لماذا لبستُ الحطّة بشكل دائم؟

بقلم: بكر أبوبكر

لا أريد أن أنظّر أو أضع نفسي في مساحة الوصف لأهمية الرموز والوسوم في السياق القومي او الديني ما كتبته في مقال سابق، وما هو قد يكون للناس معروفًا، ولكنني ساحاول أن أبيّن سبب لبسي أنا أو توشحي حول العنق للحطة (الكوفية) بشكل دائم صيفًا وشتاءً.
كان السؤال يلاحقني من العديد من الأخوات والأخوة خاصة عندما يرونني في أي لقاء، أو في المكتب أو في الشارع عامّة، أي بعيدًا عن المناسبات الرسمية أو الدورات السياسية أو الفكرية أو التنظيمية أو الندوات، أو المظاهرات لماذا؟ لأن اعتمار الكوفية في تلك المناسبات المحددة أصبحت عادة يتم التخلي عنها بمجرد انقضاء المناسبة.
العشرات ممن أبدوا احترامهم لاعتماري الحطّة بشكل دائم حاولوا اعتمارها بكل وقت وحين، ومنهم من نجح ومنهم من لم ينجح في ذلك. ولكل أمر بداية قابلة للاستمرار متى ما تعملقت القناعة وأصبحت مدلولاتها المادية جزء لا يتجزأ من الشخصية.
أنا لا أناور ولا أحاول التحرر من الإجابة التي ماطلت الكثيرين فيها طويلًا. إن توشحي الدائم بالكوفية (المرقطة خاصة) وهو المفروض أن يكون للجميع في فلسطين وخارجها، قد يكون سببه عندي الارتباط بعدة مناسبات قفزت الى ذهني واستقرت، ثم اختمرت لتشكل رغبة، ثم إرادة الفعل البسيط، ولكنه لو نفذه الملايين أو على الأقل الآلاف لشكل فرقًا، فالصورة ناطقة.
لا شك لدي أن العامل الأول كان اعتمار ياسر عرفات للكوفية المرقّطة، وهو عمل إبهاري ذو دلالة، فالرجل فنان في نثر أزهار المحبة والعطاء، وفي نثر الرسائل المباشرة والمرمّزة، وفي ابتداع الشعارات والرموز أو تأصيلها بلا أي كلمة بالضرورة، أي أنه كمن يحاول أن يرسم عبر أقدامه ويديه الصغيرتين وبعض عباراته مساحات، واسعة للنظر، والتأسي، والفخر.
والدي رحمه الله وهو المناضل الشرس لم يتخل عن لبس الحطّة (البيضاء) في غالب الأحوال، فلم تشكل له عائقًا ولم تشكل له إزعاجًا، كما يلبسها حاليًا كثير من الآباء والأجداد حتى اليوم!
لم يسبّب اعتمار الحطة لي إزعاجًا أو خروجًا عن الطراز (الموضة)! فكانت أيضًا من محفزات الفعل البسيط، ولكنه المؤثر بتكراره أو ثبات فعله كما الحال مع أي فعل آخر كبُر أم صغُر
وقفت احترامًا شديدًا للأخوة في تونس الرائعة –فترة عملي هناك-الذين يلبسون الملابس الوطنية التونسية الجميلة (خاصة الجبة للرجال والسفساري للنساء) في المناسبات الوطنية والدينية، ولا يشعرون بالحرج كما قد يشعر البعض ضيّق النظر أو المبهور أبدًا بالغرب في كل ما يفعل. فكان مثار السؤال لي: لم لا يكون مثل ذلك فرضًا على كل المسؤولين الفلسطينيين (والكوادر) في جميع المناسبات الوطنية والدينية على الأقل بأن يلبسوا القمباز (شبيه الجلابية، وهو لباس شامي عام) والدماية (يشار الى أنها منذ القرن 15 ق.م)، والحطّة (الكوفية) مقابل الثوب الفلسطيني الكنعاني الجميل للمرأة؟ ومازال السؤال عندي حائرًا.
في عديد المرات التي قدمت فيها الندوات أو عقدت فيها الدورات السياسية أو الفكرية في الخارج كانت الكوفية (الحطة) رمزًا لا تخطئه عين الأجنبي وعامل جذب ليس لذات الشخص وإنما لذات القضية حيث يذوب الشخص بالرمز فيصبح الرمز في المقدمة ويلحقه الشخص عند الذين ينظرون للكوفية باعتبارها رمزًا للتمرد ورمزًا للثورة ورمزًا للقضية الفلسطينية التي تعني الحق الأبلج مقابل الباطل اللجلج.
رأيت طفلة تقاوم جندي إرهابي من المحتل الصهيوني أثناء الانتفاضة الكبرى الأولى انتفاضة الحجر والجندي الحاقد يضربها بعقب البندقية بيد ويشد عنها الكوفية بيده الأخرى، وهي تقاتل ليس لصدّ عقب البندقية عن جسدها وإنما لتمسكها بالحطة! وكأنها بها تكمل وضاءة صورتها واكتمال زيّها، لقد شكلت بفعلتها هذه كل معاني الفخر والثقة والنضالية معًا وكأنها تضع عودًا في عين الغريب الذي يحتل الأرض. (مازالت هذه المرأة اليوم، الطفلة سابقًا -بعد33 عامًا تقريبًا- تفخر بالثوب الفلسطيني والحطّة فتلبس الأول غالبا في كل آن)
منذ سنوات عشر تقريبًا قررت أن أتخلص من شعر رأسي القليل فأخفي بذلك بياض الشعر وزحف الصلع البادي معًا، وفي ذات الوقت تقريبا -وقد لا يكون هناك صَلة- قرّرت لبس الحطّة (حول عنقي) بشكل دائم غالب الأيام، حتى امتلكت أكثر من كوفية في بيتي، ومنها أثناء ندواتي ولقاءاتي ما تبرعت بها لمن أبدى رغبه بامتلاك هذه الحطة “الفلسطينية”، رغم أنها كنعانية أو عربية عامة حيث يقول المؤرخ المتميز د. علاء أبو عامر: عمرها من عمر من سكنوا هذه الأرض وهي تظهر في أزياء الكنعانيين القدماء فلسطينيين ولبنانيين وسوريين.
لماذا لبست الحطة؟ بشكل دائم، لأنني أفتخر بعروبتي، وافتخر بفلسطينيتي فأنا من فلسطين العربية التي تتجذر من آلاف السنين منذ الفلسطينيين والكنعانيين الأوائل والعرب الاوائل، حيث نحن جزء من كل أكنّا المبتدأ أم كنا الخبر في الجملة الأسمية العربية النضالية.
إن لفلسطين بالكوفية عامة وحديثًا المرقّطة نكهة وحضورًا ودلالة النضالية والتجذر بحيث أن هذه الحطة خاصة من صناعة فلسطين (لدينا مصنع بالخليل) هي المطلوبة أساسًا وليس غيرها، فنشجع الفخر بالرموز الجامعة، ونشجع الصناعات الوطنية.

https://bakerabubaker.info/page-2352.html

شاهد أيضاً

المجتمع الدولي ومواجهة جرائم الاستيطان في فلسطين

بقلم: سري القدوة من المهم البناء على قرارات الأمم المتحدة ودعم ما تم الوصول اليه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − اثنا عشر =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
WP-Backgrounds by InoPlugs Web Design and Juwelier Schönmann

Contact Us