ما بين اعلان وثيقة الاستقلال وتحقيق الاستقلال الوطني

بقلم: السفير مروان اميل طوباسي

الحقيقة هي اننا لا نحتفل بذكرى الاستقلال ،بل ولم يدعو أحدا لذلك ، فمن أين يأتي الاستقلال ونحن ما زلنا نتابع مسيرة كفاح حركتنا الوطنية الفلسطينية المعاصرة من أجل الوصول إلى استكمال مرحلة التحرر الوطني .
حينها ، وبدحر الأحتلال الكولنيالي يكون الاستقلال الوطني قد جاز كواقع فعلي بعد نفاذ حقوق شعبنا الغير قابلة للتصرف وعلى رأسها حق تقرير المصير .

أما احياء هذا اليوم من كل عام فهو مناسبة لنتذكر ذلك اليوم الذي وقف به الشهيد الرئيس ياسر عرفات باني الهوية الوطنية المعاصرة وقائد ثورتها امام اعضاء المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد حينها ببلد المليون شهيد ، ليقراء ويعلن وثيقة استقلال دولة فلسطين بأسم الشعب العربي الفلسطيني ، كلمات قد اختارها بدقة وعناية شاعرنا الراحل محمود درويش وصاغها بلغته الأدبية الشعرية المعبرة ، وجَسد من خلالها الواقعية الثورية لبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية السياسي ، الذي شكل نقطة تحول هامة انذاك في فهم الواقع الدولي والعربي ، ولخص بها مراحل عجز انظمة الاقليم والنظام الدولي ، وتطور قضيتنا منذ نكبتنا برؤية سياسية شكلت فهماً بين الممكن وغير الممكن ، بين العدالة والظلم التاريخي ، وبين الحق والهدف.

وثيقة الاعلان جائت على اثر انتفاضة الحجارة العظيمة وتراكم مراحل الكفاح الوطني بالشتات والوطن ، فقد تلتها سلسلة من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين انذاك ، ما مهد الطريق أمامنا لاحقا لمزيدا من الاختراقات الدولية لأبواب كانت مغلقة لزمن ولتمدد دبلوماسي كبير في علاقاتنا مع الأسرة الدولية وفق أسس الشرعية الدولية والقانون الدولي وعلاقة ذلك بالسيادة على أرضنا واستقلالنا الوطني في حقنا بدولة ذات سيادة غير منقوصة عاصمتها القدس . الأمر الذي فتح أمامنا أيضا آفاق جديدة وتحقيق قرارات أممية لاحقة لنصرة قضيتنا الوطنية ارتكزت على إدانة جرائم الأحتلال ومحاصرة إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال بالعديد من المحافل الدولية ، تلك “الدولة” إلتى ادمنت الأحتكام الى الخرافة والإرهاب في نفيها المستمر لوجود طائر العنقاء الفلسطيني الخارج من الرماد دوماً .

ان وثيقة اعلان استقلال دولة فلسطين قد استندت الى الوجود الإنساني لشعبنا في علاقته مع الأرض والتاريخ والى التراث الذي كرسته الحركة الوطنية الفلسطينية والتي تمثلت في إعجاز نصوص الوثيقة التي احيينا ذكرى إعلانها ال ٣٤ قبل ايام وبما حظيت به من إجماع وطني فلسطيني من كافة اعضاء مجلسنا الوطني ، فمثلت الدلائل لمضمون الوطن وشكل الدولة، وفي ضرورة وحق ابناء شعبنا من تطوير هويتهم الوطنية الثقافية في ظل مساواة كاملة بالحقوق وصيانة المعتقدات الدينية والسياسية والكرامة الإنسانية في ظل نظام برلماني ديمقراطي ، والى احترام المواثيق الأممية ومنها كافة حقوق المرأة والطفل وكافة شرائح مجتمعنا الفلسطيني في إطار تعدد الثقافات والرسالات السماوية للبشر.

هذا ما يحيه شعبنا في هذه الذكرى في الخامس عشر من تشرين ثاني من كل عام ، ونحن ما زلنا نكافح أشكال الاحتلال الفاشي والعنصرية الاستعمارية بدعم الولايات المتحدة راعية الإرهاب الدولي التي تعيق تجسيد هذه الوثيقة وهذا الاستقلال ، إلى جانب ما يُسقطه هذا الواقع الإقليمي والدولي الراهن حتى اللحظة على مكونات حياتنا اليومية وتفاصيلها التي نريد لها الانسجام التام مع ما صاغه الراحل محمود درويش .

اننا نحي ما تحمله هذه الذكرى من أهمية عبرت عنها وثيقة اعلان استقلال دولة فلسطين بما حملته من كنز الثقافة والانتماء للفكر الإنساني والوطني ، على أمل الاحتفال بالاستقلال الوطني الناجز بانتصار شعبنا على اعدائه وخاطفي حريته وحقوقه في إطار صراعانا معهم على الأرض والهوية ،
ولهذا يوم آخر قريب .

ان ذكرى اعلان وثيقة الأستقلال يجب ان تكون حافزاً للعمل والوحدة واستمرار الكفاح الوطني العادل بروح ومضمون ما جاء فيها من نصوص ومعاني للوصول الفعلي لتجسيد المواطنة الحقيقية والديمقراطية وأسس المجتمع المدني نحو الأستقلال الوطني بدحر الأحتلال الفاشي أولاً ، من خلال استكمال مرحلة التحرر الوطني بكل ما فيها من تفاصيل واستحقاقات ومتطلبات ، نحو الوصول الى مقولة الرئيس المؤسس ابا عمار “وطن حُر لشعبٍ من الأحرار” .

فمنذ ذلك التاريخ من اعلان وثيقة الاستقلال وبحكم المتغيرات الدولية والاقليمية، دخلت قضية شعبنا في تعقيدات جديدة ادت الى التوقيع في أوسلو على اتفاقيات لم تحقق بعد ثلاث عقود الحد الأدنى المطلوب من الحقوق الوطنية الثابتة لشعبنا وبالمقدمة منها إنهاء الاحتلال وممارسة حقنا في تقرير المصير أسوة بكل شعوب الارض كمبداء اساسي من ميثاق هيئة الأمم والقانون الدولي . اتفاقيات اتت دون الخوض في تفاصيلها أو سلبياتها وايجابياتها الآن في هذه العجالة من المقال ، ورغم ذلك فقد افرغته الحركة الصهيونية من اي محتوى قد يشكل نوعا من ممارسة السيادة على ارضنا .
ولانه لا يمكن محاكمة تفاصيل الأمس من خلال ظروف اليوم ، الا ان النتيجة كانت هي ما وصلنا اليه اليوم .
واعني بما وصلنا اليه اليوم ، من مدى اقترابنا او ابتعادنا من الوصول الى حقوقنا السياسية والتاريخية ، أو إنهاء الظلم التاريخي الذي حل بنا منذ ما قبل النكبة على أثر رؤية القوى الاستعمارية لواقع أرضنا ومكانتها ، فكانت بدعة الحركة الصهيونية التي نفذت لهم رغبتهم ومصالحها هي كجزء أصيل من مكونات الاستعمار الكولنيالي حتى اليوم وبمساندة مستمرة منهم لن تنتهي باللحظة التاريخية التي ما زلنا نعيشها في ظل سياسات الهيمنة المتوحشة لنظام القطب الأحادي ، إلى حين ان يتغير هذا الواقع الدولي .

ورغم ما حققناه نحن انطلاقا مما كنا نرغب به من حماية لأنفسنا بعد المتغيرات الحاصلة انذاك ، وما حاولنا الاستفادة منه ولو جزئيا في دعم مقومات صمودنا وتثبيت وجودنا على الأرض حتى لا تتكرر تجربة النزوح ،
فقد كان بالإمكان أن يكون الأمر افضل بمعاني الصمود بقطاعات الحياة المختلفة التي لم نحقق فيها التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة ، الا ان معيقات الأحتلال الذي ما زال جاثما على ارضنا كما واشتراطات بعض ألمانحين التي ارتبط جزء كبير منها بالعملية السياسية كانت عائقا بعدم توفير قاعدة انتاج صناعي أو زراعي تؤهل للانفكاك عن المحتل كما نريد .

لم ينتهي الأستيطان بل ولم يتوقف وازداد توسعا ، وبقي اسرانا في سجون احتلالهم وزاد عددهم كما تضخم تعداد المستوطنين ليصل إلى اكثر من ٧٥٠,٠٠٠ وأصبحت أرضنا تشبه قطعة جبن سويسرية كما وصفها الأخ الرئيس أبو مازن أمام مجلس الأمن.

لقد توهم البعض في هذا العالم بأننا نسير في خُطى ثابتة نحو السلام ، فاعادت العديد من دول العالم علاقاتها المقطوعة مع اسرائيل منذ احتلالها لما تبقى من أرضنا التاريخية عام ٦٧ .
خلال العقدين الماضيين لم نعترض أمام هذه الدول على إعادة أو تطوير علاقاتها مع اسرائيل كدولة احتلال وفصل عنصري كما اعترضنا على آليات تطبيع بعض العرب ، وكان البعض منا يعتقد أن تلك العلاقات قد تساهم في خدمة قضيتنا من خلال وضع الضغوطات على إسرائيل.
لكن لم يضغط احد عليهم في واقع الحال ، بل وتم استثمار تلك العلاقات الناشئة بالضغط علينا نحن ، فأصبحت بعض تلك الدول تنظر إلى الضحية والجلاد بنفس القدر من المسوؤلية ، فاصبحنا نحن من تقع عليه اللائمة في بعض الأحيان ، كما واصبحنا مطالَبين بوقف ما اسموه بإجرائتنا الأحادية المتمثلة في حقنا بالتوجه للمحافل الدولية ومحاسبة الاحتلال عن جرائمه ، حتى أصبحنا نحن في أعين البعض مَن يعيق عملية السلام .

وبعيدا عن مبداء المفاوضات السياسية التي يجب أن تتم بافق واطار واضح تُفضي إلى حقوقنا كما تمت عبر تاريخ شعوب اخرى ما بين المُحتل وقيادة الشعب المحتله أرضه دون ان تتوقف مقاومته .
فمفاوضاتنا معهم كانت من طرف واحد دون مفاوض مقابل جاد ، لقد اقتصرت على القضايا المرحلية وحل بعض المشاكل المعيشية ، من خلال تأجيل قضايا الحل النهائي الذي هو جوهر القضية المتمثل بإنهاء الاحتلال الأستيطاني بكافة اشكاله وتثبيت حقنا بتقرير المصير وغيرها من الثوابت التي ارتكزت أيضا على القرارات الاممية إضافة إلى الحق التاريخي بها لنا ، وهي الطريق الوحيد للسلام في حال وجد بينهم من يؤمن بالسلام ، وهو أمر لن يتوفر بالمدى المنظور وفق مسار تطور مجتمعهم السياسي العنصري الفاشي الذي يمثل جوهر وحقيقة الفكر الصهيوني منذ نشأة كيانهم .

وبالرغم من توسع علاقات دولة الأحتلال بالعالم وقدرة تأثيرها لأسباب عدة وبدء استعداداتها لكي تكون جزء من هذا الشرق الأوسطي كما يُخطط لذلك من الولايات المتحدة واخواتها ، الا ان الوقت بتقدري ليس متأخرا كي نعيد تقيم التجربة واستمرار تقديم أنفسنا للأصدقاء والأعداء على حد سواء بأننا شعب ما زال يسعى إلى التخلص من الأحتلال نحو حريته ، فنعيد رسم العلاقة مع المحتلين وفق قرارات وطنية سابقة لنا ونستمر في تقديم المُحتل أمام العالم كنظام عنصري فاشي لا يؤمن بأشكال السلام ويسعى إلى تثبيت روايته المزعومة في أرض فلسطين التاريخية على حساب شعب اخر هو صاحب الأرض الأصلاني من خلال كل أشكال القهر اليومي التي لم تتوقف من أكثر من سبعة عقود ، ولأن الصهيونية الدينية والدولة العميقة المرتبطة بها لن يسمحوا لأحد منهم ان يتقدم خطوة باتجاه اي حق من حقوقنا الا وقتلوه وكَفّروه من ديانتهم .

الحقوق محفوظة المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا © 2023

رضوانيات الحلقة الـ56…… لماذا...

كتب: رئيس الاتحاد العام للاعلاميين العرب...الكاتب والاديب العربي الفلسطيني الاعلامي د.رضوان عبد الله قصص حكايات الحمير...

رضوانيات الحلقة الـ56…… لماذا تركت الحمار وحيدا….!!!

كتب: رئيس الاتحاد العام للاعلاميين العرب...الكاتب والاديب العربي الفلسطيني الاعلامي د.رضوان عبد الله قصص حكايات الحمير مع الناس كثيرة ؛ ان كانت مع عامة الناس...

أبرز المستجدات والانتهاكات في القدس 6-2-2023

📄النشرة المسائية لمحافظة القدس حول "أبرز المستجدات والانتهاكات" في الساحة المقدسية: _________________________ النشرة: رقم (726) اليوم: الإثنين، 6 شباط 2023 _________________________ ➖➖➖➖➖➖ ♦️ اقتحامات المسجد الأقصى المُبارك: - اقتحم (217) مستوطنًا...

علّموا أولادكم الإيكاب ومقاومة الاحتلال!

كتب: رمزي عودة تأثّر الكثير من الناس بقصة الفتاة اليهودية الألمانية "آن فرانك" وعائلتها التي طاردتهم القوات النازية واعتقلتهم من مخبئهم السري في أمستردام، إلى...

عميان البصيرة!

كتب: موفّق مطر ماذا يقصد الذين يتخذون أخبار وسائل إعلام منظومة الاحتلال الفاشية إسرائيل مرتكزًا لمواقفهم من القيادة الفلسطينية ومن منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة السلطة...

يعني التعليق على هذه المشاركة أنك توافق على شروط الخدمة . هذه اتفاقية مكتوبة يمكن سحبها عندما تعبر عن موافقتك على التفاعل مع أي جزء من هذا الموقع.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

السفير مصطفى: وفاة عائلة غزِية...

أعلن سفير دولة فلسطين لدى تركيا فائد مصطفى، عن وفاة عبد الكريم أبو جلهوم وعائلته المكونة من 6 افراد...

بتوجيهات من الرئيس: رئيس الوزراء...

بتوجيهات من رئيس دولة فلسطين محمود عباس، أوعز رئيس الوزراء محمد اشتية بإرسال فرق من الدفاع المدني وطواقم طبية،...

ارتفاع عدد الضحايا من أبناء...

أعلن سفير دولة فلسطين لدى سوريا سمير الرفاعي، ارتفاع عدد الضحايا من أبناء شعبنا في سوريا جراء الزلزال إلى...

مجلس الوزراء يعتمد خطة تطوير...

اعتمد مجلس الوزراء خطة تطوير وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بما يشمل الجوانب القانونية والإدارية والمالية، ويضمن استدامة عمليات الوزارة،...
spot_img

رضوانيات الحلقة الـ56…… لماذا تركت الحمار وحيدا….!!!

كتب: رئيس الاتحاد العام للاعلاميين العرب...الكاتب والاديب العربي الفلسطيني الاعلامي د.رضوان عبد الله قصص حكايات الحمير مع الناس كثيرة ؛ ان كانت مع عامة الناس...

علّموا أولادكم الإيكاب ومقاومة الاحتلال!

كتب: رمزي عودة تأثّر الكثير من الناس بقصة الفتاة اليهودية الألمانية "آن فرانك" وعائلتها التي طاردتهم القوات النازية واعتقلتهم من مخبئهم السري في أمستردام، إلى...

عميان البصيرة!

كتب: موفّق مطر ماذا يقصد الذين يتخذون أخبار وسائل إعلام منظومة الاحتلال الفاشية إسرائيل مرتكزًا لمواقفهم من القيادة الفلسطينية ومن منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة السلطة...

يحيى رباح.. الحكاية باقية وستظل

كتب: محمود ابو الهيجاء كنت مفتونًا بالبرنامج الذي يكتبه يحيى رباح لصوت الثورة الفلسطينية، والذي كان تحت عنوان "كلمات إلى فلسطين .. الوطن والشعب" كان...

بين الفلسطينيين والإسرائيليّين: مَن يُسقِطُ حلّ الدولتين؟ (الجزء الأوّل)

الكاتب: د. ميشال الشماعي تثير أعمال العنف الدامية بين الاسرائيليين والفلسطينيين مخاوف من تصعيد جديد في عهد نتانياهو واليمين المتطرّف. وتزامن ذلك مع عدّة دعوات...

ما بعد الزلزال، أيكون الطوفان؟

كتب: سعدات بهجت عمر لا وجود للاختبار. إنها ممارسة بهيمية شنعاء نشطة لِتَمَلُّكِ العالم عن طريق الإرهاب كوظيفة أمريكية-اسرائيلية استباقية في رنة قرار الولاية من...
المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!