ملاحظات على المبادرة

بقلم: عمر حلمي الغول

المعلم الفلسطيني يستحق كل التقدير والثناء على جهوده وعطائه وإبداعه وتميزه، وكل العلاوات التي يجري الحديث عنها قد لا تفي حقه ومكانته وكفاءته؛ لأن المعلم يشكل أحد اهم ركائز تطور المجتمع، وبمقدار ما يكون لدى مطلق شعب معلم قدير ومبدع، بقدر ما يتمكن هذا الشعب من التطور والرقي ومجاراة دول العالم الأول، ومواجهة التحديات والصعوبات التي تعترضه، والخروج منها بأقل الخسائر، لا بل قد يحولها لإنجازات، ويضاعف من الإنتاج، وتحديد بوصلة النمو والتطور، ووفق معايير علمية يمكنه تحديد أي الحقول الواجب التركيز عليها، والربط العميق بين قوة العمل والسوق والإنتاج. لا سيما وأن المعلم المبدع والمؤهل سيكون قادرا على العطاء المشبع بالثقافة والمعرفة الواسعة وغير التقليدية، ومستعدا لبذل كل الجهود لصقل معارف التلاميذ والطلاب في مراحل التعليم المختلفة، أولا- لأن شرطه المالي والاقتصادي والاجتماعي مناسب؛ ثانيا- كونه لا يعاني من الجوع والفقر والفاقة؛ ثالثا- التأهيل الدوري والمنظم لقدراته المهنية وفق معايير أهم منظومات العلم والمعرفة الحديثة.
وأجزم أن لا أحد لا في الحكومة ولا في الاتحاد العام للمعلمين ولا عند أي جهة ذات صلة بالعملية التربوية يمكن أن يكون ضد تأمين مستلزمات واحتياجات المعلم الفلسطيني. ولكن حتى تطاع اطلب المستطاع وفق الشروط العامة في المجتمع الفلسطيني من زاوية أولا- وجود الاستعمار الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية، وبالتالي معركة التعليم معركة وطنية بامتياز، وتتجاوز شروط العملية التربوية في المجتمعات المستقلة؛ ثانيا- الانعكاس السلبي والخطير لوجود الاستعمار الصهيوني على الاستخدام الأمثل لموارد الوطن، وتأثير ذلك على الناتج المحلي العام للاقتصاد الوطني؛ ثالثا- نشوء وتأسيس السلطة الوطنية عام 1994 بعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو لم يحرر الاقتصاد الفلسطيني من التبعية شبه المطلقة، ومازال برتوكول باريس الاقتصادي يخضع الاقتصاد الوطني المتواضع والضعيف للغلاف الجمركي الإسرائيلي، وأبقاه أسير معادلات ذلك الاقتصاد الكولونيالي؛ رابعا- دعم الدول المانحة على أهمية ما قدمته لم يسهم في تحرير الاقتصاد الوطني، ليس هذا فحسب، بل إن الناظم الأساس لفلسفة المانحين لم يقم بالربط بين الدعم والتحرر الوطني، وفصل بين الدعم المالي واستقلال الاقتصاد الفلسطيني، خامسا- أدارت دولة الاستعمار الإسرائيلية الظهر لكل الاتفاقيات، ورفضتها بالوثائق والقوانين العنصرية وبالسياسات والانتهاكات متعددة الأوجه اليومية وفي مقدمتها جرائم الحرب بهدف تأبيد الاستعمار بأبشع أشكاله على الأرض الفلسطينية؛ سادسا- العجز المتراكم في موازنات الحكومات الفلسطينية المتعاقبة نتاج الاستعمار الإسرائيلي وممارسة قرصنته على أموال المقاصة الفلسطينية.
هذه وغيرها من العوامل حالت دون تمكن الحكومات المتعاقبة من تأمين المتطالبات الأساسية لمختلف مؤسسات ووزارات القطاع العام وفي المقدمة منها التعليم والصحة وحتى الأمن. ومع ذلك حرصت تلك الحكومات بما فيها حكومة الدكتور محمد اشتية على الوفاء بالتزاماتها قدر ما تستطيع، وجدولت على موازناتها اللاحقة التزامات تجاه قطاع المعلمين. وتم إبرام اتفاق مع الاتحاد العام للمعلمين، ولكن فئة من قطاع المعلمين رفضت الالتزام بما تم الاتفاق عليه، وتمردت على الهيئة النقابية الأساسية الممثلة لهم تحت عنوان ما يسمى “الحراك”، الذي هدف للي ذراع الحكومة والاتحاد العام للمعلمين، ما أدى لاستمرار قطاع من المعلمين بالاستقواء بمجموعة “الحراك”، ورفض الالتزام بالعودة لأداء المهمة الوطنية والتربوية كما يليق بفلسطين المحتلة لخمسين يوما حتى الآن، مما هدد ويهدد المسيرة التعليمية بشكل خطير، وهو استهداف واضح لأحد أهم أعمدة الكفاح الوطني التحرري، الذي يحتاج من أصحاب الضمائر الوطنية الحية فيما يسمى “الحراك” وأوساط المعلمين العودة لجادة الصواب، والتراجع عن سياسة كسر العظم غير الإيجابية.
وبناء على ما تقدم، أعتقد أن المبادرة التي تقدمت بها الهيئة المستقلة ومؤسسات المجتمع المدني وأولياء الأمور أمس السبت 14 أيار الحالي، على أهمية خلفياتها الإيجابية، إلا أنها لم تأخذ بعين الاعتبار مجمل الظروف الفلسطينية بعين الاعتبار، وتعاملت مع الواقع وكأننا في دولة مستقلة وكاملة السيادة، أضف إلى أنها وضعت نفسها وصية على المؤسسة النقابية التمثيلية للمعلمين وأقصد الاتحاد العام للمعلمين، وهذا من وجهة نظري لا يستقيم مع روح مبادرة وطنية لإنقاذ العملية التربوية، لا بل إنها عمقت الأزمة، وأضافت جوانب جديدة، وحتى اللجنة التي اقترحتها، فصلتها على مقاس ما يسمى “الحراك” ومن لف لفهم، وفي ذات الوقت تريد من الحكومة والاتحاد العام للمعلمين الرد على المبادرة التي تعاني من نواقص واضحة وجلية. ومع ذلك أنصح الحكومة والاتحاد العام الرد على المبادرة، والأخذ بالجوانب الإيجابية، وكشف جوانب الخلل في النقاط غير المقبولة، والعمل بأسرع وقت ممكن لإنهاء أزمة العملية التربوية، وملاحقة كل الذين أخلوا وأساءوا للعملية التعليمية من حيث يدرون أو لا يدرون.
oalghoul@gmail.com

شاهد أيضاً

حق أعمى أبكم أصم!

بقلم: سعدات بهجت عمر أين المسلمون، وأين العرب، وأين شعبنا الفلسطيني، وأين اليهود؟ أين التتار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × خمسة =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!