ثقل ومكانة دول “البريكس”

بقلم: عمر الغول

في ظل حالة الاستقطاب الحاد بين الغرب الرأسمالي برئاسة الويات المتحدة وروسيا الاتحادية، وفرض ست حزم من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية الغربية على بلاد الدب الروسي في أعقاب الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ حوالي أربعة اشهر خلت، عقدت دول البريكس الخمس مؤتمرها في دورته الـ14 يومي الخميس والجمعة الماضيين، برئاسة الرئيس الصيني جين شين عبر تقنية الفيديو، وحضرها رؤساء الدول الأعضاء: بوتين الروسي، وناريندرا الهندي، وجايير بولسونارو البرازيلي، وسيريل رامافوزا الجنوب افريقي.

وتكمن أهمية القمة: أولا، انعقادها دون تخلف أي من أعضائها، وهو ما يؤكد تكافلها وتعاونها فيما بينها، وعمليا رفض سياسة العقوبات الغربية على روسيا الاتحادية؛ ثانيا تأكيد البيان الختامي لها على بناء شراكة عالمية للتنمية في عصر جديد، وهو ما يعني بشكل مباشر، أن الدول الخمس ذات الثقل المركزي في العالم في الحقول المختلفة الديموغرافية والاقتصادية والنقدية والعسكرية، تدعم وتتبنى الموقف الروسي بشكل واضح، خاصة ما أكد عليه الرئيس بوتين مرات عدة بشأن تجاوز العالم مرحلة القطب الواحد، الذي ولى إلى غير رجعة، ولم يعد قائما، وهذا ما تعكسه الحقائق على الأرض التي تشير بوضوح إلى أن عالم اليوم، هو عالم الأقطاب المتعددة، وعلى الولايات المتحدة قبول الواقع والتعامل معه دون تطرف؛ لأن مقود القيادة ضاع من يدها؛ ثالثا توحيد الجهود لترجمة وتطبيق التنمية المستدامة حتى العام 2030؛ رابعا تم التخطيط المشترك لمناقشة قضايا مثل مكافحة الإرهاب، والتجارة، والرعاية الصحية، والطب التقليدي، والبيئة والتطورات العلمية والتقنية المبتكرة، والزراعة، والتعليم والتدريب التقني والمهني بالاضافة إلى مشاريع الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم.

كما أن وزير خارجية الصين، وانغ يي كان صرح في أيار/ مايو الماضي، أن الجانب الصيني يدعم التوجه للبدء بفتح باب مجموعة البريكس أمام الدول الراغبة في الانضمام لها، لإظهار انفتاح وشمولية دول البريكس، والاستجابة لتوقعات الدول النامية، والمساعدة في تمثيل المنظمة وتأثيرها، وتقديم مساهمة أكبر في الحفاظ على السلام والتنمية في جميع أنحاء العالم. وهو ما يعني أن المجموعة ستكون ملاذا كبيرا للدول النامية المكبلة بقيود وتعقيدات البنك وصندوق النقد الدوليين، والإجراءات الفوقية الاستعلائية من قبل دول الغرب الرأسمالي عموما وأميركا خصوصا.

هذا وتكمن أهمية المؤتمر الرابع عشر لدول البريكس، إضافة إلى التكامل والتعاضد بين دوله ذات الوزن الاستراتيجي عالميا، في أنه جاء في أعقاب تحذير مؤتمر “دافوس”، الذي عقد قبل فترة وجيزة دول العالم عموما ومجموعة العشرين خصوصا، بأن العولمة تواجه أسوأ مراحلها منذ الحرب العالمية الثانية نتيجة انتشار الأوبئة، وتفاقم ندرة الغذاء، وتراجع سلاسل الإمداد، وتدهور المناخ، وتضاعف الديون السيادية، ما أدى إلى استشراء التضخم والتهديد بالركود الاقتصادي، وارتفاع وتيرة الحروب التجارية والدموية. وجاء هذا التحذير على أعتاب الفوضى الخلاقة التي ابتدعتها الدول الرأسمالية، وعاثت في الأرض فسادا خلال العقود الثلاثة الماضية مستغلة قدرتها على تطويع ثغرات النظام العالمي الجديد لصالحها، ولكنها فشلت ولم تتمكن من السيطرة على الأقطاب الدولية المركزية، وعمودها الفقري دول البريكس.

ولمن لا يعرف ثقل ومكانة دول البريكس عالميا، يمكن إبراز أهم مفاصل قوتها، فهي أولا، من حيث عدد السكان توازي تقريبا نصف سكان الكرة الأرضية، أو بالضبط أكثر من 40% من إجمالي سكان المعمورة؛ ثانيا تحوز على مساحة تضاهي حوالي 30% من مساحة العالم؛ ثالثا قدرتها الاقتصادية توازي 23% من الناتج الاقتصادي العالمي، وتستحوذ على 18% من إجمالي التبادل التجاري الدولي، وتمتلك نحو 40% من مجموع احتياطات العالم لتنافس بحلول العام 2030 اقتصاديات أغنى دول العالم بما فيها أميركا وأوروبا واليابان ودول الخليج العربي مجتمعة. وهذا ما أثار فزع دول الغرب الرأسمالية، خاصة وأن تقارير صندوق النقد الدولي توقعت مؤخرا أن تتربع الصين في عام 2030 على عرش أكبر اقتصاد عالمي بناتج محلي اجمالي يفوق 83 تريليون دولار، لتتفوق بذلك على أميركا التي ستحتل المرتبة الثانية بناتج محلي لا يزيد عن 34 تريليون دولار، وتراجع اليابان إلى المرتبة الرابعة بعد الهند، التي ستحتل المرتبة الثالثة بناتج محلي إجمالي يفوق 26 تريليون دولار.

كما أن دول البريكس وضعت هدفا وخطة للتصدي للفوضى الخلاقة، وكل السياسات الغربية العبثية بإرادة صلبة، وعقدت العزم على مجابهة التحدي بتحد أعظم من خلال تسريع تطوير هياكلها الإدارية، وتطويع أزماتها المالية، وتذليل عقباتها التنموية، إلى جانب تدويل عملاتها المحلية، أضف إلى أنها أسست قاعدة تعاون استثمارية وتجارية مشتركة، وكونت منظومة تعاون نقدية متعددة المستويات، لدفع احتساب التجارة البينية بالعملة المحلية، وتسهيل مبادلاتها الاستثمارية وتعاونها المشترك في كافة المجالات.

ولهذا استدرجت دول الغرب بقيادة واشنطن روسيا الاتحادية لحرب أوكرانيا، وفرضت ضرائب غير مسبوقة على منتجات الصين، وتحاول استدراجها في تايوان لاستنزافها، وحاولت أن تدس السم في عسل العلاقات البينية بين دولها بهدف تمزيق ائتلافها، لكنها فشلت حتى الآن فشلا ذريعا، ولم تتمكن من هزيمة إرادة دول البريكس مجتمعة ومنفردة. كما أن عقوباتها متعددة الحزم على روسيا والصين اصطدمت بجدار اقتصادي منيع من داخل الدول، ومن داخل المجموعة، ما أفشل مخططها، وارتد على اقتصادات الدول الغربية مجتمعة ومنفردة، الأمر الذي فاقم من عمق الأزمة التي تعيشها تلك الدول، وانعكاس ذلك على أزمة الغذاء العالمي، التي قد تؤدي إلى سقوط ضحايا نتاج سوء التغذية وغلاء السلع بعشرات الملايين من البشر، خاصة في دول العالم الثالث. في المجمل اللوحة العالمية لم تعد ذاتها، وعلى الولايات المتحدة الإذعان للإرادة الدولية، وحتى لو ذهبت لحرب عالمية اوسع وبالوسائل العسكرية العنفية، فإنها ستكون ومنظومتها الغربية الخاسر الأكبر.

 

شاهد أيضاً

احتكار الإسلاموية ورحابة الاسلام

بقلم: بكر أبوبكر في إطار ندوة هامة قادها الاعلامي المميز نزار الغول ضمن برنامجه “ندوة” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 × خمسة =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!