المرشحة “وردة”

ما أن أزيح الستار عن الدعاية الانتخابية لأولى مراحل الانتخابات المحلية، التي ستشمل 154 هيئة بالضفة الغربية، حتى نشطت القوائم في نشر وتعليق البوسترات واليافطات التي تحمل أسماء المرشحين والمرشحات إلى جانب صورهم وصورهن.

على وسائل التواصل الاجتماعي، جرى تداول العديد من البوسترات التي كانت مثار جدل، حيث وُضعت الورود في مواقع الصور المخصصة للمرشحات بجانب أسمائهن، فيما استخدمت قوائم ثانية صورا لقبة الصخرة المشرفة، وثالثة وضعت صورة المناضلة الراحلة دلال المغربي، وقوائم استخدمت صور لصندوق انتخابات، وأخرى اكتفت بوضع أيقونة تشير لرأس امرأة دون الإتيان على ذكر اسمها حتى.

ووصل عدد الإناث المرشحات في جميع القوائم التي قبلتها لجنة الانتخابات المركزية، إلى 1551 مرشحة، بنسبة 25.9% من إجمالي عدد المرشحين، فيما تترأس النساء ثلاث قوائم فقط.

ولضمان تسجيل قائمة صحيحة لدى لجنة الانتخابات المركزية لخوض الانتخابات المحلية، يتوجب تضمينها باسم مرشحتين على الأقل، إحداهما ضمن الأسماء الخمسة الأولى، والأخرى من بين الخمسة أسماء التي تلي، وذلك في الهيئة المحلية التي لا يزيد عدد مقاعدها على ثلاثة عشر مقعدا.

وفي الهيئة المحلية التي يزيد عدد مقاعدها على ثلاثة عشر مقعداً، يخصص مقعد للمرأة من بين الأسماء الخمسة التي تلي المرأة الثانية في القائمة.

المرشحة (أ.ف)، وصفت وضع “صورة الوردة” مكان صورتها في البوستر الانتخابي بالأمر الجميل جداً، مؤكدة أنها اختارت ذلك لأنها لا تود نشر صورتها الشخصية لعدة أسباب منها العادات والتقاليد في المجتمعات الريفية.

وقالت لـ”وفا”، إن استخدام “الوردة” يضعني في منزلة أخرى ويميزني عن المرشحين الآخرين في ذات القائمة، ويبقيني عالقة في الذهن، ويجعل من يشاهد الصورة يطرح التساؤلات عن دوافع امتناعي عن نشر صورتي.

وأكدت أن الوردة في كافة المجتمعات تمثل رمزاً للجمال والنقاء والرقة، وتتناسب مع الفتاة أكثر، فضلاً عن أنها تبعث على السعادة.

ونفت أن تكون قد خضعت في اختيارها هذا لضغوط اجتماعية أو من أي جهة كانت، وأشارت إلى أن شخصيتها تميل للمحافظة والالتزام بالقيم والتقاليد التي كبرت عليها في القرية.

وأضافت: “عند مشاركتي في أي محفل، أطالب بوضع وردة أو أي صورة رمزية مكان صورتي، ولا علاقة لذلك بشخصيتي أو القيمة التي أضيفها في المحفل الذي أتوجه إليه”.

وتؤكد المرشحة التي تحمل درجة الدكتوراة، أن لا علاقة على الإطلاق بين وجود صورتها في البوستر وبين ما يمكن أن تقدمه والدور الريادي الذي يمكن أن تلعبه، في حال فازت بالانتخابات المحلية ووصلت إلى موقع يؤهلها لتقديم الخدمات لأبناء بلدتها.

ولم تغفل المرشحة (أ.ف) الإشادة بدور أسرتها وعائلتها، التي لم تدخر جهداً في دعمها وإسنادها لخوض المعركة الانتخابية، وتحفيزها على تبوؤ المناصب واعتلاء قمة الهرم الأكاديمي.

وعند سؤالها عن خوض الانتخابات المحلية في قائمة تضم مرشحة أخرى تظهر صورتها الشخصية، قالت: “قد يلعب عامل السن دوراً في ذلك فهي تكبرني عمراً، وربما هي لم تضع لنفسها قيوداً مثل ما فعلت أنا. ولكن عندما يكون الإنسان صاحب مبدأ ولديه قناعاته الشخصية حتى التقدم بالعمر لن يؤثر في قراراته.

المرشحة (ر.ب)، رأت من جانبها، أن من تقرر خوض غمار الانتخابات، يجب أن تكون معتدة بنفسها وبقدراتها حتى يؤمن الناس بما يمكن أن تقوم به لخدمتهم إذا ما قرروا انتخابها، وهذا يساهم في قرار وضع صورتها الشخصية جنباً إلى جنب مع الرجال في البوسترات والمنشورات الانتخابية.

وقالت: كإنسانة واعية ومثقفة وتجاوزت السن القانوني وأحمل شهادة أكاديمية وأسعى للوصول إلى منصب بغض النظر عن أهميته، أدرك أنني عرضة للتواصل والالتقاء والاحتكاك المباشر بالجمهور ، ومع شخصيات أكبر كوزراء ومسؤولين، لذلك لم يتوقف الأمر عند حد نشر الصورة، هذا عدا عن الروتين اليومي بما يشمله من المشي في الطرقات واستخدام المواصلات والزيارات الاجتماعية، وهذه أماكن سأظهر بها، فكيف لي الاختباء وراء صورة رمزية؟.

وأضافت: لا داعي لعدم نشر الصورة، لأن ذلك يسيء للمرأة بشكل عام وللمرشحة بشكل خاص، عدا عن أنه يمثل رضوخاً لنظرة المجتمع والقيود التي تفرضها عادات وتقاليد سلبية، وفي تلك الحالة ستجد نفسها عاجزة عن الدفاع عن قضايا أكبر وأهم، كحرمان النساء من الميراث أو تعريضهن للعنف وغيرها من الحقوق.

وترى المرشحة (ر.ب) أن عدم نشر صورة المرشحة في البوسترات لا يختلف كثيراً عن وضع رمز من اسم الزوجة على بطاقات الدعوة للأعراس.

وأسدت نصيحة لمن قررن الاختباء وراء صور رمزية قائلة: “أخرجي من القوقعة التي تثقل كاهلك وتساعد المجتمع والمحيط على النظر لك بدونية، أنت تنشرين الصورة حتى يعرفك المجتمع وهذا يعكس أنك على قدر المسؤولية لشغل منصب يمكّنك من تقديم الخدمات في المستقبل، وأنت لا تنشرين صورك في لوحات أو مجلات إعلانية، ولا تروجين لمواد استهلاكية أو أمور ممنوعة أو محرمة”.

دلال سلامة عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح”، أكدت أن عدم نشر الصورة أو اللجوء إلى صور تعبيرية أو رمزية أمر غير مقبول بحق المرأة، وأن مساحة العمل العام لا تتم من خلف ستار، وإنما بالانخراط العملي والجرأة على المواجهة وليس الاختباء.

وأضافت، أن المرأة ليست نكرة ولا مجرد رقم، وهي كيان مستقل ومعرفة شخصيتها والتعرف إليها على قدر كبير من الضرورة، لأنها ستكون في مساحة الفعل العام وتستعد للانخراط في معالجة هموم وقضايا المجتمع المحلي بكل زواياه.

وشددت على أن الاستعاضة عن صور المرشحات برموز تعبيرية كصورة الشهيدة دلال المغربي أو شعارات أخرى، تشكل محاولة اختباء خلف رمز وطني، وهو أمر غير مقبول.

وأكدت سلامة أن حركة “فتح” بما أنها كانت أحد الموقعين على مدونة سلوك مناهضة للمساس بحقوق المرأة الفلسطينية في الانتخابات المحلية، تدرك بأن هناك الكثير مما يجب عمله لإحداث قدر من التغيير المجتمعي والصورة النمطية المتعلقة بالمرأة ودورها في العمل العام.

وأعلنت أن “فتح” بصدد متابعة هذا الأمر في كافة الأطر التنظيمية، ومراجعته مع كل القوائم المرشحة المتبناة من قبل الحركة، لأن ذلك يتم غالباً دون مشاورة المرأة ويندرج في سياق مصادرة قرارها وهي في طريقها إلى مركز صنع القرار.

محافظ رام الله والبيرة ليلى غنام، قالت إن استخدام الرموز في مواقع صور المرشحات يشكل أمراً خطيراً لا سيما في المجتمع الفلسطيني، الذي يزخر تاريخه بقصص المناضلات والشهيدات والأسيرات والسياسيات اللواتي يشكلن فخرا للتاريخ الفلسطيني.

والأخطر من ذلك حسب غنام، اللجوء للإشارة إلى المرشحة على أنها (زوجة فلان أو شقيقة علنتان)، لأن ذلك يعني أنها غير قادرة على الإدارة والنجاح ودورها الريادي محدود إذا ما تم التعامل معها كفرد من المجتمع الفلسطيني بمعزل عن الذكور من عائلتها.

وأضافت لـ”وفا: “أذا لم تكن المرأة قادرة على فرض صورتها بجانب اسمها في بوستر الدعاية الانتخابية، فهي بالتالي لن تكون قادرة على صون أو استعادة حقوق النساء ومكتسباتهن في مجتمعها”.

الديانات لم تكن معيقة للمرأة، هذه حجة للتستر وراء الدين، فلو كانت المرأة مصدر حرج أو تحريم دينيا واجتماعيا على مدار التاريخ، لما عرفنا السيدة عائشة، ولوصلنا فقط أنها زوجة الرسول محمد، ولا عرفنا اسم السيدة مريم، وكنا سنقول إنها والدة السيد المسيح، ولما وصلنا في السيَر والتاريخ أن المرأة عملت كممرضة في المعارك ولم تكتف بأدوار لم تكن عبثية، كما تعتقد غنام.

وأعربت محافظ رام الله والبيرة عن أملها بأن تأخذ المرأة موقعها الصحيح في الانتخابات لتقود التغيير والتعمير، بدلاً من وضعها كديكور على القوائم لأن قانون الانتخابات يلزم بذلك.

ودعت المرأة لتأخذ حقها ودورها بجدارة وليس من خلال الكوتة، التي يجب أن تكون مدخلاً لتغيير ثقافة المجتمع الذكوري، وصولاً إلى دفع الناخبين لاختيار الأفضل.

الناشطة النسوية، مدير عام مؤسسة فلسطينيات وفاء عبد الرحمن، تعتقد بدورها أن استخدام الرموز والصور التعبيرية في مواقع صور المرشحات في الدعاية الانتخابية، أمر يدفع للغيظ ولكنه يأخذ حجماً أكبر من حجمه، سيما أنه تصرف شكلي وليس جوهريا.

وقالت: “مع كل هذا التفاعل بخصوص صور الرموز قد ننسى القضايا الأهم، ويبدو أن بعض القوائم الانتخابية تدرك ردات الفعل، وأصبحت تستخدم الوردة مثلاً بدلاً من صورة المرشحة كي يستحوذ ذلك على اهتمام الناس، بما قد ينسيهم التركيز على البرنامج الانتخابي وهو الأهم”.

وتعتقد أن التركيز على موضوع الوردة والوقوف عنده طويلاً هو جزء من المساهمة في التعمية على القضايا الأساسية.

وعلى الصعيد الشخصي، لا تكترث وفاء عبد الرحمن إن كانت القوائم قد استخدمت وروداً أو صوراً رمزية، فالأهم بالنسبة لها البرامج الانتخابية وقانون الانتخابات إن كان منصفاً للنساء ويضمن لهن تمثيلاً أكبر.

وأكدت أنه لا يمكن محاكمة قائمة انتخابية بناء على الصور التي تستخدم في الدعايات الانتخابية، فهناك قوائم نشرت صور أعضائها ودون أي رموز ، ولكن على أرض الواقع لم يقدموا شيئاً وكانت برامجهم الانتخابية شبه خاوية.

وختمت عبد الرحمن، بأنه لا يجب تضخيم الأمور أكثر من اللازم، صورة الوردة مؤذية ولكن المؤذي أكثر كيف تتحول النساء لاحقاً ليصبحن وروداً على الطاولة، في إشارة إلى أنهن فقط زينة وديكور ولسن صاحبات قرار، لأن الكوتة النسوية المقرة في القانون تحتم وجودهن في القوائم وبالتالي قد يصلن إلى مركز صنع القرار.

لبنى الأشقر من طاقم شؤون المرأة، اعتبرت قبول المرشحة بوضع صورة رمزية مكان صورتها الشخصية بأنه سلوك ينم عن عدم الثقة بالنفس، ويقع ضمن موروث ثقافي نشأت عليه بعض النساء، بأن صورتها وصوتها ووجودها في الحيز العام عورة.

وأضافت: “هذا الأمر مرفوض، لأنه امتداد لنتاج الثقافة الذكورية التي تسود المجتمع، والتي ترى في وجود المرأة عيب، لذلك يتم توريتها خلف صور رمزية”.

وتعتقد الأشقر أن قبول المرأة على نفسها ألا تظهر للعلن ولو من خلال صورة في بوستر، فإنها لن تكون قادرة على خدمة المجتمع ولا التعاطي مع قضايا الحكم المحلي.

وتساءلت: “إذا كانت تخشى من ظهور صورتها أو رؤية المجتمع لصورتها، فكيف ستكون في اجتماعات ولقاءات عامة لتدافع عن حقوق من انتخبها؟ من تقبل أن يفرض عليها ذلك، فلن تكون قادرة على صناعة القرار”.

وشددت الأشقر على أن المرأة التي قررت الدخول للمجالس المحلية ستكون غالبا متعلمة وليست تقليدية، لذا يتوجب عليها رفض هذا السلوك إذا ما فرض عليها من قبل القائمة أو المجتمع، ويتوجب عليها الانسحاب من القائمة.

وجزء آخر من المشكلة يتمثل في رضوخ النساء لثقافة المجتمع المحلي، وهذا ورثته المرأة ونتاج التربية المجتمعية التي تصور المرأة على أنها الأقل والأضعف والأكثر دونية.

وأشارت إلى أن هناك نساء لا يردن أن يحرمن أنفسهن من فرصة الترشح، ويعملن بالتالي على الموازنة ما بين توجهات المجتمع والعائلة والطموح الذاتي، وهؤلاء قد لا يقبلن بالاستعاضة عن صورهن الشخصية بصورة رمزية ويكتفين بنشر اسمهائهن كاملة.

وأضافت: “القانون يلزم بكوتة للمرأة وهذا جيد، ولكن يجب أن يشكل ذلك عامل ضغط على القوائم التي تفرض منع ظهور صور النساء على البوسترات واليافطات. يجب أن تفرض المرشحة وجودها وصورتها وحضورها كاملاً على بقية القائمة، لأنهم مضطرون لوجودها فيها”.

فريد طعم الله، المتحدث باسم لجنة الانتخابات المركزية، أشار إلى أن القانون يخلو من أي بند يلزم القوائم الانتخابية بنشر صور المرشحات في البوسترات واليافطات، أو في منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن ضمن المعلومات الإلزامية التي تطلبها لجنة الانتخابات لتعبئة طلب الترشح للانتخابات المحلية، يتوجب تقديم صورة شخصية للمرشحين إلى جانب الاسم ورقم الهوية وباقي البيانات الشخصية.

وأوضح طعم الله، أن الدعاية تتيح للقائمة الإعلان عن نفسها بالطريقة التي تراها مناسبة، ويُمنح المرشحون الحرية كاملة في نشر أو عدم نشر الصور.

وأضاف: “أحياناً، لا تتم مشاورة السيدات في عدم نشر صورهن، نعلم ذلك، ولكن لا يمكن للجنة الانتخابات أن تتدخل دون ورود شكوى شخصية مكتوبة من المرشحات اللواتي حجبت صورهن عن الدعاية الانتخابية، لأن ذلك يندرج تحت بند الحرية الشخصية”.

وما تفرضه لجنة الانتخابات هو ورود الاسم صريحا، فيما يعد استخدام مصطلحات “زوجة فلان” أو ابنة علنتان” أو اسم الشهرة مخالفة انتخابية.

وأكد فريد طعم الله، أن لجنة الانتخابات ضد إخفاء صورة المرشحة، ولكن لا يمكن أن نقوم بالتدخل دون شكوى طالما القائمة ملتزمة بالضوابط الأخرى.

ونوه إلى أن اللجنة تتلقى عادة شكاوى من هيئات رقابية ومؤسسات نسوية بسبب عدم نشر صور المرشحات، ولكن لا يمكن النظر فيها، لأن القانون ينص على أن الشكاوى يجب أن تقدم مكتوبة وبشكل شخصي.

وتابع: لا يذكر أن لجنة الانتخابات تلقت شكوى مكتوبة حول هذه المسألة من صاحبة الشأن، وأحياناً يتقدم البعض بشكاوى شفهية أو رسائل الكترونية أو من خلال فيسبوك أو من خلال الهاتف ولا ينظر بها، لأنها لا تتطور إلى شكاوى رسمية مكتوبة.

وأطلقت لجنة الانتخابات المركزية في تشرين الأول / اكتوبر الماضي، مدونة سلوك “مناهضة المساس بحقوق المرأة في الانتخابات المحلية” ووقع عليها ممثلون عن الأحزاب والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والوزارات المعنية، إلى جانب مجموعة من النشطاء والناشطات في المجال النسوي وصحفيين.

وصنفت تلك المدونة، حجب صورة امرأة مرشحة أو اسمها أو لقبها من وثائق ويافطات الدعاية الانتخابية أو حرمانها من قبل أعضاء قائمتها أو أي شخص آخر من ممارسة الأنشطة المتعلقة بالدعاية الانتخابية، بأنه “عنف انتخابي”.

إلا أن هذه المدونة لا يترتب عليها سوى الالتزام الأدبي من قبل الموقعين، وليس فيها ما هو ملزم قانونياً.

وفا- رامي سمارة

 

شاهد أيضاً

جبل في عارة اسمه “كريم يونس”

صباح الـ6 من كانون الثاني/يناير 1983، اقتحمت وحدة خاصة تابعة للاحتلال أحد مختبرات الهندسة في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 1 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا