مذكرات انتصار الوزير

بقلم: عمر حلمي الغول

عندما نتحدث عن نماذج المرأة الفلسطينية المناضلة والمعطاءة في التاريخ المعاصر تحتل انتصار الوزير (أم جهاد) مكانة رفيعة ومتقدمة بين رفيقاتها وأخواتها، اللواتي سطرن تجربة رائدة في الكفاح الوطني التحرري، ليس في فلسطين فحسب، وإنما في الوطن العربي وحركة التحرر العالمية. ولعل من طالع تجربتها، التي دونتها في كتابها المعنون بـ “رفقة عمر” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، والذي احتوى على 250 صفحة من القطع الكبير، غير الملاحق والفهرس العام، يكتشف أهمية وجدارة التجربة المتميزة للمناضلة انتصار الوزير، ويدرك حجم الفرق بين ما يعرفه عن القيادية الفتحاوية بشكل عام، وبين ما يطلع عليه في الفصول السبعة، التي احتوتها مذكرات أم جهاد.

إن جمالية السرد، مع صعود ووعورة وتعقيدات طريق الكفاح مع رفيق العمر والشراكة الكفاحية، زوجها الراحل الكبير، وأمير الشهداء خليل الوزير، تأسر القارئ لأكثر من سبب أولا طريقة العرض لمحطات الكفاح بدءا من الطفولة الباكرة في الرملة، وذاكرتها، التي لم تختزن سوى صورة ابن عمها خليل؛ ثانيا حجم المعلومات الغنية والدقيقة عن المحطات الكفاحية من الإرهاصات الأولى مرورا بالمحطات التاريخية جميعها التي عايشتها حتى يوم إصدار المذكرات؛ ثالثا التعريف بالشخصيات الفتحاوية التي لعبت دورا مهما في بناء صرح حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، رائدة النضال الأول، والعمود الفقري للثورة الفلسطينية المعاصرة؛ رابعا عمق الروابط بين المشاعر الوجدانية الإنسانية في المراحل المختلفة من تجربتها النضالية الرائعة، وعلاقتها بالأبعاد الوطنية والقومية، حيث تختلط المشاعر بين العاطفة والمنطق، ورغم كل المرارات والآلام ينتصر العقل في محاكاة كل لحظة من الانعطافات الإيجابية والسلبية؛ خامسا روعة الجمع الخصب والكثيف لدور المرأة الفلسطينية، وأدوارها العظيمة بين النضال، والزواج والإنجاب، والأمومة ومسيرة الكفاح على أكثر من مستوى وصعيد، ومنغصات ومعاناة ولعنات الهجرات المتعاقبة في بلاد العرب، والانعكاسات المتماوجة والمتناقضة والمرهقة للعائلة والأبناء، دون أن تتوقف للحظة تجربة العطاء؛ سادسا فرض حضورها القيادي ليس كونها زوجة القائد خليل الوزير (أبو جهاد)، وإنما لجدارة الانتماء للحركة وللتجربة الكفاحية، ولتمثل دور المرأة الإنسانة الفدائية، والتي وقفت ندا لشركائها الرجال منذ اللحظات الأولى لقراءتها لمجلة “فلسطيننا”، ونقلها للقنابل والأسلحة والمطبعة إلى تمكنها من قيادة حركة فتح في لحظة استثنائية بعد اعتقال قادة الحركة في دمشق، والذي عكس قدرتها وشجاعتها وصلابتها وحكمتها القيادية؛ سابعا دورها الهام والرائد في النهوض بمكانة الجندر في الثورة الفلسطينية المعاصرة، والذي لم يقتصر على تقديم الإسعافات الطبية للفدائيين، ولا تأمين وجبات الطعام في حصار طرابلس، وإنما في بناء المؤسسات النسوية مع رفيقات الكفاح وخاصة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ومؤسسات أسر الشهداء، والإسهام الغني في المنابر العربية والأممية، ثامنا لحظة اغتيال رفيق دربها، وشريك حياتها البطل أبو جهاد، وتراجيدية الموقف وصولا لتشييعه واختيارها النبيه والمسؤول لدفن رفات جسده الطاهر في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك الواقع في جنوب العاصمة السورية دمشق، وتمكنها من انتزاع موقف من القيادة السورية وخاصة الرئيس الراحل حافظ الأسد لتجسير العلاقة السورية مجددا، بعد الافتراق المر، والإفراج عن آلاف من المناضلين الذين اعتقلهم النظام السوري في أعقاب شق الحركة من قبل الراحلين: أبو صالح وأبو خالد وأبو موسى، ومحاولات الانقضاض على القرار الوطني المستقل… إلخ

وهناك الكثير من التفاصيل الغنية والهامة التي تضمنتها مذكرات المناضلة أم جهاد، والتي تحتمل كل معلومة منها مقالا وقراءة موسعة بدلالاتها. ولكن في هذه العجالة، رأيت أولا تسليط الضوء على المذكرات لأهميتها وضرورتها في هذه اللحظة وخاصة للأجيال الجديدة، التي لم تعرف المخاض العسير لانطلاقة حركة فتح، ثانيا لأنني من قراءاتي لعدد من الكتب والدراسات عن تجربة تأسيس وتطور تجربة حركة فتح، وعلى أهميتها، وجدت أن مذكرات انتصار الوزير من أغناها وأهمها وأكثر دقة؛ ثالثا ولإنصاف المناضلة المؤسسة والمؤصلة لمكانة المرأة في حركة فتح في حياتها، ولدورها في تأسيس وتولي مهام قيادية أولى في الحركة والمؤسسات الوطنية العامة ذات الصلة بالمرأة؛ رابعا تكريما لها ولمن ساهم معها في صياغة التجربة الجديرة بالقراءة. وأنصح كل من يرغب الاطلاع على تجربة التأسيس والتطور لحركة فتح أن يقرأ كتاب “رفقة عمر – مذكرات انتصار الوزير (أم جهاد) “. وتقييمي العالي الإيجابية للنص، لا يعني عدم وجود نواقص قد يدونها أبناء الحركة، الذين عايشوا التجربة، أو غيرها من أبناء فصائل منظمة التحرير الفلسطينية أو من النساء اللواتي كان لهن دور وباع طويل في الارتقاء بمكانة دور المرأة الفلسطينية.

oalghoul@gmail.com

شاهد أيضاً

أزمة الحكم في إسرائيل: الأزمة التي لا حلَّ لها ليست أزمة!

بقلم: عبد المجيد سويلم قد لا يجد المجتمع السياسي في إسرائيل «حلاً» أفضل من هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × 4 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!