اغتيال شيرين أبو عاقلة

بقلم: عمرو الشوبكي

اتهمت المصادر المحايدة قوات الاحتلال الإسرائيلي بقتل الصحافية الفلسطينية ومراسلة قناة الجزيرة في القدس شيرين أبو عاقلة، وحتى التقرير الأولي للجيش الإسرائيلي افترض أن جندياً إسرائيلياً أطلق عليها النار، وهي الفرضية التي رجحتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وإن قالت إنه تم بطريق الخطأ.
ورغم أنها كانت ترتدى خوذة وسترة واقية مكتوباً عليها «صحافة»، اعتبر البعض أن اغتيالها لم يكن مقصوداً.
والحقيقة أن قيمة أبو عاقلة ليس في أنها صحافية فلسطينية ولا أنها تعمل في قناة تلفزيونية يشاهدها ملايين الناس، إنما لأنها كانت نموذجاً للمهنية والالتزام الأخلاقي والضميري لا يعرفه بعض الصحافيين والمراسلين.
لقد كان يمكن أن تكتفي بالرسائل الثورية وتهتف بخطب تدين الاحتلال وجرائمه وهي جالسة في مقعدها الوثير داخل الاستديو، ولكنها اختارت الطريق الصعب حتى لو كلفها حياتها وهي أن تكون مراسلة «بجد» تنقل الحدث والواقع كما هو، وإن قيامها بذلك دون أي إضافات أو هتافات من أي نوع يكفي لتكون أكبر داعم للقضية الفلسطينية.
ولذا لم يكن غريباً أن نجد لشيرين أبو عاقلة عشرات الصور وهي تجلس مع أهالي الشيخ جراح أثناء مقاومتهم محاولات السلطات الإسرائيلية طردهم من بيوتهم، ومثلت تقاريرها رسالة مهنية ملهمة في مواجهة سياسات التمييز العنصري الإسرائيلية، وأدت دون أي صراخ إلى أن تنال تضامن كثير من أحرار العالم.
لقد نقلت شيرين أبو عاقلة العام الماضي انتفاضة العرب في إسرائيل بمهنية واحترافية عالية، ودفعت كثيرين من خلال الصورة والكلمة لأن يربطوا بين الانتفاضة المدنية الفلسطينية والانتفاضات الشعبية والشبابية في كثير من بقاع العالم من أجل العدالة والمساواة ورفض العنصرية، ومنها انتفاضات الأميركيين من أصول إفريقية، حتى لو كانت هذه البلاد لا تعاني من الاحتلال مثلما هو الحال في فلسطين.
لقد مثلت التغطية الإعلامية المهنية لانتفاضة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وبين العرب في إسرائيل متغيراً جديداً في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفتحت الباب أمام تبلور خطاب مدني حقوقي في مواجهة القمع والعنصرية الإسرائيلية، وهو خطاب يتفهمه ويتعاطف معه تيار عالمي واسع، وهو ما فعلته شيرين أبو عاقلة دون أي صريخ أو هتاف، فعرضت معاناة الفلسطينيين اليومية ونقلت الواقع كما هو بالصوت والصورة؛ فأثرت في الجميع.
يكفي مشاهدة شرطة الاحتلال وهي تعتدي على من يشيعون جثمان شيرين أبو عاقلة لمجرد حملهم علم فلسطين، ليتأكد الجميع من حضورها وتأثيرها حتى بعد استشهادها، فرغم أنهم لم يحملوا سلاحاً ولا حجارة، ومع ذلك لم يسلموا من الاعتداء.
لا توجد لحظة سمو إنساني مثل لحظة الموت وتشييع جثمان متوفى، ولكن هذا بالنسبة للمجتمعات الطبيعية السوية وليس الدول التي تحتل أرض الغير.
رحم الله شيرين أبو عاقلة التي رفعت راية فلسطين في حياتها وبعد موتها.

شاهد أيضاً

أزمة الحكم في إسرائيل: الأزمة التي لا حلَّ لها ليست أزمة!

بقلم: عبد المجيد سويلم قد لا يجد المجتمع السياسي في إسرائيل «حلاً» أفضل من هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × 3 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!