الرئيسية متفرقات كتاب “ترانيم اليمامة”…لحظات طويلة في مساحات ضيقة

“ترانيم اليمامة”…لحظات طويلة في مساحات ضيقة

0

كتب الأديب: حسان نزال

بداية لا يُمكننا أن تتوهّم أننا تكتب نقدا أو نتناول كتابا بدراسة بحثية، كما هو الحال مع مؤلفات تخصصية أو مخرجات إبداعية أو كتب وأبحاث علمية أو أدبية أو تربوية..ذلك أننا بصدد نزف بالدم والدمع والعرق…نحن بصدد لحظات طويلة ومساحات ضيقة وآهات متّصلة ولوعات عميقة نزفتها ثلة من ماجدات شعبنا، خنساوات في المقدمة آثرن أن يسجلن للتاريخ فصولا من المواجهة الطويلة مع الاحتلال..آخر احتلال في التاريخ..احتلال يكابر ويبحث عن كل ذريعة احلالية لتكريس سيطرته وهو يعرف أنه بحاجة إلى تحييد قيادات هذا الشعب ومبادريه ومؤمنيه حتى يسهل عليه ترويض البقية واستمرار مشروعه الاحتلالي الاستيطاني.
في الكتاب (ترانيم اليمامة) تم استدراج صاحبات النصوص للكتابة، وإجلاسهن على طاولة الحبر وهنّ الزاهدات به رغم أنهنّ مُفعمات بعميق التجربة، طافحات بالوجع والألم والصدق والثبات والصمود، التجربة صقلتهنّ وجعلت منهنّ نماذج إنسانية نبيلة، ولأننا كشعب نؤمن بأهمية نقل التجربة وتعليمها للأجيال فقد وجدت الأسيرات أنفسهنّ أمام ضرورة ملحة دفعتهنّ إليها ظروف موضوعية وعلاقات إنسانية صادقة. فكانتزميلتهنّ ابتسام أبو ميالة وربحي دولة رئيس بلدية بيتونيا وآلاء القاضي أمينة مكتبتها حاضنة لهذا العمل منذ بزوغه فكرته وحتى خروجه الى النور.
يضم الكتاب نصوصًا لعشر أسيرات فلسطينيات تعرضن لعتم الزنزانة وسياط الجلاد وأساليبه القمعية على مدى سنوات طوال وفي فترات متفاوتة من الحقبة الاحتلالية المستمرة، الأسيرات: شريفة علي أبو نجم، وتغريد سعدي وعطاف عليان، وأريج عروق ، ولينا جربوني وجيهان دحادحة ونهاد وهدان ومنى قعدان وعهود شوبكي ومي الغصين) وكلّها أسماء عرفت بسيرتها المقاوِمة وصمودها في باستيلات الاحتلال والتحقيق وتداولته عناوين الأخبار، وكل ما كان يتم تداوله كان ماتراه عين الرائي وتسمعه أذنه لا ما عاشته قلوبهن وقاومته أجسادهن وعقولهن.
صحيح أن نصوص الأسيرات موضوعية وخلاصة تجاربهن الخاصة، لكنها تعني كلّ أبناء شعبنا الفلسطيني لأنها جزء من الرواية الفلسطينية لعلاقة الاشتباك الطبيعية التي يجب أن تسود بين الكيان المحتل والشعب المحتل، كما أنها جزء من سيرة المقاومة التي يجب تسجيلها، وهي فرصة لاستشعار التضامن الوطني والإنساني مع هؤلاء الماجدات وعدم تركهنّ نهْبا لمشاعر الخذلان والتخلي التي يحاول الاحتلال نشرها بهدف زعزعة ثقة شعبنا بمقاومته وتفكيك عرى الوحدة بين أطيافه وبَنيه، كما أنّ هذه النصوص ستبقى شهادة إدانة ومرافعة ضد هذا الاحتلال في كل محفل دولي وفي كلّ تاريخ.
في الكتاب تسرد شريفة أبو نجم قصة اعتقالها وجثةَ والدها الشهيد في ذات الناقلة الصهيونية وفي ذكرى ولادتها، وتروي فصولا من العذابات الجسدية والنفسية ومختلف أشكال الضغوطات التي طالتها وعائلتها بهدف استدراجها للاعتراف أو السقوط في براثن الارتباط والخيانة، وتتحدث عن اعتقال أقاربها للضغط عليها وعن تلقي والدتها الحكم الجائر لخمسة عشر عاما مع الأشغال الشاقة رغم حداثة سنّها كما تبسط خبايا روحها وأسرار صمودها الأسطوري طيلة فترة التحقيق والحكم الذي أعقبته دون أن يضعف ذلك من عزيمتها
كما تتحدث ابنة سخنين الفلسطينية في الداخل المحتل من فلسطيننا عام 1948م تغريد السعدي عن لحظات اعتقالها من البيت بذات الأساليب القمعية التي ينتهجها الاحتلال في الضفة الغربية وكيف استخدمَ أدواته التدميرية في البيت وحاول التأثير على صمودها حتى قبل بدء التحقيق وهو يقول لها على لسان قائد القوة المقتحِمة (خذي الكثير من الملابس، خذي خزانتك كلها معك فقد لا تعودين إلى البيت أبدا)،
في قبسها من نار عتصيون تتحدث الأسيرة عطاف عليان عن عذابات التحقيق والعزل ومكابدة الاتصال مع أهلها وهي التي عزلت ذات مرة لأربع سنوات التهمت خلالها كلّ كتب المكتبة فتقول:
(كبابٍ صدئ أحاول فتح جفني، رأسي كصخرة سيزيف”شخصية اسطورية “أثقلت كاهلي،أشعر أنني فقدت السيطرة على جميع أعضاء جسدي،لا جفني يطيعني ولا ظهري أصبح سندي،ولا رأسي دليلي..) كما تروي قصص البوسطة والمحاكمات الهزلية ومحاولات كسر عزيمتها وجرّها للاعتراف أمام السجان وتروي قصة القوى الكامنة في داخلها والتي جعلت السجان في حضرتها كيانا هشّا وجعلتها صاحبة السيرة الخضراء رغم الختم الأحمر الذي طبع على ملفّها.
وهكذا يجد القارئ في كل نص سيرة وفي كل سيرة سفِر من الثبات الذي كان يقلب السحر على الساحر فيكشف زيفه أمام الضباط والجنود ومشغليهم، لقد استطاعت الأسيرات التغلغل في بنية الآخر الفكرية وهزّ قناعاته وتفكيك رؤيته المزورة للقضية الفلسطينية من خلال نقاشات متاحة أو صمود واضح مع السجانين والسجانات مما دفع بعضهم لترك عمله ودفع آخرين لإعادة النظر في ممارساته بعد أن شعر بأنه ليس أكثر من أداة قمعية ضد الأسير الفلسطيني عامة وضد الأسيرات بشكل خاص. (( ــ ماذا تفعلين؟..فاجئتني المجندة بسؤالها كنت ظننتها قد ذهبت
ــ أصلّي صلاة المغرب.
ــ ماذا يعني ذلك؟
ــ يعني أصلي لله…”لم تكن نفس المجندة التي شاكلتني صباحا،يخيل الى انها من اصل روسي”.
نحن نصلي خمس صلوات في اليوم … لا نتركها أينما كنا، نشحن أرواحنا التي نفخها الله من روحه في ادم عليه السلام نعبئ البطارية بهذه المحطات الخمس…،”لم يكن الحديث معها سهلا كونها لا تتقن اللغة العبرية أيضا ”
انت من المهاجرين الروس؟… سألتها… ردت بالإيجاب
يهودية ام مسيحية؟
– ارتبكت قليلا- ثم اجابت يهودية…
قلت لها عام 1992 قامت إدارة السجن بعزلي الى مركز توقيف الجلمة”في حيفا”مع الجنائيات، التقيت بسجينة من أوكرانيا،…كانت تسألني كثيرا عن صلاتي،…اعترفت لي انها مسيحية ولكنها ادعت انها يهودية كي تهرب من ظلم روسيا، استغلت عدم كتابة الديانة في بطاقتها.
انت تكرهين اليهود؟…غيرت دفة الحديث.
انا اكره الظلم…الاحتلال ظلم كبير…الاحتلال ليس اليهود فقط بل يشمل من مهد لهم الطريق،…)). عطاف عليان: قبس من نار عتصيون.
النصوص كما ذكرنا تزخر بالوجع المخبوء في لغة عميقة متعددة الدلالات عميقة المعاني (ودّعت حارة تلو الحارة، قبلت جبين الطرقات، احتضنت ساحة المدرسة التي رسمت بها طفولتي الخجولة وهذه الصفوف المتلازمة التي علمتني أكثر من حروف الهجاء وودربتني على لغة هي أصل الحكاية،..) ص 35تغريد سعدي. كما أن السرد القصصي المتَّبَع في النصوص مُزيّن بصور بلاغية مؤثرة تظهر مستوى الثقافة العالية التي تتمتع بها الأسيرات ( ابتسامة دغدغت شفتي/ للعبادة في الشدة مذاق خاص، استشعرت قُربه الحبيب منك وتوجه كلي اليه،استشعرت معيته، استشعرت يديه تهدهد قلبي… نعم ربي أنت الأكبر أنت الأقرب/ غاب يوم الجمعة جارا أذيال السبت الثقيل على قلب الأسرى…إلخ
في السجن مزاليج الأبواب أنياب..والبوّابون ذئاب والمعتقلون جمادات في حضرة الثعالب كما تقول تغريد التي تكتشف في زنزانتها أن ماسورة الحمام هي التلغرام الاعتقالي والذي من خلاله تصلها رسالة تشهد بالحياة لمعتقل من مخيم جنين ظنه أهله شهيدا وفتحوا له بيت عزاء وهو يريدها أن تستغل زيارة محاميها لينقل لهم خبر وجوده في الزنزانة على قيد الاعتقال..ثم تفكر (أي حالة ضياع يعيشها هذا المعتقل؟!! كأنها تريد أن تقول: من يرى مصائب الآخرين تهون عليه مصيبته).
القاسم المشترك بين كل التجارب التي يتضمنها الكتاب هو الخطوط العريضة لسياسة الاعتقال والتحقيق الاحتلالية، وعدم اختلاف تلك الأساليب والأهداف بين فلسطيني وآخر أو بين ذكر وأنثى: وفي مقدمة تلك الأهداف كسر إرادة المعتقل أولا والمسّ بكرامته وإثبات ضعف قدراته وعجزه عن الصمود كمقدمة لجرّه للاعتراف ومن ثم تحييده من صفوف المقاومة والرفض لوجود هذا الاحتلال:”
ألقوني على الأرض وشحطوني : تقول منى قعدان”، كنت لا أرى أمامي سوى أشباح ضخمة حتى أجلسوني وشدوا وثاق يديّ بالمعاصم البلاستيكية وألجموا فمي بقطعة قماش، وأنا ما زلت أنظر أين أنا وما هذا الذي يجري، وإلى أين النيّة الآن؟ المشهد كان قاسيا، السماء بدأت تنذر بمطر قادم لا شيء معي، البرد يتسلل عبر أطرافي، بت أشعر بالوحطة والخوف وانتظار المجهول)… ومنى قعدان من المجاهدات المعرضة دوما للاعتقال والتوقيف وفي المرة السابقة التي ناقشنا فيها الكتاب في نابلس لم تكن موجودة لكنها اليوم بين أهلها وعائلتها وشعبها في عرابة ونتمنى أن تبقى بإذن الله.
أشير إلى أن معظم الأسماء التي عبّدت صفحات الكتاب “ترانيم اليمامة” بقيت أسماء لامعة متداولة في الأخبار طيلة فترات اعتقالها ومتابعة قضاياها الوطنية كما خرجت من السجون لتشكل حالة وعي وطني وتساهم في ضحد الرواية الاحتلالية ونشر الرواية الفلسطينية عبر الكتابة في الصحف ووسائل التواصل كمنفذ إلى العالم، وعبر الانضواء في مؤسسات العمل الوطني السياسية والتنظيمية والأهلية، خاصة وهنّ خبِرن حالة الاعتقال وواجهنها بصلابة ويعرفن مدى حاجة الأسير لمن يعلّمه وينقل له الخبرة ويشدّ من عضده ويوسع مداركه خاصة عندما يكون وحيدا في عتمة الزنازين.وبعد فإن كتاب (ترانيم اليمامة) يعدّ جزءا من الجهد الوطني العام الذي تبذله مؤسسات فلسطينية متخصصة بشؤون الأسرى وغيرها من أجل الحفاظ على وحدتهم وصمودهم وما يميزه أنه كتب بأقلام نسوية شكلن رافعة للثبات ونموذج متقدم للمواجهة والصمود، كما أنه يشجع كل أسير وأسيرة على خوض غمار الكتابة عن التجربة لإغنائها وأعتقد أنه واحد من سلسلة مبادرات فردية أو جمعية تخدم قضية الأسرى ليس أقلها تبني شخصيات وطنية أو جهات تفاعلية لهذه الكتابات ونشرها والتي منها كذلك مبادرة (كتاب لكل أسير) الذي ينفذه المحامي الفلسطيني ابن حيفا (حسن عبادي).
وأخيرا الشكر موصول لروّاد المكتبة على هذه المبادرة وللحضور الكريم ولوسائل النقل المرئي والمسموع..وأعتقد جازما أننا بحاجة لتوظيف هذا الكتاب وأمثاله في كل مدخلات ابلناء الفكري لأجيالنا الصاعدة لما يتضمنه من تجارب وخبرات تشحذ الهمم وتقوي العزيمة وتعين هذه الأجيال على مواجهة هذه التجارب التي قد يخوضونها بعزيمة واقتدار..
شكرا لكم ثانية والرحمة للشهداء والشفاء العاجل للجرحى وأمنيات التحرر لأسرانا البواسل في كل مواقع الاعتقال وباستيلاته.

 

 

لا يوجد تعليقات

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
Exit mobile version