نموذج جديد من المقاومة

بقلم: عمر حلمي الغول

لا أغالي، ولا أداهن، ولا أضخم صورة شعبي، إنما أحاول بموضوعية شديدة أن أعكس بعض ملامح الشعب، التي تعكسها قسوة وشظف العيش، وحجم الجرائم التي يتعرض لها منذ قرن مضى، وثقل ووحشية الهجوم الصهيوأميركي عليه، الموازي لمستوى الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة ودول الغرب الرأسمالي لدولة مارقة وخارجة على القانون، دولة النبت الشيطاني الإسرائيلية، التي لا جذور لها في الأرض، ولن يكون لها جذور مستقبلا. نعم الشعب الفلسطيني ولاّد، ومنتج، ومعطاء، ومبدع، ومضحٍ ومقدام ومقاوم من طراز رفيع. لا يتوقف يوما عن العطاء، رغم كل ما يحيطه من إحباط، وبؤس وانهيارات من كل جانب، وتآكل داخلي نتاج الانقلاب والانقسام، وارتهان بعض القوى لأجندات إقليمية ودولية، وغيرها المرتبطة بالأزمات العضوية التي تنهش الجسد الفلسطيني على أكثر من مستوى وصعيد.

هذا الشعب العظيم كل يوم ينتج شكلا من أشكال المقاومة، ويؤكد للقاصي والداني بإرادته وتصميمه على الدفاع عن ذاته وحقوقه الوطنية أنه قادر على الحد من تغول دولة الإرهاب المنظم الصهيونية، ووقف هجومها الوحشي لبعض الوقت، والتصدي لسياسة التطهير العرقي بالقدر الممكن، والكفيل بتعظيم وتعميق وتوسيع أشكال المقاومة الشعبية، التي تضاهي كل جبروت وغطرسة دولة الاستعمار الإسرائيلية وأسلحتها التقليدية والنووية.

وإذا توقفنا أمام تجربة عائلة صالحية في حي الشيخ جراح، أمس الأول الإثنين، نجد أن العائلة البطلة شقت طريقا ونموذجا جديدا وإبداعيا في مواجهة حملة التطهير العرقي الإسرائيلية، التي استهدفت بيوتهم ومحالهم، التي لجأوا إليها بعد نكبة العام 1948 عندما هجروا من قريتهم عين كارم، ودافعوا عبر بوابة القضاء الإسرائيلي الاستعماري على مدار 23 عاما عن مساكنها، والحؤول دون هدمها، وحمت أبناءها الـ17 من التشرد والنكبة مجددا، ورفضت إخلاء بيوتها، وقام محمود صالحية وأبناء عائلته بالتحصن والمرابطة فوق بيوتهم، وأحضروا غالونات البنزين والكاز، ووضعوا أسطوانات الغاز في أرجاء العقار، وهددوا بتفجير أنفسهم والمنازل في حال أصرت وأقدمت قوات الجيش وحرس الحدود والشرطة والأجهزة الأمنية المختلفة على وضع شفرة الكباشات الصهيونية في أي جدار للمبنى. رغم أن قوات عسكرية من مختلف الأجهزة مجوقلة قامت بتطويق المكان منذ ساعات الصباح الأولى لتنفيذ العملية الإجرامية الجديدة، ورافقتهم عصابات البلدية الصهيونية للسيطرة على العقار، الذي تبلغ مساحته ستة دونمات، بذريعة تحويله لـ “المنفعة العامة”، الذريعة الواهية والمفضوحة. لا سيما وأن عقار عائلة صالحية لا يبعد كثيرا عن فندق شيبرد، الذي هدم عام 2011، وبنيت على أنقاضه 28 وحدة استعمارية، ويتم العمل هذه الأيام على توسيع عدد الوحدات الاستيطانية في المنطقة. بالإضافة لمخطط جمعية “عطيرت كوهنيم” الاستعمارية، التي حولت قصر المفتي البالغة مساحته 500 متر إلى كنيس، كما تعمل حاليا على تهويد أرض “كرم المفتي” ومساحتها 25 دونما إلى حديقة عامة. وذات الأسلوب الاستعماري المفضوح، الذي تتبعه الدولة الاستعمارية في النقب لتهجير وتشريد أبناء قرى السياج الفلسطينيين من أراضيهم بذريعة “تشجير” و”غرس” الأرض.

لكن عائلة صالحية المتواجدة في مكان العقار المهدد، والذي يتألف من منزلين ومنشأة تجارية وقطعة أرض تستفيد منها 22 عائلة فلسطينية تعلمت الدرس، وانكوت بمرارة التشريد، وشاهدت بأم أعينها ماذا جرى ويجري للعائلات، التي تمت السيطرة على عقاراتها، أو التي هدمت منازلها، أو أجبرت على هدم بيوتها في القدس العاصمة أو غيرها من مآسٍ ونكبات متجددة.

وتعميقا لروح التكافل والتضامن توافدت للمكان منذ الصباح الباكر رغم البرد القارس والشديد أعداد كبيرة من أبناء القدس للتضامن مع عائلة صالحية، وشدت من أزرهم في مواجهة التغول الإجرامي، وعززت من صمودهم البطولي، ما أرغم القوات الصهيونية على الرضوخ والإذعان لإرادة عائلة محمود صالحية ومغادرة المكان بعد عشر ساعات طويلة. لكن على العائلة البطلة، وكل عائلات الشيخ جراح أن تتذكر، أن أجهزة الأمن الصهيونية لن تسلم بالأمر الواقع. لذا يجب الاحتياط، والانتباه من إمكانية العودة المفاجئة لهم في ساحات الفجر ودون إنذار مسبق لارتكاب جريمة الهدم وهم نيام على الأقل للمشتل والمحال التجارية.

بالنتيجة الواقعية الملموسة، نحن أمام تجربة ونموذج مقاومة شعبية جديدة مثلتها عائلة صالحية، وشكلت إضافة نوعية لأشكال المقاومة الشعبية يفترض أن تستفيد منه العائلات المقدسية عموما وفي الشيخ جراح خصوصا، وكل عائلة مهددة بهدم بيتها لردع دولة الإرهاب المنظم الإسرائيلية، وتطوير هذا الشكل بما يفاجئ أجهزة الموت الإسرائيلية ويربكها، ويحول دون تنفيذ مخططها الإجرامي. فضلا عن التدخل الأممي لحماية أبناء الشعب الفلسطيني من الإرهاب الصهيوني.

oalghoul@gmail.com

شاهد أيضاً

نظام الهدايا رقم (10) لسنة 2019

بقلم: لؤي أبو سمارة* انطلاقاً من دور هيئة مكافحة الفساد في تعزيز الشفافية والنزاهة وتوعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثمانية عشر + 17 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!