كل يوم كتاب: الوطن الممنوع في ذاكرة فاروق القدومي

بقلم: مهند طلال الاخرس

الوطن الممنوع في ذاكرة فاروق القدومي، كتاب ذكريات ومذكرات فاروق القدومي ابو اللطف بقلم الكاتب والمحرر والناقد سليم النجار، والكتاب يقع على متن 242 صفحة من القطع الكبير، وهو من اصدارات هبة ناشرون وموزعون ودار الخليج في عمان الاردن 2019.
الكتاب يتناول سيرة ومسيرة وحياة فاروق القدومي ابو اللطف النضالية والعائلية، من الميلاد والنكبة والتهجير والدراسة والعمل في عدة دول، والانتماء للبعث ثم لاحقا مشاركته في مراحل التأسيس الاولى لحركة فتح وانطلاقة الثورة ودوره في منظمة التحرير وبالذات ترأسه للدائرة السياسية فيها.
والكتاب يجمع بين المذكرات والذكريات بصيغة مختلطة، والكتاب غني وزاخر بالمعلومات المسجلة كشهادة على لسان ابو اللطف، ويعود الفضل بقيمة هذا الكتاب وعلو شأنه؛
الى قيمة وقامة صاحب الذكريات (فاروق القدومي) كونه يشكل احد رموز واركان النضال الوطني الفلسطيني، واطلاعه على كثير من المواقف عن كثب، علاوة على مشاركته في صناعة كثير من الاحداث، اضافة لتوفره على كم هائل من المعلومات، وهذا مرده الى قدرة المحاور والكاتب سليم النجار على استجرار المعلومات بشكل سلس وتمكنه من ناصية الحرف والكلمة بصدق وامانة ومسؤولية، هذا كله اسعف النجار على الغوص في ذاكرة القدومي وان ينتقي منها ما يسمح الزمان بالجود به دون ان يتسبب بخدش لاحد، وعلى ان تعم الفائدة ويكتب التاريخ باحرف اصحابه ما استطاعوا الى ذلك سبيلا.
الكتاب يشكل اضافة نوعية ومهمة في توثيق تاريخ الثورة الفلسطينية بمختلف مساراتها، ولا سيما مسار العمل السياسي والدبلوماسي والذي ترأسه وقاده ابو اللطف ردحا طويلا من الزمن.
وهذا الكتاب بما فيه من شهادات على محطات هامة من مسيرة النضال الفلسطيني، وبما يحتويه من مواقف مع كثير من القيادات والزعماء، وبما يحتويه من معلومات مهمة تشكل اضافة نوعية للمكتبة الفلسطينية؛ فتقديم هذا العمل بهذا الظرف ومن حيث الشكل والمضمون موقف وشهادة تُحسب لابو اللطف القائد والرمز ولسليم النجار محرر ومؤلف هذا الكتاب القيم والنفيس.
هذا الكتاب ما كان ليكون بهذه الحلة لولا الجهد القيم والجبار المبذول من قبل الكاتب والمحاور سليم النجار محرر هذا الكتاب، وهذا الكتاب وبصيغته وتصنيفاته المختلطة وحواراته الواردة على لسان فاروق القدومي ليست الوحيدة والفريدة في هذا المضمار؛ فقد سبقها اعمال وكتب عدة لعدد من قيادات الثورة والنضال الفلسطيني مثل: كتاب ابو داوود من القدس الى ميونخ والذي حرره الكاتب جيل دو جونشيه، وكتاب امنون كابليوك عرفات الذي لا يقهر، وكتاب رشيدة مهران ياسر عرفات الرقم الصعب، وكتاب فلسطيني بلا هوية لصلاح خلف والذي حرره اريك رولو، وكتاب الان هارت عرفات، وغيره الكثير من الكتب والمؤلفات التي جائت بصيغة الحوار واستجرار الذكريات من صاحب السيرة وتسجيل المعلومات ثم اعادة صياغتها وتحريرها وتقديمها بشكل نموذجي، وهذا ما حصل تماما مع النجار في هذا الكتاب، لكن باضافة ميزة اخرى ألا وهي ان قلم النجار كان شاعريا اكثر، وهذا ليس بغريب فالنجار ابن الفكرة الذي انتمى اليها باكرا، فكان من الطبيعي ان يكون اكثر حرصا عليها من غيره، وهذا ما يظهر جليا عبر جل صفحات الكتاب وبشكل اكبر بكثير من المذكورين سابقا في كتبهم وحواراتهم مع اصحاب السيرة المذكورين اعلاه.
عن هذا الكتاب يقول الكاتب:” عندما تبحث في ذاكرته ستحاول ان تتلمس النصح، او البحث عن معلومة ما، لم تنشر بعد، فتخرج براحة البال، وتبعث في نفوس الناس الزهد من الصفقات السياسية، وتمنحهم الامل بالعودة الى فلسطين كل فلسطين، تجدد طاقة الفرح في دواخلهم… وترى من نافذة فاروق القدومي، طيورا تتراءى تحت ضوء القمر في فلسطين، لها اصوات ترانيم وتسابيح وتهاليل، لانك سترى خلالها صورة عميقة الملامح للشخصية الفلسطينية الاصيلة”.
هذا الكتاب بمادته الغنية والزاخرة بالمعلومات والمحطات والمواقف، وبقلم كاتبه متقد الذهن والبصيرة سليم النجار؛ يُحسب له اشتغاله على التدوين والتوثيق لسيرة ومسيرة نضال الشعب الفلسطيني، وسعيه الدؤوب لتسجيل هذا التاريخ وتدوينه حفظا له، وصونا للذاكرة الفلسطينية من العبث والتزوير والتحريف والذي يبدع فيه الرويبضة اصحاب الرؤوس الفارغة والهمة الوضيعة.
هذا الادراك لقيمة التوثيق والتدوين وحفظ الذاكرة من العبث، لا ينفك عن الادراك العام لطبيعة الصراع وبانه بالاساس صراع على المرويات وعلى الذكريات وحيز الذاكرة بشكل خاص، وقد يكون من المفيد هنا الاستدلال بتلك الحكمة القائلة:” إذا أردت أن تلغي شعبا تبدأ بشل ذاكرته التاريخية، ثم تشوه ثقافته وتجعله يتبنى ثقافة أخرى غير ثقافته، ثم تلفق له تاريخا آخر غير تاريخه وتعلمه إياه. عندئذ ينسى هذا الشعب من هو ومن كان وتندثر معالم حضارته وبالتالي ينساه العالم ويصبح مثل الأمم المنقرضة”.
في تسجيل ابو اللطف المتأخر لهذا الشهادة (وان غلبت الدبلوماسية عليها) حرص على حقيقة اكيدة راسخة منذ القدم مفادها : ان الذكريات العدو اللدود للخونة والسفلة والاوباش والادعياء والانتهازيين والمارقين وتجار الاحلام والامال والاوطان، ومن جميل القول الاستدلال على ما سبق بما قاله الزعيم الصيني ماوتسي تونغ للمناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد عندما استقبلها الرئيس الصيني على راس وفد جزائري، سألها خلال الاستقبال عمّا إذا كانت قد دونت مذكراتها؟، ولما أجابت بالنفي، قال لها: أكتبي يا جميلة، اكتبي يا جميلة، لا تستهنيني بدورة الايام وحقائق التاريخ، للتاريخ قوانينه في ادارة الصراع؛ يوما ما سيأتي من ينسب لنفسه فضل تحرير الجزائر ويوجه لك تهمة الخيانة العظمى.

شاهد أيضاً

فلسطين بك تزهو

بقلم: كاتب والباحث بكر ابوبكر يتعرض الكاتب د.سالم سرية في كتابه المعنون: فلسطين بين الصهيونية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

16 + 17 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!