ضحايا مجرمون

على قارعة الطريق، في المصح أو السجن أو المقبرة، نهاية محتومة لكل من يتورط في عالم المخدرات، فخسائر هؤلاء سواء صحية، مادية، اجتماعية، نفسية، او جميعها، تسلبهم حريتهم وإرادتهم وحياتهم ومن حولهم.

خلف جدران مغلقة وداخل دهاليز لا ترى الشمس في بلاد ينتظر لها اعداؤها ان تسقط، تتوارى المخدرات خلف قصص كثيرة يتناقلها الناس في يومياتنا حول من يزرعها ويصنعها ويتاجر بها ويتعاطاها، ومن اعيته آثارها.

مع أيام الشتاء الاولى نهاية العام 2021، تهطل ارقام واحصائيات ما مر في هذا العام على الفلسطينيين بكل جوانب حياتهم، 2279 هو عدد قضايا المخدرات المضبوطة منذ بداية العام الجاري وحتى الرابع من شهر كانون الاول/ ديسمبر.

وبينما يسهل تحديد الجاني والمجني عليه في كثير من القضايا، إلا ان الحكم على من تورط في إدمان المخدرات، يتطلب فهم قصته، التي تختلف في تفاصيلها وظروفها عن غيرها.

في الطريق الى بيت لحم، بعد ترتيب لقاء مع أحد المدمنين الموجودين في المركز الوطني للتأهيل، تساؤلات غير عادية يثيرها الهبوط في عالم نسمع عنه باستمرار ولا نعرف الكثير عن خباياه واسراره.

حاول الانتحار للهروب من الادمان

“بعد جرعة مخدرة، كنت في حالة سيئة، حاولت الانتحار بشفرة طبية وقطعت معصمي وجرحت رقبتي، (كنت بدي ارتاح)”.

بهذه الكلمات لخص الشاب “م.ا” في العشرينات من عمره، قصته ومعاناته مع الادمان ومحاولته الانتحار للهروب من الواقع الذي يعيشه.

“بدأت قصتي مع تعاطي المخدرات قبل سبع سنوات، عندما طلب مني صديقي أن ادخن سيجارة، سألته ما هذا، فأجابني “حشيش”، جربها، وفعلا جربتها. وأعجبتني، واستمررت في تدخينه لعامين، قبل أن اجر لتعاطي أصناف أخرى من المخدرات، ظنا أنني سأتوقف في مرحلة ما، ولن ادمنها”.

ويضيف:”كنت اشتري مادة الحشيش بنحو 200 شيقل، مع الوقت لم تعد الكمية كافية، رفعت الكمية مرة بعد أخرى إلى أن أصبحت اشتري نصف كيلوغرام مرة واحدة، ومع ذلك لم يعد “الحشيش” كافيا، بعد أربع سنوات ونصف، تعاطيت مادة “MD” المخدرة، لخمسة أشهر ويقدر سعر الغرام الواحد منها بـ(1000) شيقل، وبعد ذلك انتقلت لتعاطي مادة “الكريستال”، وهي مادة سيئة جدا، وبسببها كنت لا انام أكثر من 5 ساعات اسبوعيا.

في عالم المخدرات، سوق مفتوحة وعروض ومضاربات في الاسعار بين التجار والمدمنين انفسهم، يقول (م.أ): “هناك تنافس بين المدمنين على استخدام اغلى الأنواع وأقواها، كنت أتواصل مع تجار من تل ابيب والقدس ومناطق أخرى للحصول على هذه المواد، وكنت أتلقى اتصالات وعروضا من آخرين لتجربة مواد جديدة (تعال ذوق، وإذا أعجبتك بتشتري)”.

ويتابع: الوضع المادي لعائلتي التي تعمل بالتجارة، إضافة إلى عملي، اتاحا لي صرف مبالغ مالية كبيرة وصلت إلى نحو (3 آلاف شيقل يوميا)، خاصة في مرحلة ما قبل دخول المصح للعلاج من الادمان.

قهر والديه وسرق وخسر خطيبته

“قهرت والديّ وضايقتهما كثيرا، وأسأت لسمعة عائلتي، رأتني والدتي عند محاولتي الانتحار، فأغمي عليها، لم اشعر حينها بالحزن عليها، وتركت خطيبتي بعد ان تهجمت عليها وانا تحت تأثير المخدرات، وقالت لي: “أبوي ما بعطيني لواحد مدمن”.

ادمان المخدرات دفعني لسرقة مبلغ 50 ألف شيقل، صرفت منها في ليلة واحدة 20 ألف شيقل، كذبت على أهلي وانكرت السرقة، وعندما واجهوني بتسجيل كاميرا المراقبة، “اه صحيح هاد انا، بس ما كنت صاحي”.

خسارة (م.أ) لم تكن مادية فحسب، فقد خسر أحد أصدقائه، الذي كان يتعاطي معه، بسبب جرعة زائدة من مادة “الكريستال”، “توقف قلبه ومات، وسبق أن توقف قلبي بسبب جرعة زائدة، لكن شاء الله ألا أموت”.

قرار العلاج

“ما جعلني أفكر بالعلاج، شعوري بأنني سأقتل أو أصبح قاتلا او اذهب إلى السجن، فحسمت الأمر، بعد تعرضي لاطلاق نار من قبل تجار مخدرات”.

وعن تجربة العلاج من الإدمان، يقول (م.أ): “تعلمت الصبر والثقة والشجاعة، تجاوزت الجزء الأصعب، وسأستمر حتى أنهي العلاج بالكامل، واستعيد عافيتي، زارني والدي مؤخرا، وكان سعيدا بالنتائج”.

كنت خطرا على ابنتي والآن أخاف من مواجهتها

في ساحة المصح، وعلى مقعد خشبي في زاوية المكان، التقينا (ي.ف) وهو مدمن على المسكنات، يقول: “زوجتي كانت تخاف على ابنتي مني. كنت اضربهما. تناولت المسكنات لمدة 14 عاما دون ان أعلم أنني مدمن”.

ويضيف: “بدأت بتناول المسكنات بسبب مرض مزمن، ومع الوقت صرت احتاج لكميات اكثر، لجأت لمعارفي لتأمينها لي، أدمنت دون أن أعلم، خسرت زوجتي التي انفصلت عني، وابنتي التي لم أرها منذ خمس سنوات، وتضررت علاقتي بأهلي وخسرت عملي”.

بعض الادوية التي كان يتناولها خلال فترة ادمانه تسببت له بفقدان جزئي للذاكرة (النسيان)، لدرجة أننا عندما سألناه كم مضى على وجوده في مركز العلاج، لم يتذكر.

ما يشغل تفكير (ي.ف) الآن هو كيف سيلتقي ابنته بعد خروجه من المصح، “أخاف من مواجهتها، أخاف أن ترفضني”.

وعود لا تتحقق

ليس بعيدا عن عالم الوهم الذي تنسجه المخدرات، هناك أشخاص في عالم الواقع دفعوا ثمن تورط اقربائهم بالمخدرات.

“كان متفوقا في عمله، وبسبب المخدرات انتهى كل شيء”، لخصت المواطنة (د.خ) زوجة أحد المدمنين، قصتها مع زوجها، الذي انفصلت عنه بعد 13 عاما من الزواج، بسبب المخدرات بعد أن أنجبت منه أربعة أطفال.

وتضيف: تزوجت بسن السابعة عشرة، ولم أكن وقتها أعي ما يدور حولي، بعد عام على زواجنا، كان يخرج من المنزل ويعود في اوقات متأخرة يوميا، وعندما كنت أسأله كان يتهرب من الجواب، في أحد الأيام، بحثت في ملابسه، ووجدت قطعة مستطيلة الشكل لونها بني واخضر، ذهبت لأخيه الكبير، وأخبرته بما حدث، ولاحقا علمت أن زوجي كان يتعاطى المخدرات قبل زواجنا بسنوات، وان معظم أهل قريته كانوا يعرفون ذلك”.

لم تخبر عائلتها بادئ الأمر، أملاً في أن يتجاوز إدمانه ويفي بوعده بترك المخدرات، وأن يركز في عمله وينتبه لبيته واطفاله.

مرت السنوات، وزادت أحوال العائلة سوءا، اجتماعيا ومادياً، وأحياناً يؤخذ الأطفال لبيت جدهم لأمهم لتناول الطعام، فيما تصر عائلة الزوج على أن المادة التي يتعاطاها لا تسبب الإدمان.

“زادت الحالة سوءا، أصبح يضربني امام اولادنا. في أحد الأيام كنت أعمل في المطبخ وابنتي الصغيرة تلعب، فسألتني: “يما لقيت اشي زاكي، آكله؟”، فأجبتها: نعم، وبعد ذلك بلحظات التفت إليها، ووجدت في يدها قطعة “حشيش” ظنت أنها “شوكولاتة” وكانت ستأكلها، أخذتها من يدها وأتلفتها، فلما علم بذلك، ضربني”.

قبل الانفصال بعامين، تفاقمت حالة الزوج وأصبح أكثر عنفا، فتوجه إلى طبيب نفسي، وحصل على تشخيص بأنه يعاني من “وسواس قهري” و”انفصام” بسبب الإدمان، وهو ما يجعله خطرا على كل من يعيش معه.

وتضيف: ظلت حالته تتراجع، وأصبح يضربني ويؤذيني بسبب ومن دون سبب، حتى انه حاول قتلي مرتين، في المرة الأولى هاجمني بسكين، وفي الثانية حاول كسر رقبتي. كان يطردني من المنزل في وقت متأخر من الليل، فأبيت على مدخل المنزل.

في نهاية الأمر، قررت الهرب من المنزل مع أطفالها الأربعة، تملكها الخوف من أن يقتلها زوجها أو أن يلحق الأذى بالأطفالنا. واليوم تنتظر قرار المحكمة للحصول على حريتها وأمانها.

العلاج ممكن

بينت دراسة أجرتها إدارة مكافحة المخدرات، بالتعاون مع وزارة الصحة، ومنظمة الصحة العالمية، عام 2018، وجود نحو 28 ألف مدمن ومدمنة، و89 ألف متعاطٍ في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، بينما تلقى 474 منهم خدمات علاجية من الادمان.

تحدثنا مع مدير وحدة الوقاية من المخدرات ومراكز العلاج في وزارة الصحة ناصر الطريفي، حول مراحل علاج المدمنين.

“المريض يدخل إلى مركز العلاج طوعا، ويقدم العلاج له مجانا، ونبدأ بعرضه أمام لجنة طبية لتقييم حالته، ويمنح فور دخوله إلى المصح “رمزا” لضمان السرية، يقول الطريفي.

ويضيف: تجرى فحوصات لمعرفة جميع أنواع المخدرات التي تعاطاها المدمن، ويكون العلاج داخل المركز على مرحلتين: الاولى إزالة السميّة، والثانية التأهيل النفسي والاجتماعي والوظيفي.

ويشير إلى أن المدمن يخضع خلال فترة العلاج لمتابعة يومية من قبل اخصائيين نفسيين واجتماعيين واطباء مختصين، ويتم التعامل معه حسب نوع المخدر او العقار الذي ادمن عليه، وترتبط مدة العلاج بنوع المخدرات، التي لا تقل عن شهرين، وبعدها تتم المتابعة مع عائلته.

ويتابع: في حالات معينة، يتم تحويل متهمين بالتعاطي لأول مرة، من القضاء بعد طلب المدمن تحويله للعلاج، وهؤلاء يتم تقييم حالتهم، اذا ما كانوا سيعالجون أم أنها محاولة منهم للتهرب من تنفيذ عقوبة السجن.

ويوضح الطريفي أن المخدرات التي تحتوي على مواد كيميائية هي الاكثر تداولا والاخطر تأثيرا وتسبب اضطرابات نفسية.

ويقول إن الادمان لا يرتبط بفئة عمرية محددة أو طبقة اجتماعية بحد ذاتها، إلا ان اختيار نوع المادة المخدرة مرتبط بالحالة المادية للمدمن.

ويؤكد أن الوصمة الاجتماعية التي تلاحق المدمنين، هي من أكثر الأسباب التي تحول دون توجههم للعلاج.

الإدمان والجريمة

يقول الطريفي: غالبا ما يرتبط الادمان بالعنف والجريمة، فالمدمن يمكن أن يفعل أي شيء للحصول على المواد التي يتعاطاها او المال لتأمين الحصول على هذه المواد.

ويضيف: تعاملنا مع جريمة مركبة، زوجان إضافة إلى ابنتيهما (16 عاما)، كانوا مدمنين على “الحقن”، وهي من أشد أنواع الإدمان، للأسف استغل الزوج ابنته في تجارة الجنس كمصدر للدخل لتأمين المال لشراء المخدرات، كذلك عملت زوجته في “التسول” لذات الغرض.

ويشير إلى أن تعاطيهم هذا النوع من المخدرات ادى إلى إصابتهم بفيروس الكبد الوبائي.

قيود على المسكنات الخطرة

للإدمان أشكال أخرى، ليس فقط الناجم عن تعاطي المخدرات العشبية أو الكيميائية، فهناك ادمان ناتج عن تعاطي عقاقير طبية “مسكنات”.

يقول الطريفي: هناك سوء استخدام للمسكنات الخطرة يتسبب بالإدمان، فهي وجدت لتكون مسكنا قويا لحالات مرضية محددة ولمدة معينة.

وللحد من هذه المشكلة، اتفقنا مع مديرة الصحة النفسية في الوزارة سماح جبر على إصدار تعميم حول تغيير نوع المسكن للمريض بعد شهر من استخدامه، وقيدنا صرف هذه المسكنات بـ”روشيتة” دوائية مروسة من نقابة الاطباء تحمل اسم الطبيب ورقم هويته، واسم المريض ورقم هويته، والمرض، وتبقى نسخة منها لدى الطبيب، وأخرى تسلم للصيدلي، الذي يسلمها بدوره للرقابة الدوائية، وفي حال ثبوت اي مخالفات، تقرر لجان تأديبية العقوبات على الصيدلي الذي يقوم بأي تجاوز، يضيف الطريفي.

وينبه مدير وحدة الوقاية من المخدرات ومراكز العلاج في وزارة الصحة، إلى وجود عقاقير ومسكنات خطرة، مصدرها السوق الاسرائيلية.

افتتحت وزارة الصحة عام 2013 وحدة الوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية بسبب اكتشاف اعداد كبيرة من المتعاطين، وفي العام 2014، أنشِئ اول مركز علاج بدائل في رام الله، وفي عام 2019 أنشِئ المركز الوطني الفلسطيني للتأهيل في بيت لحم لعلاج المدمنين على المخدرات والكحول بمنامات، بتمويل من حكومة كوريا الجنوبية ووكالة “كويكا”، وهو المركز الحكومي الوحيد في علاج المدمنين على المخدرات والكحول بسعة 56 سريرا، خصص 20 منها للسيدات.

منذ أغسطس 2021، استأنف المركز الوطني الفلسطيني للتأهيل، استقبال المرضى، بعد انتهاء تخصيصه كمركز لعلاج مرضى كورونا، ويقدم في عياداته الخارجية خدمات إزالة السمية والتأهيل النفسي والمتابعة الطبية، وبرنامج العلاج بالبدائل، والتثقيف الصحي والإرشاد النفسي، إضافة إلى متابعة الحالات بعد خروجها من المركز.

ظلمت عائلتي وبدلا من أن أبني مستقبلي هدمته

وفي الطرف الآخر من القصة، وتحديدا في مركز الاصلاح والتأهيل في محافظة جنين، قابلنا المدان (م.ق) (32 عاما) بزراعة المخدرات والمحكوم بالسجن خمس سنوات قضى ما يقارب الأربع منها.

“أنا لست مظلوما، لكن ظلمت زوجتي وبناتي وأهل بيتي، هدمت مستقبلي بدلا من أن أبنيه، خيبت أمل عائلتي”. يقول (م.ق).

ويضيف: زارني والدي في مركز التأهيل، وقال لي “كسرتني يابا”، عندها علمت ما الذي فعلته بنفسي وعائلتي، وعاهدته ألا اعود إلى المخدرات لأنني بت أعلم أن آخرها هلاك، سأعمل بأجر 20 شيقلا ولن أعود لها، بناتي وزوجتي أفضل من مال الدنيا”.

وعن بداية تورطه في عالم المخدرات، يقول (م.ق)، “في أحد الأيام قال لي صاحب الدكان في قريتي اخبر والدك ألا يعود للشراء من عندي بـالدين “الدفتر امتلأ”، كانت أوضاعنا المادية صعبة وحالته الصحية حالت دون تمكنه من سداد التزاماته المالية”.

وتابع: بعد هذه الحادثة، ولأنني الابن البكر في العائلة، قررت التوجه للعمل في اراضي 48 لتحسين أوضاعنا المادية، وفعلا عملت في عدة مجالات وكان دخلي الشهري ما يقارب عشرة آلاف شيقل، استمر هذا الحال نحو تسع سنوات، تعالجت من “الفلات فوت”، علّمت اخوتي وتخرج اثنان منهما من الجامعة، وتمكنت في الفترة ذاتها من بناء منزلي الخاص، “الحمد لله مش من المخدرات”.

“بقيت على هذا الحال، وأصبحت أوضاعنا المالية جيدة، حتى ألقت الشرطة الإسرائيلية القبض علي، بتهمة تزوير “بطاقتي الشخصية”، وحكم علي بالسجن 15 شهرا، وهناك تعرفت على سجناء جنائيين، وبعد خروجي من السجن عام 2011، تواصلت مع أحد هؤلاء من أراضي الـ48، وكان يعمل في زراعة المخدرات، وطلبت منه المساعدة بإيجاد عمل لي في مجال “دهان المنازل”، واقترح أن أعمل معه في زراعة المخدرات، التي ستدر علينا أموالا طائلة، رفضت في البداية، وأكملت عملي بالدهان لشهرين، ومع الوقت ضاقت بنا الحال، فقررت العمل معه في زراعة المخدرات”، يروي المدان (م.ق).

ويضيف: “استأجرت شقة في إحدى البلدات خلف جدار الفصل العنصري، وبدأت بتجهيز مشتل بمساحة 16 مترا مربعا، وأوصلت له الماء والكهرباء، وزودني صديقي بأشتال “القنب الهندي”، واستفدت من خبرته في هذا المجال”.

ويقول: “بلغت تكلفة المشتل من 20 الى 30 ألف شيقل، وكان متوقعا أن ينتج ما يقارب 10 كيلوغرامات من هذه المادة المخدرة”.

ويضيف: بعد ثلاثة أشهر ونصف من زراعة “القنب الهندي”، وقبل اسبوعين من موعد حصاد الانتاج، تم العثور على المشتل، فتوجهت قوة من الأجهزة الأمنية إلى منزلي لاعتقالي، لكنني لم اكن هناك، وعندها اتصل بي والدي، وقال لي: “ما تروح عالبيت روح عالشرطة”.

ويتابع (م.ق): “سلمت نفسي وسجنت لمدة 36 يوما، وبعدها افرج عني واستمرت محاكمتي ثلاث سنوات من العام 2015-2018، لم اتغيب لمرة واحدة عن جلسات المحاكمة، إلى أن تم تثبيت حكمي والبالغ خمس سنوات”.

إلى جانب شعوره بالندم لخذلان والده وعائلته، يشير (م.ق) إلى أنه تعلم الكتابة والقراءة في مركز الاصلاح والتأهيل، وحصل على شهادة محو امية ويدرس الآن “موازي”، وشارك في عدة نشاطات ينظمها المركز.

وحيد في السجن مرفوض من عائلته

في السجن او مركز الاصلاح كما يفضلون تسميته، قابلنا أيضا المدان (م.س) 30 عاما، بالترويج للمخدرات، والمحكوم بسبع سنوات، قضى منها أربعا.

يقول عن تجربته: منذ إدانتي لم أر ابنتي، بعد أن قررت زوجتي الانفصال عني، والتنازل عن حضانة ابنتنا، لتصبح في حضانة والدي المريض، كما ترفض عائلته زيارته.

في الضفة توجد سبعة مراكز إصلاح وتأهيل، أحدها يقع في محافظة جنين، ويضم 150 نزيلا بينهم 5 نزيلات، وغالبيتهم محكومون في قضايا مالية وسرقة وقتل.

تحدد اقامة النزيل في المركز الاقرب لمكان سكنه، وتقدم هذه المراكز عدة برامج منها الدينية والتعليمية (محو أمية وتعليم موازٍ)، ودورات في الرسم على الزجاج والحلاقة والتصوير وغزل النسيج، إضافة إلى برامج علاجية للمدمنين تشمل العلاج النفسي.

محاولات اسرائيلية لتحويل الضفة الى “مستنبت”

عام 2017، ضُبط 70 مشتلا لزراعة المخدرات باستخدام تكنولوجيا عالية، وفي عام 2019 سجلت 13 قضية زراعة مخدرات وأدين 43 مزارعا، وعام 2020 سجلت 10 قضايا زراعة وادين 45 مزارعا، وبحسب التقرير نصف السنوي للعام 2021، سجلت إدارة مكافحة المخدرات 1280 قضية مخدرات، ادين فيها 43 مزارعا.

الاحتلال الإسرائيلي عامل مشترك في كل قصص عالم المخدرات، فمناطق الاحتكاك غير آمنة، ولا تخضع للسيطرة الفلسطينية، ما يجعلها بوابة عبور لبضائع التجار الإسرائيليين (المخدرات)، ومكانا لإسقاط الشباب الفلسطيني في مستنقع هذه الآفة.

مدير ادارة مكافحة المخدرات في الشرطة العميد عبد الله عليوي، يقول: “إسرائيل باشرت بحملة ضد المستنبتات والمروجين وتجار المخدرات عام 2013، تزامن ذلك مع اكتشافنا لأول مستنبت للمخدرات بتكنولوجيا عالية في منطقة شمال الضفة، وهو ما اكد المؤشرات والمعلومات الواردة لإدارة المكافحة بأن هناك ترحيلا لجريمة المخدرات من أراضي الـ48 الى الضفة الغربية”.

ويعلل العميد عليوي ذلك، لاختلاف الاطار القانوي الناظم بين فلسطين واسرائيل، وضياع الادلة، والاشتراك الذي يترتب عليه، وتوزيع معالم الجريمة بين الحاضن في الضفة الغربية والوسيط والمروج ممن يحملون الهوية الزرقاء، والممول “المافيا الاسرائيلية”.

ويضيف: الحاضن الفلسطيني الذي يقوم بزراعة المواد المخدرة مقابل مبلغ زهيد من المال، هو من يتحمل المسؤولية الجنائية، وذلك لعدم وجود تعاون حقيقي مع الجانب الاسرائيلي.

“المخدرات، من الملفات الساخنة، وطريقة التعاطي معها معقدة إلى حد ما، كون التجار والمروجين والناقلين والمخزنين للمواد المخدرة يتركزون في القدس وضواحيها، والمناطق المصنفة (H1، وH2) في الخليل، بسبب سيطرة الاحتلال، وعدم تمكن السلطة الوطنية من ممارسة دورها، خاصة الاجهزة الامنية في ملاحقة هؤلاء، وبالتالي تشعر بأن الاحتلال يلعب دورا في تسهيل بيع وترويج المخدرات”، يقول العميد عليوي.

ويضيف: “إلى جانب ما ذكر، هناك تجار مخدرات لهم تاريخ أمني مخزٍ (التخابر مع الاحتلال)، يلجأون إلى المناطق المحاذية للمستوطنات والجدار، وبعضهم يعيشون داخل اسرائيل ويحملون الهوية الفلسطينية، ويستخدمون قضية المخدرات لإسقاط بعض الشبان، بعد توريطهم بتعاطي المخدرات”.

وحذر من توجه بعض دول العالم نحو تقنين بعض أنواع المخدرات، خاصة في إسرائيل التي سمحت باستخدام “المارغوانا”، و”الحشيش”، بنسب معينة، ما يضعنا امام تحد جديد لضبط الحالات والارقام، التي في تزايد، وذلك كون “الحشيش” وغيره من المخدرات العشبية، هو مدخل لاستقطاب المتعاطين لاستخدام مواد مخدرة كيمائية.

انخفاض أعمار المتعاطين في السنوات الأخيرة من 20 إلى 18 عاما

وعن طبيعة عمل الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، يقول العميد عليوي: الادارة المختصة بمكافحة جريمة المخدرات، هي من الادارات المعلوماتية والاستخباراتية التي تقوم على جمع المعلومات وتحليلها وفق آليات محددة، بموجب القانون رقم 18 لعام 2015، وتحكمها مجموعة اجراءات لوضع الخطط الميدانية وتنفيذها لملاحقة التجار والمروجين والناقلين والمخزنين للمواد المخدرة.

ويضيف: هناك شركاء من المؤسسة الأمنية والمفتشين من وزارة الصحة ومأموري الضبط القضائي، يعملون وفقا لمعايير محددة، لإحالة ملف قضية المخدرات بعد انتهاء العمل الشرطي، إلى النيابة العامة التي تمثل الحق العام، ثم الى المحكمة لاتخاذ اجراء قانوني في كل قضية على حدة.

وحول سؤاله عن ابرز انواع المخدرات، التي ضبطت خلال السنوات الخمس الاخيرة، يوضح العميد عليوي: “القنب المصنع”، وهي مادة عشبية تضاف اليها مواد كيميائية مخدرة من غاز ومبيدات حشرية ذات تأثير سمي وتسبب الادمان، وتحمل أسماء تجارية كـ(سبايس، جوكر، مستر نايس، نايس غاي)، وتؤثر على الحالة النفسية للمتعاطين وتسبب حالات من الهلوسة الحادة وفقدان السيطرة التي تؤدي إلى أن يؤذي المتعاطي نفسه او الاخرين.

(المارغوانا)، التي تحتوي على مادةTSL ، وأدت التكنولوجيا الزراعية الى مضاعفتها في الاسواق العالمية، وهي ما تسمى “المارغوانا المحسنة”، او القنب المهجن، وتختلف في درجات تأثيرها بحسب مادة TLC المرتبطة بالفعالية في المارغوانا.

ويشير إلى أن التصنيع المتوسط لمادة الحشيش التي تستخدم بكثرة، وحبوب “الاكستازي” و”الكبتاجون” المنتشرة في العالم العربي تأتي في المرتبة الثانية، والهيروين والوكاكيين في المراتب المتأخرة، والتي يترتب عليها تأثير من اول جرعة، وتتطلب معالجة اكلينيكية سريرية.

وعن الفئة العمرية الاكثر اقبالا على تعاطي المخدرات، يقول العميد عليوي: في السنوات الاخيرة لاحظنا انخفاضا في الاعمار من 20 الى 18 عاما، كما أن هناك بعض الاحداث دون 18 عاما (حسب القانون الفلسطيني) يتعاطون المخدرات، وغالبا ما يكون ذلك بسبب تعاطي أحد الوالدين.

وحول تعامل ادارة المكافحة مع المتعاطين، يقول: إن المتعاطين مرضى بحاجة لعلاج، وفي حال رغبتهم في العلاج هم او ذويهم، لا نذهب باتجاه الملاحقة الجزائية، ونعمل معهم على فلسفة الاستجابة، ومن خلال الاتصال على رقم 100 سجلت العام الماضي 65 حالة استجابة، وفي العام الجاري سجل اكثر من 80 حالة استجابة في هذا الاطر، وهناك اتصالات تردنا ونتعامل فيها من منطلق السرية لضمان توجه المتعاطين لمراكز العلاج.

وبحسب المادة 17 من القرار بقانون رقم 18 من العام 2015، لا تقام دعوى الحق العام بحق المتعاطين لأول مرة، ما يعني عدم الملاحقة الجزائية لهم، ويعد ملف كامل في عملية الضبط واخذ الافادات، بالتنسيق مع النيابة، لكن لا نضمن عدم اتخاذ اجراءات جزائية بحقه، يوضح العميد عليوي.

ويضيف: بهذا نعزز فرص الضبط الاجتماعي ونضع الاهالي وذوي المتعاطي امام مسؤولياتهم لتعزيز دور الرقابة الاسرية، وفي حال التكرار، يحال الملف الاول والثاني للنيابة ويتخذ الاجراء القانوني بحقه.

وعن العقوبة الجزائية للمتعاطين، يقول: بحسب المادة 17 من القرار بقانون رقم 18 من العام 2015، فإن عقوبة المتعاطين لا تتجاوز السنة ولا تقل عن 6 أشهر، ولا تزيد الغرامة المالية عن 5 الاف دينار، وتقل في بعض القضايا عن 3 أشهر حسب توصية النيابة.

وحسب البيانات التي جمعتها ادارة المكافحة، فإن العوامل التي تسببت في تعاطي المدمنين للمخدرات كانت: عوامل اجتماعية داخل اطار الاسرة وتحديدا في الاسر التي يتعاطى احد الوالدين او التي تعاني من تفكك أسري، وعوامل نفسية، وأخرى اقتصادية، وهناك من يتعاطاها من منطلق “الحرية الشخصية”.

قرار بقانون يغلظ عقوبة الاتجار بالمخدرات

أصدر الرئيس محمود عباس، قرارا بقانون رقم (29) لسنة 2020 بتعديل قانون رقم (18) لسنة 2015، بشأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية وتعديلاته، لذا شهدت الأعوام الاخيرة احكاما عالية بحق التجار والمروجين كان أقلها 10-15 عاما، وتحمل طابع الاشغال الشاقة المؤبدة، أو الاشغال المؤقتة مع غرامات مالية عالية جدا.

أرقام حول المخدرات

وحسب الاحصائية السنوية العامة لإدارة مكافحة المخدرات عام 2019، فإن عدد قضايا ضبط المخدرات هو 1993 قضية، بينها 13 زراعة ومستنبتات، فيما بلغ عدد المضبوطين 2372، بينهم 244 تاجرا، و64 مروجا، و43 زراعة، و2021 متعاطيا، بينهم 2339 ذكرا، و33 انثى، منهم 67 دون سن 18 عاما.

وفي عام 2020، سجلت 1879 قضية ضبط، بينها 10 قضايا زراعة ومستنبتات، وبلغ عدد المضبوطين 2259، بينهم 217 تاجرا، و64 مروجا، و45 زراعة، و1933 متعاطيا، بينهم 2230 ذكرا، و29 انثى، منهم 56 دون سن 18 عاما.

وبسبب جائحة “كورونا”، انخفضت اعداد القضايا المضبوطة وكميات المواد المخدرة مقارنة بالأعوام السابقة، ولجأ بعض المتعاطين الى زراعة القنب داخل منازلهم من أجل التعاطي، والى استبدال بعض المواد المخدرة بأنواع اخرى مثل استبدال المارغوانا بالقنب المصنع، بحسب التقرير.

ومنذ بداية العام الجاري وحتى الرابع من شهر كانون الاول/ ديسمبر، بلغ عدد القضايا المضبوطة 2279، وعدد المضبوطين 2596، بينهم 2557 ذكرا، و39 أنثى.

هذا التقرير ضمن سلسلة تقارير خاصة تنشرها وكالة الانباء والمعلومات الفلسطينية “وفا”، بالتعاون من النيابة العامة والشرطة.

وفا- أسيل الأخرس

 

شاهد أيضاً

عائلة صالحية في الشيخ جراح.. النكبة الثانية

حولت جرافات الاحتلال الإسرائيلي، منزلي عائلة صالحية في الشيخ جراح بالقدس المحتلة بطرفة عين إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 − 6 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا