الاستعمار الإسرائيلي وأزمة الاقتصاد

بقلم: عمر حلمي الغول

كل أشكال الاستعمار بمختلف مسمياتها وعناوينها القديمة والجديدة كانت وبالا على اقتصادات الدول التي استعمرتها، أو استحوذت على اقتصادها في إطار تبعية النظام السياسي. وبالأساس تمظهر الاستعمار الرأسمالي لتحقيق اكثر من هدف، منها: أولا نهب ثروات وخيرات الشعوب؛ ثانيا تحويل أسواق الدول الخاضعة للاستعمار لسوق تابع لها، وتحويل الدول والشعوب لدول استهلاكية عبر تصريف البضائع والسلع المنتجة في دول المركز؛ ثالثا حرمان الدول والشعوب من التطور والتنمية المستدامة؛ رابعا في الحالة الفلسطينية الإسرائيلية تم الغاء وشطب وتصفية السوق الفلسطيني كليا، واخضاعه بالكامل لتبعية شبه مطلقة، ونهب الثروات والكفاءات والطاقات الإنتاجية بما في ذلك اليد العاملة، والحؤول دون أي تطور للاقتصاد الوطني.

وما زال الاستعمار الإسرائيلي يواصل ذات النهج والسياسة الاستغلالية لحرمان شعبنا الفلسطيني من أبسط حقوقه السياسية والاقتصادية والثقافية، رغم توقيع اتفاقيات أوسلو في العام 1993، وبروتوكول باريس الاقتصادي 1994، وهذا ما أكده التقرير الذي أعده مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “اونكتاد” سابقا، وكشف عنه يوم الأربعاء الموافق 24 نوفمبر الماضي (2021) في مؤتمر صحفي عقده في جنيف كل من محمود الخفيف ورامي العزة، واستضافه معهد أبحاث السياسات الفلسطيني “ماس” في رام الله عبر تقنية الاتصال المرئي، الذي قدر خسائر الاقتصاد الفلسطيني بحوالي 58 مليار دولار أميركي نتاج الاغلاقات الإسرائيلية في الفترة من 2000 إلى 2019.

وكانت تقارير سابقة لـ”اونكتاد” قدرت خسائر الاقتصاد الفلسطيني من عدم استغلال المنطقة المصنفة (C) بما يقارب 3,8 مليار دولار سنويا. وهذه الخسائر لا تشمل جرائم الحرب الأخرى من حروب واجتياحات وتدمير وقتل ونهب ومصادرة للأراضي والعقارات والسياحة، فضلا عن استنزاف طاقة اليد العاملة في سوقها، في الوقت الذي تحرم فيه السوق الفلسطينية من أبسط الحقوق الاقتصادية وفق المعايير العالمية، من حرية الاستيراد والتصدير، وحرية الاستغلال للثروات الطبيعية الفلسطينية، وحرية المعابر والتنقل، ومنعه من إقامة موانئه البحرية والجوية.. الخ.

وهذه الانتهاكات والجرائم لا تتوقف تداعياتها عند حدود الخسائر المالية فقط، إنما هناك آثار ونتائج اجتماعية وسايكولوجية واقتصادية وثقافية، فضلا عن البعد الأساس لنضال وكفاح الشعب الفلسطيني التحرري، وحرمانه من الاستقلال السياسي الناجز لأنه من خلال الخنق شبه الكامل للاقتصاد الفلسطيني يحول دون بلوغه الهدف آنف الذكر.

ونتاج سياسة الاغلاق المستمرة بمتوالية هندسية انخفض معدل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي حسب التقرير بنسبة 44%. أضف الى ان الاقتصاد الفلسطيني وفقا لقياس النمو قبل العام 2000 وما بعد 2006 بنسبة 7%، فإنه كان يفترض أن يتطور بنحو 35%. لكن الاغلاقات والانتهاكات والعقوبات الجماعية، حالت دون ذلك.

كما تعاظم الحد الأدنى لتجاوز الفقر في الضفة الفلسطينية ستة أضعاف بين عامي 1998 و2007؛ وتضخم من 73 مليون دولار (بالأسعار الثابتة لعام 2015) في عام 1998 إلى 428 مليون دولار عام 2007. وارتفعت معدلات نسبة الفقر وعدم المساواة بشكل حاد في أعوام انتفاضة الأقصى 2000/2005. واحتاجت للعودة لنفس المعدل لعقدين من الزمن، ولكن في شروط اقتصادية أكثر بؤسا وتعقيدا، وانخفاض كبير في مستوى المعيشة.

ورغم هذه الحقائق الدامغة والعميقة الدلالة يتحدثون عن الحل الاقتصادي للمسألة الفلسطينية، وكأنها البوابة السحرية لقضية العصر، التي مضى عليها 74 عاما خلت من نكبة الشعب الفلسطيني. والأسئلة التي تطرح نفسها، إذا ما تساوقنا مع الحل الاقتصادي، هل الدولة الاستعمارية الإسرائيلية، التي تدمر الاقتصاد الفلسطيني بشكل منهجي مستعدة أولا أن تحرر الاقتصاد الفلسطيني من تبعيتها وغلافها الجمركي؟ هل إسرائيل جاهزة لأن تمنح فروع الاقتصاد الفلسطيني حرية الاستيراد والتصدير، وتعيد النظر ببروتوكول باريس؟ وهل لديها الاستعداد لأن تفتح للمستثمرين الفلسطينيين الأبواب للاستثمار في المنطقة المصنفة (C)؟ وهل تقبل إسرائيل على تحرير الاقتصاد الفلسطيني من التبعية لاقتصادها وسوقها؟ وهل لديها الاستعداد للكف عن سياسة التهويد والمصادرة للأراضي والعقارات الفلسطينية؟ وهل لديها الجاهزية لأن تمنح حرية السياحة في أراضي دولة فلسطين بما في ذلك القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية؟ وهل تقبل فتح المعابر والحدود والطريق الآمن بين جناحي الوطن الفلسطيني (الضفة والقطاع)؟

من المؤكد لن تسمح بشيء، وبالتالي النتيجة المنطقية والعلمية القابلة للترجمة على الأرض، هي التسوية السياسية وتطبيق قرارات الشرعية الدولية ومنها القرار الدولي 2334 الصادر عن مجلس الأمن في 23 كان الأول/ ديسمبر 2016، وانسحاب اسرائيل الكامل من أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة في الخامس من حزيران عام 1967، وضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم وفقا للقرار الدولي 194، والمساواة الكاملة لأبناء الشعب في مناطق الـ48. غير ذلك لا أفق للحل.

oalghoul@gmail.com

شاهد أيضاً

حُراس ميراث الدم

بقلم: سعدات بهجت عمر عدونا الإسرائيلي المُحتَل يسلبنا المعايير الأخلاقية ويُحكم الأبواب الموصدة ويملأ الفضاء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

8 − ستة =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!