في قبضتي!

كتب: بكر أبوبكر

تصادف عناق الحرية للأسرى الفلسطينيين الستّة (ليلة ٥إلى ٦/٩/٢٠٢١م) الذين تحرروا من سجن جلبوع في فلسطين تحت قبضة السجان الإسرائيلي، مع تاريخ العملية الأضخم في تاريخ الثورة الفلسطينية حين أسرت حركة فتح ٨ أسرى من الجيش الإسرائيلي الغازي للبنان (ولاحقًا احتفظت ب٦ منهم) في ٤/٩/١٩٨٢ بعد الملحمة التاريخية والصمود الأسطوري في بيروت الذي دام ٨٨ يومًا.

في مثل هذا اليوم المتقارب باليوم والشهر بين الحدثين، كان لي أن رجعت لكتاب الدكتور سمير غطاس (د.محمد حمزة) المعنون في قبضتي، والذي يتحدث فيه عن العملية التي تمت في منطقة بحمدون في لبنان عام ١٩٨٢، في سياق نضالي فكري وسياسي ونقدي، وأيضًا في سياق قصصي مشوق جدًا جعلني أتم قراءة الكتاب الفريد في ٤ ساعات متواصلة ومشوّقة بلا أي انقطاع.

تنقلب السياسة الإسرائيلية رأسًا على عقب لتحرر الأسرى من قبضة المحتل، وتعلن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية فشلها الذريع في منع عملية بطولية تحررية عزّ مثيلها في هذا الزمن، لاسيما وأن سجن جلبوع يعدّ من أكثر المعتقلات-أو باستيلات الاحتلال كما تسميها أدبيات الحركة الأسيرة- تحصينًا لدى الاحتلال الصهيوني، لترسم علامة فارقة في التاريخ العربي والفلسطيني تبشر بإشراقة شمس يوم جديد لا بد فيه للحرية أن تكون مصير فلسطين.

في ظل الخسران الصهيوني المدوّي نلتحق بكتاب سمير غطاس المعنون في قبضتي وهو الكتاب الذي يشدّك من الصفحة الأولي، وينتقل بك بين خبايا فكر المناضل المصري الفلسطيني العربي الأممي الذي عاصر المعتقلات والمعتقلين، وقاد المظاهرات وقرأ لليسار الماركسي اللينيني وأعجب بالتجربة الماويّة، ومارس العلاقات مع كافة حركات التحرر في افريقيا وأسيا وامريكا اللاتينية بل وفي أوربا حين تسلم المهمة كمساعد للشهيد القائد الرمز أول الرصاص أول الحجارة خليل الوزير أبوجهاد.

سمير غطاس الذي سجّل جزء يسير جدًا من سيرته، وسيرة الثورة الفلسطينية في كتابه الهام هذا يتعرض بسلاسة الكاتب المليء الذي يمتلك ملكة الاستفاضة ويوظفها مع سعة الثقافة والقدرة علي الاستشراف وتوقع القادم في بناء قصة القبض أو الأسر الأسطورية التفاصيل للجنود الإسرائيليين في لبنان-والتي تصلح كشريط “فلم سينمائي”- والاحتفاظ بهم لأكثر من عام ونصف ثم مبادلتهم الستة ثم الثمانية معًا (بعمليتين منفصلتين لأسباب يشرحها بالكتاب) ب ٤٥٠٠ أسير فلسطيني ولبناني في معسكر أنصار بلبنان ومن الداخل الفلسطيني. (وفي الثانية تم تحرير ١١٥٥ أسيرًا) أي بإجمالي ٥٧٦٠ أسير فلسطيني ولبناني وعربي.

استطاع د.محمد حمزة أن يوظف الكتاب ببراعة الكاتب والمفكر والسياسي والمناضل لينثر فيه مجموعة من الأفكار والقيم التي لا تغيب عن القارئ الحصيف من مثل ضرورات المراجعة للتجارب، والنقد الضروري للتطوير في إطار العمل وخاصة بالثورات، راصدًا من تجربته ملامح من التجارب الثورية-وكله في إطار التمهيد المشوّق لقصة الأسرى وأحيانا في سياقها- في فيتنام وكوبا والصين والجزائر وغيرها.

استطاع د.محمد حمزة أن يعكس كثير من مفاهيمه التقدمية في نفسي لاسيما وإن تشوقي لقراءة كتابه هذا كان لاحقًا على القراءة ثم طباعتنا لكتابه الكبير عن سيرة أبوجهاد الوزير (الطبعة التاسعة في فلسطين والتي نفدت جميعها) ولاحقًا لسلسلة من اللقاءات الكثيرة والهادفة والجميلة التي جمعتنا بين فلسطين والأردن ومصر والامارات في إطار علاقات جدلية لمفاهيم الاعلام الصحيح والثقافة النهضوية مع الأخوين الكريمين مالك ملحم، وماهرحسين، وأخوة آخرين في مراحل أخرى.

كنت متأهبًا دوما للقاء ولاستماع للدكتور محمد حمزة، فما بالكم وهو يكتب كما يتكلم أي يقدم العرض الميسّر والمدعم بالأمثلة علي التنظير الجامد والصعب المفردات الذي اشتهر بمثله المؤدلجين اليساريين سابقا والاسلامويين حاليًا.

وكي لا نبتعد عن حسّ المصادفة، فلقد تحرر ستة أبطال في فلسطين من قبضة السجان المحتل من سجن جلبوع، في حين وقع ستة جنود إسرائيليين بقبضة حركة فتح بنفس اليوم تقريبًا مع فارق السنوات (١٩٨٢م،٢٠٢١م) ومع فارق حركة التحرر في مواجهة الاحتلال، ويكون الدكتور حمزة هو الذي قبض قبض اليد على الأسرى الإسرائيليين ليودعهم ومحمود العالول داخل منزل أبوجهاد في لبنان بعد أن اقتنصهم الأبطال عيسى حجو وجهاد عودة وأبوأحمد وسعيد، وهم الذين يتابع د.حمزة قصصهم (الأربعة الذين اعتبرهم فخر العرب) ويعطيهم حقهم وينصف أدوارهم كما أنصف الأخرين أمثال محمود العالول نائب رئيس فتح حاليًا، وغيره ممن كان لهم أدوارًا هامة في إتمام صفقة التبادل التي جرت في طرابلس- لبنان.

لا أريد أن أحرق تفاصيل القصة المشوقة لفرادة أسلوب الدكتور حمزة بالعرض الذي يشدّك، وربما لحجم انفعاله بالحدث الكبير الذي كان أحد أبرز صانعيه-مع أحداث كثيرة أخرى وعد بثنايا الكتاب أن يكشف الستار عنها لاحقًا- وعليه سأترك قراءة تفاصيل الحدث الأسطوري الذي جاء في مرحلة صعبة من تاريخ الثورة الفلسطينية ما بين العدوان الصهيوني على لبنان ثم الحصار العربي لقوات الثورة الفلسطينية في طرابلس-لبنان، ولك أن تتخيل صعوبة الأحداث والرغبة لدى كل قارئ باستجلاء تفاصيل هذا الحدث الكبير، كما يقف العالم اليوم على أصابع قدميه مترقبًا معرفة تفاصيل عملية الهروب الكبير من سجن جلبوع.

بالحقيقة أن الذي أشار لي بالمصادفة بين التاريخين، هو ذاته أي د.محمد حمزة باتصال جميل منه، فلم أكن لأحفظ التاريخ الأول في مدلهمات الخطوب، وله ألا ينساه وهو أحد أبرز صنّاعه حتي حقق هدفه بتحرير الأسرى.

يعرض في الكتاب تاريخًا موجزًا لعدد من المبادلات للأسرى حيث قامت بها الدولة المصرية بمهارة في أكثر من معركة ومناسبة، وصولًا لتسلمه هو مهمة الاتصال مع الأسرى الفلسطينيين بالداخل، أثناء تواجده مع الثورة في لبنان، بقرار من الشهيد خليل الوزير “أبوجهاد”، بالإضافة لمهمات أخرى.

ويعرض في سياق تصليب المفاهيم لرفضه التقديس للشخوص أو الإطارات مثل الثورة الفلسطينية ذاتها التي رأي ضرورة النقد فيها يعني حبل النجاة للاستمرار، وهو ما فعله مع أبي جهاد، وفي إطار مسؤوليته عن مجلة “المعركة” العسكرية الاستراتيجية، وكمسؤول لمكتب حركات التحرر في العالم.

في أطار الكتاب -وقبل الوصول للحدث بل وأثناءه أحيانًا كما قلت- يستعرض بضعة محطات هامة في تاريخ خليل الوزير “أبوجهاد” وياسر عرفات “أبوعمار”، والصمود الأسطوري في بيروت، والعمليات العسكرية من البحر تحت أمرة جهاز الغربي (الأرض المحتلة) الذي كان هو أحد قيادِيّيه بمسؤولية أبوجهاد.

ويعرض الكتاب تفاصيلًا إنسانية حتى للجنود الإسرائيليين الذين عُوملوا بأفضل معاملة نصت عليها الاتفاقيات الدولية، وبعض من تفاصيل شخصيات أخرى ارتبطت بالأحداث المساندة أو الحدث الرئيس، أي حين أصبح الجنود الثمانية (ثم الستة) في قبضة يده.

يرفض د.محمد حمزة محاربة طواحين الهواء، ويشيد بالكثير الذي منه الثبات الانفعالي لأبي جهاد، وبقدرات الشبيبة الطلابية بالوطن التي ترافق انشائها مع التركيز على الداخل من قبل قطاع الغربي-جهاز الأرض المحتلة، وفي سياق توصيل الجو المصاحب للقضية الرئيسية يعرض جزء يسير من بطولات الثورة الفلسطينية في قتل أو أسر القيادات الإسرائيلية فترة الغزو الصهيوني للبنان، ويتابع أسباب اغتيال أبوجهاد (له كتاب ضخم عن أبي جهاد كما أسلفنا).

بل ويتعمد الدكتور أن يترك مواضيعًا للتشويق اللاحق مثل نصف الحلقة التي أرسلها أبوحهاد عبر “أمنون كابليوك” الى الإسرائيليين، وهو-أي أبوجهاد- الذي دفع ثمن عشقه للحرية ٤٨ رصاصة في جسده حيث شارك في اغتياله كل من رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي لاحقا أيهود باراك ووزير الجيش بوغي يعلون.

ولمن يقرأ نص الاتفاق لتبادل الأسرى الستة، سيرى منطق الحنكة الذي ميز القائدين أبوعمار وأبوجهاد في معمعان حرب طرابلس والتي رغمها والألم في الكف، أنجزت صفقة تبادل الأسرى، ثم لحقها الصفقة الثانية للأسيرين من الثمانية اللذين سلمهم الفدائيون من فتح عندما أسروهم للجبهة الشعبية-القيادة العامة مقابل مرورهم على حواجز الشقيق العربي المقاتل ضدنا أيامها حتي يصلون لبر الزمان.

قضيت ٤ ساعات جميلة وسلسة وثرية وإنسانية معًا بين قبضة الكتاب والكاتب صديقي العزيز د.سمير غطاس (د.محمد حمزة)، عضو مجلس الشعب المصري في مرحلة لاحقة، حيث ترى وضاءة وجه الكاتب وانفعالاته الثورية بين السطور وكأنه مازال طالبًا يصرخ في المظاهرات ضد الظلم، وضد الاستعمار وضد الاحتلال، وعاشت الحرية من بحمدون الى جلبوع.

 

شاهد أيضاً

صدور موسوعة الصراع العربي الصهيوني

صدرت في جزئين بالقاهرة موسوعة (الصراع العربي الصهيوني، نحو خريطة إدراكية جديدة) للدكتور محمد عمارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

8 − 2 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann

Contact Us