حتى في زمن الإحباط يوجد نهوض وطني

كتب: فادي أبوبكر

تعمل المنظومة الإسرائيلية الاحتلالية جاهدةً باستخدام أدواتها المحلية والإقليمية والدولية على العبث ببيئة العمل الوطني وإبقاءه في إطار مرحلة الاستهلاك والهلاك والإغاثة، وذلك بهدف القضاء على المشروع الوطني الفلسطيني.ومن هنا فإن ضبط إيقاع العمل الوطني الفلسطيني يجب أن يقوم على وضع خطة متكاملة استشرافية، تقوم على تأمين البيئة الآمنة للعمل الوطني، والتمكين المادي والمعنوي للعقول الوطنية، إذ أن المسؤولية لحماية المشروع الوطني تقع على عاتق كل فرد يحاول أن يكون وطنياً فلسطينياً.

وإن كان الاحتلال الإسرائيلي يراهن على أن الفلسطينيون يُحبطون في زمن الإحباط وينتعشون في زمن الإنتعاش، ويحاول أن يُلغي أي بوادر إنتعاش وطنية أو قومية عروبية، فإن التاريخ يقول (حتى في زمن الإحباط يوجد نهوض وطني)، وشواهد ذلك عديدة، من انتصار معركة الكرامة والولادة الفلسطينية الثانية لمنظمة التحرير، إلى انتفاضة عام 1987 التي قامت من دون قيادة أو قرار قيادي، وانفجرت في وجه الاحتلال بفعل ما جرى من أحداث آنذاك.

نعم نحن في زمن الإحباط، حيث تتصاعد الإجراءات الإسرائيلية في معظم المواضيع، خاصة الرئيسية منها، فتهويد القدس وتوسيعها يجريان على قدمٍ وساق، والاستيطان يزيد ويطّرد – بعد أن كانت “إسرائيل” تجري حسابات كثيرة قبل التجرؤ على بناء مستوطنة- بل أن معدل الهجمات العنيفة من قبل المستوطنين وتصدير الاحتلال للإرهاب آخذ في الارتفاع. أما بالنسبة للأسرى فلا يزال المنطق الإسرائيلي هو السائد، ومعتقلات الاحتلال مليئة بالأسيرات والأسرى المعذّبين.

وفي ضوء السلبيات المتحكمة في واقعنا اليوم، فإن شعبنا يسعى لإيجاد آليات نضال جديدة تقوده إلى وضع ينسجم مع طموحاته، وهذا يستوجب من المنظومة الوطنية الفلسطينية الارتقاء بالدور الكفاحي الوطني، وبأدوات النضال الأممي المعادي للاستعمار.ولدى شعبنا الكثير من التجارب التي أثبتت أن قوة “إسرائيل” تكمن في الآليات والتجمعات والتكتيك المستخدم، وخير مثال على ذلك انتفاضة عام 1987 التي كسر فيها شعبنا هيبة الجندي الإسرائيلي بثقافة الإرادة والحجر.

وانطلاقاً من نقاط قوة الشعب الفلسطيني المتمثّلة في ثباته على أرضه، وعدم تسليمه بواقع الاحتلال، وعجز الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة عن فرض مشاريعهما التصفوية عليه، وباعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهي الجبهة التي تضم كل القوى السياسية الفاعلة الأساسية على الساحة الفلسطينية، فإنها والفصائل المنضوية تحت لوائها، يقع على عاتقهم استثمار ذلك، وتوفير البيئة الآمنة للعمل الوطني، من خلال بلورة برنامج إجماع وطني، وفق منهجية جديدة، تعمل على بناء قدرات الشعب الفلسطيني وقواه الحية، وتعظيمها مرحلة بعد أخرى، في استراتيجيات عمل نضالية تراكمية، على طريق تحقيق الهدف الاستراتيجي.

ولن يكون هناك أي بوادر انتعاش قومي عروبي أو إسلامي أو حتى أممي في أي ميدان من الميادين، إلا بوجود نهوض وطني فلسطيني، لان القضية الفلسطينية هي قضية تحرّر من واقع الاحتلال والشتات والتمييز العنصري في آن.. هي قضية قومية تخص كل العرب والمسلمين، وقضية أممية تخص كل من يحارب ويناهض التمييز العنصري، وإن ضياع الشارع العربي والإسلامي وعدم غليانه بحجم الأحداث التي تجري على الساحة الفلسطينية، يعود إلى ضياع الشارع الفلسطيني الذي يعاني من اختلال في المعيار الإجماعي الوطني وتجاذبات وتنافرات كبيرة بفعل الانقسام السياسي الفلسطيني ، وعليه فإنه لا يمكن انتظار حراك شعبي عربي وإسلامي بالمستوى المطلوب، إلا بتعزيز العمل الوطني الفلسطيني ، وحينها يمكن زيادة إمكانات سرعة انتشار العدوى للعواصم العربية والإسلامية وحتى الدولية.

ختاماً، وإن بقي الإحتلال الإسرائيلي وحلفاءه يعملون على مسارات مختلفة في سبيل جعل الروداع الشعبية ضعيفة قدر الإمكان، فإن الطبيعة الإنسانية والمعاناة تختلف في حسابات الشعوب عن حسابات المتآمرين على الحقوق، بمعنى أن النهوض الوطني ممكن في أي زمان ومكان.

كاتب وباحث فلسطيني

fadiabubaker@hotmail.com

شاهد أيضاً

نظام الهدايا رقم (10) لسنة 2019

بقلم: لؤي أبو سمارة* انطلاقاً من دور هيئة مكافحة الفساد في تعزيز الشفافية والنزاهة وتوعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة عشر − 12 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!