعو وليد العطعوط والمدعو صيام في بلدة سلوان المقدسية لصالح جمعية العاد الاستيطانية. واللافت للنظر أن المتهمين بتسريب العقارات لليهود في سلوان كان جلهم من المتطرفين الحاقدين على السلطة الوطنية الفلسطينية، وشوهدت لهم مواقف علنية تدعو إلى طرد المفتي محمد حسين من المسجد الأقصى في أعقاب هبة الشيخ جراح. وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على كونهم بالأساس طابورًا خامسًا مزروعًا في المجتمع الفلسطيني، ويتستر بالدين، ويدعو إلى الفوضى والتمرد خدمة لأهداف المشروع الصهيوني.

بداية، علينا أن نؤكد أن قيام سلطات الاحتلال الاسرائيلي والجمعيات التابعة له بالاستيلاء على الأراضي والعقارات الفلسطينية ومصادرتها هو عمل غير قانوني، يخرج عن كافة الأعراف والاتفاقات الدولية، بما فيها اتفاقات جنيف الأربع التي تطالب سلطات الاحتلال بالمحافظة على سلامة الأراضي المحتلة والإبقاء على الوضع القائم دون المساس بالأراضي والممتلكات والسكان في الأراضي المحتلة. وكلنا يعلم أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تمارس كافة السياسات التهويدية وسياسات الضم والاستيطان التي تمس بسلامة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي في المجمل سياسات غير قانونية ولا يتم الاعتراف بها من قبل القانون الدولي.

في هذه المقالة، أدعو إلى ضرورة مقاومة جريمة تسريب العقارات، والتي من المتوقع أن تزداد وتيرتها خلال السنوات المقبلة، وأسمي هذه العملية “مقاومة” لأنني أقصد بها العمل على كافة الجبهات والمستويات للقضاء على هذه الجريمة وليس فقط احتواءها أو التقليل منها. في هذا الإطار، فإنني أقترح ثلاثة مستويات لهذه المقاومة:

أولًا: المقاومة القانونية على الصعيد المحلي:

هنا يجب تطوير منظومة القوانين الوطنية لتستطيع مجابهة جريمة تسريب الأراضي. وأقترح في هذا السياق، إضافة إلى تجريم المتورطين في عملية التسريب. ووفقا لاستطلاع رأي قامت به الحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والضم شمل 66 خبيرًا سياسيًا وقانونيًا، شدد 65 منهم على ضرورة التحقيق وملاحقة الذين يقومون بتسريب أراضيهم داخليًا ودوليًا، كما أكدت نتائج الاستطلاع على أنه يجب التحقيق مع أقارب الذين قاموا بتسريب ممتلكاتهم للتأكد من درجة معرفتهم بهذا الجرم، وإذا ما ثبت ذلك، فعلى الجهات الأمنية المختصة تحويلهم للقضاء ومصادرة ممتلكاتهم بما يشكل ذلك من رادع مهم لمن تسول له نفسه تسريب أراضيه لليهود المستوطنين.

ثانيًا: المقاومة القانونية على الصعيد الدولي:

يجب تشكيل هيئة وطنية تتكون من المؤسسات الحكومية والأمنية ومؤسسات المجتمع المدني ذات العلاقة لملاحقة الذين يقومون بتسريب ممتلكاتهم ويهربون إلى خارج حدود الولاية القانونية للدولة الفلسطينية المحتلة. وبالضرورة يجب رفع قضايا دولية عليهم والطلب من “الانتربول” إحضارهم للامتثال أمام القضاء الفلسطيني.

ثالثًا: المقاومة الشعبية المجتمعية:

أعتقد أن هذا النوع من المقاومة الشعبية لجريمة تسريب الممتلكات يعتبر من أهم أنماط المقاومة، وذلك لأنه الأقدر على احتواء هذه الظاهرة اجتماعيًا وعشائريًا ووسمها بصفة الخيانة العظمى في المجتمع. في هذا الاطار، يمكن حرمان العائلات المتورطة في التسريب من الحماية العشائرية، وكذلك يمكن منع هذه العائلات من التمتع بالمزايا الاجتماعية والاقتصادية في التعامل مع المجتمع. وأقصد هنا نبذ هذه العائلات وعدم التعامل معها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. وعلى رجال الدين أن يركزوا في الخطب الدينية على تحريم بيع الأراضي، كما يجب على المؤسسة التربوية أن ترفع وعي الطلبة والدارسين بخطورة هذه الجريمة على المجتمع الفلسطيني. وهنا، نذكر قراءنا الأعزاء بأن امتناع المقدسيين عن الصلاة على الأموات المتورطين في تسريب ممتلكاتهم ومنع دفنهم في المقبرة الإسلامية ما هو إلا نمط مهم ومؤثر من أنماط المقاومة الشعبية لظاهرة تسريب الممتلكات، ولكن يجب أن يتسع هذا النمط ليشمل الأقرباء من الدرجة الأولى للمتورطين لا سيما إذا ثبتت معرفتهم بهذا الجرم.

اليوم، علينا أن نستنهض كافة قوانا لوقف سياسات الاحتلال بالاستيلاء على الأراضي لصالح المستوطنين. وعلى العملاء الذين يهمون بتسريب أراضيهم لصالح هذه الجمعيات أن يأخذوا بعين الحسبان إمكانية تعرض أقربائهم وأصدقائهم للملاحقة القانونية والاجتماعية من جراء هذه الجريمة، اضافة طبعا لإمكانية الملاحقة القانوية لهم إذا تمكنوا من الهرب خارج البلاد. فالمطلوب اليوم للقضاء على هذه الجريمة هو الردع والعقاب معًا لإنهائها.

شاهد أيضاً

الحريه تُؤخذ ولا تعطى

بقلم: العميد فضل الحمدوني هل نسي البعض أو تناسى هذه المقولة الصحيحه، وصراعنا مع العدو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 − 6 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann

Contact Us