حول دور المستهلك في منع رفع الأسعار

بقلم: عقل أبو قرع

مع تواصل دوامة ارتفاع الأسعار وبالأخص للسلع الأساسية، ومع ما يدفعه المستهلك من ثمن لم يعد قادراً على تحمّله، ومع عدم نجاح إجراءات الحكومة حتى الآن في التحكم في الأسواق كما تم التعهد به، وبالأخص في مراقبة الأسعار الاسترشادية ولسلع استهلاكية أساسية، وإحالة المخالفين إلى القضاء، في ظل كل ذلك هناك دعوات للمستهلك بمقاطعة الشراء ولو لفترة محدودة، وبالتالي إلقاء الكرة في ملعب المستهلك، فهو في المحصّلة مَن يتم تحميلُه تبعات ارتفاع الأسعار أو عدم النجاح في الحد من ارتفاعها.
وبدون شك فإن المسؤول عن ارتفاع الأسعار أو عن عدم التعامل معها بالشكل الملائم هي الجهات الرسمية التي من المفترض أن تحدد أسعاراً منطقية أو استرشادية وتراقب الأسواق وتحاسب من يتلاعب بالأسعار، وهذه الجهات من المفترض أن تقوم بدور أكبر مما تقوم به الآن، وبأن تتضافر جهود وطاقات الجهات المختلفة الفاعلة في هذا الصدد، وبأن يتم تطبيق قوانين وإجراءات رادعة، وبأن يرى المستهلك هذه الإجراءات أو على الأقل يلمس ولو بدرجة ما التحكم في الأسعار.
وبدون شك كذلك، فإن هناك دوراً هاماً للمستهلك، والذي وفي فترات ماضية وفي ظل التخبط في موضوع الأسعار، لعب دوراً هاماً في تحديد بوصلة ارتفاع الأسعار، حيث إن إقبال المستهلك على المتاجر الكبيرة ذات الأسعار المنخفضة وبالأخص لسلع أساسية له ولأفراد عائلته، قد أدى الى إبطاء وتيرة ارتفاع الأسعار أو الحد منها، وحتى أن بعض محلات بيع اللحوم والدواجن أضحت على استعداد للمنافسة والبيع بأسعار مراكز التسويق الكبيرة، والعامل الحاسم في ظل ذلك هو تصرف المستهلك، الذي أثبت أن له دوراً هاماً في تحديد سقف الأسعار والحفاظ عليها.
وبالإضافة إلى إقبال المستهلك على مراكز التسويق ذات الأسعار المنخفضة، فالمستهلك يستطيع التحكم بالأسعار من خلال ترشيد الشراء أو الاستهلاك، أي العمل وبشكل مدروس على تقليل الطلب، ففي ظل ارتفاع العرض تنخفض الأسعار، أي أن ابتعاد المستهلك عن التسوق الجشع إن جاز التعبير وبالأخص في بداية مناسبات مثل عيد الأضحى القادم خلال أسابيع، سوف يحد من جشع التاجر أو صاحب المحل في رفع الأسعار، ومثل هكذا تصرفات وممارسات حدثت في الماضي وكان للمستهلك دور هام في ذلك.
وارتفاع الأسعار بحد ذاته يعني الإرهاق المتواصل للمستهلك الفلسطيني، ومن كل جانب وما لذلك من نتائج وانعكاسات قد تكون وخيمة على الكثير من الأفراد والعائلات الفلسطينية، وخاصة حين يكون الارتفاع يشمل سلعاً أساسية لا غنى له عنها، وترتبط بسلع أخرى، وحين ترتفع أسعار بعض المنتجات، من المحتمل ان يبدأ المستهلك الفلسطيني بالإقبال على منتجات أقل سعراً ولكنها أقل جودة أو سلامة، وهذا حدث في الماضي.
وحين الحديث عن ارتفاع الأسعار هذه الأيام، ومهما تحدثنا عن اقتصاد السوق، وعن العرض والطلب، وعن التقلبات الجوية او التغيرات المناخية، وعن الظروف السياسية وعن الحرب في أوكرانيا، وعن التحكم في المعابر والحدود، وما إلى ذلك، من أمور يمكن أن تساهم في ارتفاع الأسعار، إلا انه لا يُعقل ان تضاهي الأسعار عندنا، الأسعار في الكثير من الدول، التي يبلغ دخل الفرد السنوي فيها، أضعاف أضعاف ما عندنا، وهذا يتطلب تغييراً جذرياً وجدياً في سياسة الجهات الرسمية، ويتطلب المراقبة الجدية والمحاسبة الصارمة لجشع بعض التجار، ونحن نعرف ان نسب الفقر والبطالة في بلادنا هي في ازدياد مطّرد.
ورغم صدور قائمة الأسعار الاسترشادية من قبل وزارة الاقتصاد في هذه الفترة او في فترات ماضية، الا أن غياب إشهار الأسعار او إظهارها على السلعة، سواء في حسبة الخضار او في المحلات التجارية، وعدم فعالية حملات التفتيش والرقابة وذلك لعدم كفاية الطواقم او قلة الإمكانيات، وكذلك ضعف ردع القوانين وعدم تطبيق قانون حماية المستهلك الفلسطيني لعام 2005 في هذا الصدد، سوف يبقي الأسعار ترتفع حسب شهية بعض المستهلكين غير المبالين، وحسب مزاج أو مستوى جشع التاجر أو المزارع أو المورد.
ومع الأمل أن تزداد حملات تخفيض الأسعار في مراكز التسوق الكبيرة وبالتالي تحد من ارتفاع الأسعار عند الآخرين، يجب التأكيد على الدور الهام الذي يستطيع أن يلعبه المستهلك في التحكم بالأسعار، وهذه نقطة مهمة لتبيان لماذا ترتفع الأسعار وبشكل كبير في أوقات معينة في السنة، مثلاً قبل الأعياد أو المناسبات، أي أن إقبال المستهلك وبشكل غير عقلاني على الشراء مثلاً، أي الشراء بالجملة أو بشكل غير منطقي، هذا الإقبال يؤدي إلى رفع الأسعار بشكل كبير وغير مبرر وغير مسؤول، وبالتالي يتحمل المستهلك الذي يشتري بهذا الشكل والقادر على ذلك جزءاً من المسؤولية عن ارتفاع الأسعار، وكذلك مسؤولية الثمن الذي يدفعه المستهلك غير القادر على الشراء، ودعنا نرى نتائج حملة عدم الشراء لفترة معينة لكي نحكم على دور المستهلك، وبالتالي البناء على هذا الدور في إجراءات مستقبلية.

شاهد أيضاً

احتكار الإسلاموية ورحابة الاسلام

بقلم: بكر أبوبكر في إطار ندوة هامة قادها الاعلامي المميز نزار الغول ضمن برنامجه “ندوة” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنان × ثلاثة =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!