لفتا.. تاريخ زاخر بذاكرة المكان تقاوم التهويد والانكسار

بقلم: ضياء معلا

تمر على شعبنا صورة الزمن الجميل وعذابات التهجير القسري لأصحاب الأرض والهوية والثوابت والحقوق، للملكية الأبدية للموروث التاريخي والتراثي والحضاري المتجذر، الذي حفظ بذاكرة تقاوم التهويد والنسيان والانكسار، يروي كبار السن حكاية الوجع المتواصل وتفاصيل أحداث عصفت بهم وبأهالي قرى القدس المجاورة لبلدة لفتا المقدسية، تركوا بيوتهم الأصلية أملا بالعودة إليها خلال يومين أو أسبوع وقالوا عبارتهم المشهورة لعائلاتهم (يا أم فلان لا توخذي كل الأغراض، يومين وبنرجع) وطال انتظارهم، نبصر لفتا تنطق بذكريات الماضي، بيوت عتيقة، شيدها أبناؤها، بحجارة أرضها، لنرى جمالها بأصالة أهلها وعراقة صورة رسمها وفنها المعماري القائم والشاهد على الحق الثابت، للمالك الأصلي وللوجود الفلسطيني في قلب مدينة القدس، تمر الأيام مسرعة لنعيش 74 عاما للنكبة واللجوء و55 عاما للنكسة والنزوح، التي استهدفت قلع الأهالي من أراضيهم وممتلكاتهم دون وجه حق، فقدوا مقدراتهم، أملاكهم وأراضيهم وبيوتهم بتفاصيلها الداخلية والخارجية وحقولهم الزراعية ومقتنياتهم ومصادر أرزاقهم، تركوا جمالية الحوش والبستان وحاكورة الدار والحارة والجار وكروم العنب والتين ووادي الصرار والشامي والحرش وراس النادر والطبيب وجبل المشارف، حفظ الأحفاد بعزيمة وإصرار تاريخ أجدادهم بذاكرتهم. تطل من الذاكرة صورة الطلبة ينتظمون في طابور الصباح بزيهم المدرسي ونشيدهم (لفتا اسلمي نحن الفدا….. لفتا انهضي رغم العدا) وكان طلبة المدرسة من أبناء لفتا وقرى بيت إكسا ودير ياسين وعين كارم وقالونيا، لأن مدارس هذه القرى كانت حتى الصف الثالث الأساسي، فكانوا يلتحقون بمدرسة لفتا لإكمال الصف السابع.

أسس أبناء البلدة شركة باصات تحمل رقم 38 خط (لفتا – دير ياسين – القدس) وأكثر الأسهم كانت لدار العاصي وفي عام 1944م، ومن الأهالي من امتلك سيارات نقل (تركات).

بلدة لفتا خمس حمائل وأول من سكنها هم حمائل (الصفران والغبن والعيدة) وكان مختارهم حسين شنك، ثم سكنتها حمائل (مقبل وسعد وكان مختارهم ياسين عقل) واستمرت حقبتهم التاريخية حتى العام 1928م، بعدها أصبح هناك توسع وامتداد جغرافي لسكان البلدة وأصبح لكل حامولة مختار حتى العام 1948م وكان آخرهم محمد عيسى اللفتاوي. بلغ عدد أهالي لفتا في إحصائية عام 1947م (3800 نسمة)، موزعين في 850 بيتا معظمها مزودة بشبكة كهرباء منذ العام 1936م. كانت أفراحهم تستمر أسبوعا، تبدأ الطُلبة وعقد القران وسهرة أو سحجة الرجال وتُردد الأقوال والأهازيج الشعبية “السامر” ويرتدي الرجال القمباز والكبر والعباءة الكشمير والحطة البيضاء نوع بوال أو الصفراء والعقال وبعضهم يحمل عصا الباقورة، وحناء العروس بتجليتها بالشموع المضيئة وزيها ثوب الغباني أو أبو قطبة أو الشقفة أو الملك ونص الملك وكانت ترتديها نساء البلدة، إضافة لثوب القصب والمناجل والنول، إضافة لشملة معقودة من الوسط ومنديل أو طاقية صغير تغطيه خرقة بيضاء تربط على العنق، كان غداء الفرح، مناسف للرجال وجريشة للنساء، يوم الزفة يمتطي العريس صهوة الجواد.

بدأت الهجرة بعد تنفيذ العصابات الصهيونية سلسلة من الأحداث، منها هدم منزل محمود عمر صيام وذلك لبث الخوف والذعر وتفجير محطة للوقود ومصنع لعادل عبد ربه ومجزرة مقهى صالح عيسى بتاريخ 28/12/1947، ثم إطلاق القذائف على الأهالي واستمرت الهجرة حتى شهر آذار عام 1948م. ولكل أسرة مشردة قصة، كتب صالح القاق في مذكراته عن سيرة المناضل الشهيد محمد علي عوض فرحان، أنه كان ينقل سلاح المقاومة من منطقة عقربا- نابلس من مجموعات محمد إعمر النوباني والحاج عبد الرحيم الحاج محمد إلى مجموعات عبد القادر الحسيني بالقدس، واستشهد في العام 1937م وعند استشهاده لم يتعرف والده على جثمانه وذلك خوفا من ردود الفعل والانتقام. وشارك أبناء لفتا في ثورة 1936م وكان قبلها الشهيد عوض معتقلا في سجن عكا المركزي مع مجموعة من زملائه الثوار أبناء البلدة الذين تصدوا لسياسة السلطات البريطانية وأفرج عنهم إبان إضراب 1936م. وقصة أخرى من أرشيف التاريخ الشفوي للأسير المحرر عماد حامد صفران الذي اعتقل عام 1982م في عملية بطولية وأصيب قبل اعتقاله وتعرض للتعذيب وهو مصاب وأمضى 17 عاما في سجون الاحتلال، حيث هدم الاحتلال منزل والده بأريحا ووصل الهدم إلى حافلة (ترك) خاصة بوالده الحاج حامد وهي من نوع دوج، بعد الإفراج عنه قام بتصليح (الترك) وتشغيله وبعدها نظم معرض (أرض بلادي عليها الدار) بجمعية لفتا الخيرية بالبيرة وكانت المفاجأة عام 2013م بوجود (الترك) على مدخل المعرض، مكتوب عليه (راجعلك يا دار بترك أبوي الختيار).

يستهدف الاحتلال الوجود الفلسطيني على أرضه، يسرق الأرض والتراث والعادات والتقاليد ويهدم بيوت المواطنين، بهدف التزوير والتهويد لتغيير المعالم والحقائق التاريخية والرواية الشفوية، عودة اللاجئين وتحرير أسرانا الصامدين قريبة، تحية للمدافعين عن فلسطين، حماة بيت المقدس وأكنافه، ستبقى القدس عاصمتنا الأبدية وتاريخها امتداد لتاريخ البلدات المقدسية وقرى القدس المهجرة.

شاهد أيضاً

أزمة الحكم في إسرائيل: الأزمة التي لا حلَّ لها ليست أزمة!

بقلم: عبد المجيد سويلم قد لا يجد المجتمع السياسي في إسرائيل «حلاً» أفضل من هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

1 × أربعة =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!