أنت مراقب .. زمن ما بعد الوعي

بقلم: ناهض زقوت

أحكي لكم قصة عجيبة غريبة، من زمن ما بعد الوعي، لأن الوعي يعجز عن تفسيرها إلا في حدود أنت مراقب في همساتك، أنفاسك، كتاباتك، أقوالك، خياراتك، مشاعرك، أحلامك، تصوراتك، أفكارك، كل ذلك ليس بالضرورة أن تصرح بل يكفي أن تلمح، تجد نفسك محاصر بكل أمنياتك.

قبل أيام التقيت مع الصديق سليم النفار، وقدم لي كتاب لصديق له لا أعرفه، ثم ارسل المادة عبر الواتس للكتابة عنه، هو كاتب فلسطيني من سوريا يقيم في ألمانيا اسمه محمود أبو حامد.
أنا كل ما فعلته أنني انزلت المادة على الجوال، وفتحت الملف لأقراء ما به، وانكشف أمامي اسم الكاتب، وصورة غلاف الكتاب، كما انكشف أمام الواتس اب، والقابعون خلف الشاشات الكبيرة أنك ستقرأ عن محمود أبو حامد
اليوم الفيس بوك يرسل لي يدعوني إلى طلب صداقة محمود أبو حامد، يعني إذا كان بيهمك نحن نرسل لك صفحته للتواصل.

أنا متأكد أن كل واحد منكم مر بتجربة على قاعدة أنت مراقب. حاول مرة أن تبحث في الفيس بوك عن ماركة قمصان، أو أحذية، بعد أقل من يوم تجد أمامك صفحات تعرض قمصان وأحذية.
افتح اعدادات الفيس بوك تجد نفسك لمن ابديت الاعجاب، ولمن علقت، منذ أن عرفت كيف تستخدم الفيس بوك، وعليها يتم معرفة توجهاتك السياسية والاجتماعية والثقافية. ليس مطلوب منك أن تصرح أنك منتمي لحركة فتح، يكفى أن تعلق على منشورات تخص فتح، ولا تعلق على منشورات تخص حماس، أو تنشر لفتح دون الجهاد أو حماس مثلا، إذن أنت فتح أو مؤيد لها، ويكفى أن تبدي اعجابك بالروايات، ستجد نفسك غارق بأنواع الروايات، فأنت إذن تحب الروايات، هكذا تحدد مشاربك وتوجهاتك.
نحن حقا في عصر ما بعد الوعي، وهذا العصر جاء ما بعد الحداثة، ما بعد الكولنيالية، ما بعد البنيوية، ما بعد …. انهيار الذات وتعريتها أمام التكنولوجيا.

لقد تخلينا عن ذواتنا لصالح التكنولوجيا والاعلام، يتحكمون في عقولنا، ويحركون دروبنا، ويرسمون خطواتنا، ونحن قابعون خلف الشاشات، نتجادل ونتقاتل في عالم افتراضي بالنسبة لنا، وعالم واقعي بالنسبة للآخرين، يرمون الطعم لكي يصطادوا الأسماك، ويعرفون ماذا يعني لهم هذا الموضوع أو ذاك، وكيف يعبرون بتوجهاتهم عن هذا الموضوع أو ذاك،.
إذن نحن مسيرون سواء بإرادتنا أو غصب عن إرادتنا، فلم نعد نملك البديل أو الخيارات عن التكنولوجيا إلا التكنولوجيا، فقد أصبحت جزء من حياتنا، إذا لم تكن كل حياتنا، فمواقع التواصل لم يعد باستطاعتنا التنازل عنها أو التخلي عنها.
وقد يسأل أحدهم عن الحل، أقول: الحل أن تستخدم التكنولوجيا وأقصد مواقع التواصل، وأنت تعلم أنك مراقب!!!.

شاهد أيضاً

أزمة الحكم في إسرائيل: الأزمة التي لا حلَّ لها ليست أزمة!

بقلم: عبد المجيد سويلم قد لا يجد المجتمع السياسي في إسرائيل «حلاً» أفضل من هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 × خمسة =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!