التضخم الركودي مازال بعيدا

بقلم: أحمد البهائي

يعرف التضخم بانه الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار في دولة ما والناجم عن فائض الطلب عما هـو معروض من السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة،او بانه زيادة كمية النقود بالنسبة لكمية السلع بالقدر الذي يكفي في زمن قـصير لتحقيـق ارتفاع كبير في الأسعار.
وتعرف البطالة بأنهم اشخاص تتوفر فيهم شروط العمل ومع ذلك لا يجدوا فرصة للحصول على عمل او وظيفة،اي انها الحالة التي يبقى فيها الاشخاص بلا عمل أو وظيفة، على الرغم من سعيهم الجاد والمستمر في البحث عن عمل أو وظيفة ولكن دون جدوى.
بينما يعرف التضخم الركودي عن انه حالة من ارتفاع معدلات التضخم يصاحبه حالة ركود في النشاط الاقتصادي مع ارتفاع مستمر في معدلات البطالة، فعندما تزداد البطالة بشكل مطرد في الوقت الذي يستمر فيه ارتفاع الأسعار يكون من الصعب إحداث كل من التوظيف الكامل واستقرار الأسعار، وهي مشكلة تحدث عندما يزداد حجم الطلب على السلع والخدمات مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وفي الوقت نفسه ينخفض حجم او فرصة الحصول على عمل او وظيفة مما يؤدي إلى حدوث البطالة ،هنا يتساءل البعض لماذا نقول التضخم الركودي وليس الركود التضخمي ،السبب، ان الحالة الواقعة ويعاني منها الاقتصاد هو التضخم بالفعل وان الركود حالة يتوقع حدوثها بعض المحللين والباحثين ولهذا من الصح ان نقول التضخم الركودي وليس الركود التضخمي.
مخطئ كل من يظن او يعتقد او يروج بان العالم على اعتاب او في بحر التضخم الركودي او الركود التضخمي بمفهومه الكلاسيكي القديم،متناسيا (1)،بان التضخم الذي تعاني منه الاقتصادات المتقدمة الان بعيد كل البعد عن التضخم من جانب” الطلب”اي التضخم الحقيقي،وان التضخم الناشئ خليط راجع الى نوعين اساسيين من التضخم،الاول:تضخم ناشئ عن الزيادة في التكاليف ” تضخم دفع النفقة”،نتيجة الارتفاع في تكاليف عناصر الإنتاج بنسبة تفـوق الزيـادة فـي معـدلات الانتاجية،والذي يرجع في المقام الاول الى وجود عدم توازن بين العوائد الناتجة عن استخدم تلك العوامل ممثلة بالمنتجات والخدمات وبين ما تستخدمه العوامـل الإنتاجيـة مـن نفقـات وتكاليف،بمعنى حدوث زيادة في نفقات عناصر الإنتاج دون أن يرتبط ذلك بوجود تغيرات في حجم الانتاج،ومن اهم العوامل التي تؤثر في ارتفاع التكاليف ومن ثم ارتفاع المستوى العام للاسعار،عامل ،الارتفاع في معدلات الاجور نتيجة زيادة الطلب على الايدي العاملة،عامل،*ارتفاع تكاليف المواد الأولية،وعامل،*ارتفاع أسعار الواردات من المواد الخام والسلع الوسيطة المـستوردة التي تدخل في العملية الإنتاجية ،اما النوع الاخر من التضخم الخليط:هوالتضخم الربحي الرأسمالي الناشئ في قطاع صناعات سلع الاستثمار والاستهلاك نتيجة الزيـادة فـي قيمة الاستثمار عن الادخار،متناسيا(2)،بان التضخم الذي سبق توضيحه قد نشأ والاجهزة الانتاجية والموارد الاقتصادية لتلك الاقتصادات لم تصل بعد الى الدرجة القصوى من الانتاجية،ومازال لديها طاقات اقتصادية عاطلة لم يتم استغلالها ، وبالتالي حدوث زيادة في المعروض من السلع والخدمات تفي الزيادة الحاصلة في الطلب،بمعنى ان الزيادة في الطلب لن يواكبها ارتفاع في المستوى العام للاسعار، ،ولكن مع الاقتراب من استغلال الطاقات الإنتاجية العاطلة وزيـادة الاسـتخدام لعوامـل الانتاج ، فإنه من المتوقع أن يصاحب الزيادة في الطلب زيـادة في الضغوط التضخمية تدفع المستوى العام للأسعار نحو الارتفاع، وهذا هو ما يطلق عليه التضخم الجزئي،ولا يعد تضخما حقيقيا ،وهذا ما يحدث الان ، اي ان الزيادة في الاسعار قد نشأت والاقتصاد لم يصل بعد الى مرحلة التشغيل الكامل، اي ان مرونة عرض عناصر الانتاج مازالت موجبة بارقامها ومحصنة وبعيدة عن الصفر بكثير ، بمعنى وجود عناصر انتاج مازالت عاطلة ومتشوقة للاستغلال ، اي ان الزيادة الحاصلة في مستويات الاسعار ، ليس نتاج فائض الطلب الحقيقي والكلي عن المقدرة الحالية للطاقات الانتاجية ، بل زيادة في استخدام عوامل الانتاج والزيادة في التكاليف دفع النفقة،متناسيا(3)،بأن هناك زيادة في معدلات التوظيف،وهذا ما بينته الارقام والبيانات ،اتبعها انخفاض ملحوظ في معدل البطالة رغم ارتفاع نسب التضخم،ليكون نموذجا للعلاقة العكسية بين التضخم والبطالة،حيث الزيادة في الطلب على السلع والخدمات وما اتبعها من زيادة في الطلب على النقود اوالزيادة في كليهما معا اعتمدا في حدوثهما على الدخل الجاري الناتج عن الزيادة في معدلات التوظيف وليس ثروة الافراد،حيث ارتفاع نسب التوظيف يؤكد ان هناك طاقات انتاجية وموارد اقتصادية مازالت تحت الطلب ومتعطشة للتشغيل لتحقيق دخول جديدة،اي ان الثروة البشرية ذات اهمية قصوى بجانب الثروات الاخرى بما يمكن تحويلها الى قدرات نقدية واستخدامها في توليد الدخل في فترات البطالة،متناسيا(4)بأن الازمة حتى الان لم تؤثر على قطاع الانظمة المصرفية او تحد من اتساع نشاطها،فى تلك الاقتصادات وخاصة الاقتصادات التي تقود العالم،حيث مازالت اجهزة تلك الانظمة المصرفية تتمتع بقدر عالي من المرونة في خلق النقود نتيجة استخدام ما تملكه من ادوات نقدية ،بما يعمل على زيادة كمية النقود المتداولة في الاقتصاد، بما يكفل بزيادة الطلب وبالتالي ضمان ارتفاع مستويات الاسعار على النحو الذي يخدم اهدافها لتحقيق توازن في اسواقها المالية والاقتصادية،متناسيا(5)بأن حكومات اغلب تلك الاقتصادات المتقدمة لم تنتظر حالة الانكماش مما استدعاها ضرورة زيادة الانفاق الحكومي بشقية الاستهلاكي والاستثماري، وذلك باتباع سياسة مالية نقدية توسعية ،حيث العجز المتعمد والمقصود في ميزانيتها العامة وذلك من خلال زيادة النفقات عن الايرادات الحكومية،متناسيا(6)بان تلك الازمة اعادت ترتيب القطاعات التي يتم الاحتفاظ بالثروات من خلالها،وذلك من خلال اجراء مقارنات مستمرة بين مختلف العوائد المحققة من البدائل المختلفة للاحتفاظ بالثروة سواء تم الاحتفاظ بها في صورة نقدية او استثمارية في شكل اسهم او سندات أو الاحتفاظ بها في صورة عينية في شكل عقار،وهذا ما نراه جليا في سوق الاوراق المالية،متناسيا(7)،انه من الخطأ اعتبار ارتفاع اسعار البترول عالميا المسئول الأول والرئيسي عن موجة التضخم العالمية التي تسيطر على الاقتصاد العالمي،حيث لو سلمنا لتلك النظرية هذا يعني ان كل ارتفاع في النفط يشهده العالم لابد ان يقابله تضخم ركودي،حيث هناك احداث قد وقعت بالفعل تشير الى عكس حدوث هذا،فقد ارتفع النفط في فترة الخمسينات ومع ذلك لم يحدث تضخم ركودي،كذلك في 2011 و2008 ارتفع اسعار النقط 92 و110 دولارعلى التوالى ولم نشاهد ركودا تضخميا ،فهناك دراسات عالية الدقة موثوق فيها اكدت أن كلفة النفط لا تمثل إلا نسبة ضئيلة في إجمالي تكاليف الإنتاج بالنسبة لغالبية السلع الصناعية في الدول الرأسمالية، فعلى سبيل المثال تمثل كلفة النفط في صناعة المنتجات الغذائية لا تتعدي3%من إجمالي تكاليف الإنتاج، وفي صناعة مواد البناء تمثل تكلفة النفط اقل من 2%،وفي صناعة السيارات تمثل 1%،وفي صناعة النسييج تقدر 1.2%،متناسيا(8) ، بأن مجموع معدل البطالة الواقعة في بعض الاقتصادات المتقدمة رغم قلتها بإعتبارها المكون الاساسي لمؤشر التضخم الركودي مع مجموع معدل التضخم ، ليس بطالة نفص الطلب او هيكلية او دورية اوبطالة فقر او مقنعة بل بطالة “احتكاكية ” تنقلية (الفترة الزمنية الناشئة بين التقديم على عمل او وظيفة والقبول او التوظيف )،كما نعرف ان الازمة التي اوقعت تلك الحالة من التضخم ترجع في المقام الاول الى خلل صحي وليس نتاج خلل نقدي او مالي ، ليؤكد ان البطالة الناشئة في بعض الاقتصادات الرأسمالية مؤقته زمنية اوجدتها ازمة كورونا ، اي انها بطالة نتيجة الافتقار الى مهارة او خبرة معينة للتعامل معها ، وليس على عدم حاجة العمل الى مزيد من العمال ،ولكنه يدل على الحاجة الى عمال ذوي مهارة معينة تتطلبها ازمة كورونا التي سوف تنتهي او بالفعل انتهت مع انحصار اسباب تلك الازمة،متانسيا(9) بان التضخم الجزئي او المؤقت الواقع (نتيجة ضغوط تضخمية ناشئة عن التشغيل او التوظيف نتيجة استغلال الموارد الانتاجية او الطاقات الاقتصادية التي مازالت عاطلة ومتشوقة للانتاجية )، بعيدا عن الحركة التراكمية للاجور والاسعار،اي بعيد كل البعد عن القوتين او المؤسستين (قوة الاحتكارات وقوة النقابات العمالية ) التي تعتبر الوقود والمحرك والمسئول الاساسي عن حدوث التضخم الركودي .

شاهد أيضاً

احتكار الإسلاموية ورحابة الاسلام

بقلم: بكر أبوبكر في إطار ندوة هامة قادها الاعلامي المميز نزار الغول ضمن برنامجه “ندوة” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ستة عشر + 3 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!