هاني جوهرية: صورة الثورة

تقول حكاية الأغنية الثورية ‘يا يمّه في دقة عَ بابنا’ أن مناضلا فلسطينيا يدعى بلال، تسلل إلى الأراضي المحتلة لتنفيذ عملية ضد الاحتلال، إلا أنه وبسبب اندلاع حرب العام 1973، علق في كهوف الجليل، وحين علم أن والدته تسكن إحدى القرى القريبة، وهي التي كانت على يقين بأنه سقط شهيداً، تسلل إلى المنزل ودق بابه، وحين أخبرها بأنه بلال لم تصدقه، وخالت أن قوات الاحتلال تنصب لها كميناً ما، عندها قال: ‘يا دار جيتك أنا.. بعد غيابي والفرقة’.

اليوم وبعد مرور تسعة وثلاثين عاما على دقة منزل مناضل فلسطيني آخر تقول جانيت فتالة جوهرية زوجة هاني جوهرية: في صباح اليوم التالي لاستشهاده دق الباب في ساعة مبكرة جداً، كانوا نحو ستة شبان وبينهم خديجة أم عمار، لم يبلغوني بشيء فقد علمت وحدي ومن ملامح وجوههم بأن هناك حدث رهيب، صرخت بأعلى صوتي ‘أرجوكم قولوا أنه مصاب ولا تقولوا أنه استشهد’.

واستشهد هاني جوهرية! استشهدت العين الطاهرة، واللقطة البطولية، في مشهد لا يختلف كثيراً عمّا التقطته.

قال صديقه مصطفى أبو علي مرة: بالنسبة لنا نحن السينمائيين الفلسطينيين: الكاميرا هي كلاشينكوف سريعة التقاط الصور.

وتتابع جانيت لـ’وفا’: في الحادي عشر من نيسان عام 1976، توجه هاني إلى الجبل ‘عينطورة’ مع مجموعة كبيرة من قيادات الثورة وكوادرها، أذكر منهم فاروق القدومي ‘أبو اللطف’ ومحمود درويش ومعين بسيسو وآخرين، وكان من المفترض أن يعود معهم في المساء ولكن حياة المقاتلين وطريقة دفاعهم عن الثورة في أعلى قمة عينطورة ومنظر الثلوج استهوته كثيرا فأبى أن يهبط إلا حين يأتي بمادة دسمة للأرشيف وبقي هناك لغاية يوم الأحد حيث ذهب مع المقاتلين على خط النار. انطلقت قذيفة باتجاههم فصوّر لحظة الانطلاق وأحبّ أن يصوّر مكان السقوط، وللأسف سقطت أمامه على بعد حوالي مترين إلى ثلاثة وانفجرت، وطار هاني وكاميراته حوالي مترين وسقط شهيدا. انتظرته مساء الأحد وكنت أنتظر هاني الحسن الذي كان ينوي زيارتنا ولم يأتوا الهانيين (هاني الحسن ذهب لزيارة القائد ياسر عرفات ‘أبو عمار’ قبل مجيئه إلينا، وهناك علم بالخبر وصدم فلم يقوَ على المجيء) وشارك أبو عمار شخصيا بتنظيم مراسم الجنازة.

ولأن الكثيرين حاولوا أن يضيعوا الصورة، وأن يخنقوا الحقيقة، كان آخرون يحفظونها، ويعشقونها، ويستشهدون من أجلها، فقد وفت الثورة الفلسطينية منذ رصاصتها الأولى وعدها بأن توصل صوتها وصورتها العادلة والحقيقية إلى كل العالم، ووفى جوهرية لقضيته، فانطلق لكل ذرة تراب وطأته قدم مقاتل فلسطيني، تارة يظهر مجموعة مقاتلين تنتشر في أرض قاحلة، وآخرين في مشية عسكرية، ملثم هناك، وملثم هنا، طفل يزحف على الأرض بكلاشينكوف، وآخرين أمام لوح تعليمي يتلقون تعليم البلاد وتاريخها وفنون القتال النظرية.

كانوا يسابقون المقاتلين صوب ميادين القتال، لم يخافوا صاروخ طائرة أو قذيفة دبابة، لم يخافوا طلقة المحتل، بل كانوا يُخيفونها، لذا التقطوا لنا وللأجيال الآتية الثورة الفلسطينية في أشد معاركها الوجودية. ولم يكونوا مصورين وصحفيين فقط، بل كانوا إنسانيين جدا، كما يليق بثائر يدافع عن قضية عظيمة كقضية شعبنا، وكما الصورة نقية طاهرة كانت قلوبهم.

تقول جانيت في حديثها لـ’وفا’: كان رفاقه ينادونه مسيح الثورة لأنه كان يتمتع بأخلاق عالية ومشاعر إنسانية عظيمة، أذكر أن أحد العاملين معه كان يريد الزواج ولا يملك مالا لشراء شبكة للعروس، فأعطاه هاني بعض المال وجاءني سائلا أن أعطيه بعض المصاغ من مصاغي حتى يقدمه صديقه للعروس.

وتتابع: جاءنا أحد الشبان وقال إن زوجته أدخلت المستشفى في حالة ولادة وهي خائفة جدا ولا أهل لهما ولا يوجد من يقف إلى جانبها وكانت الساعة على ما أذكر حوالي السابعة والنصف مساء، أي موعد عشاء ابنتنا الصغيرة وحمامها ونومها، فجاء هاني ورجاني أن أترك ‘هبة’ وسيقوم هو بكل ما هو مطلوب، وطلب مني أن أذهب للمكوث إلى جانب السيدة حتى تضع مولودها. هذه أخلاق هاني الذي كان مستعداً لأن يضحي بالغالي والنفيس في سبيل إسعاد الآخرين. كان مثالا حيّا للزوج والأب والمناضل والرفيق، كان لديه حلم كبير لم يكتمل، مثل كل أحلام الفلسطينيين، لكنها ضاعت.

صور كثيرة في أرشيف ‘وفا’ توثق لثورة مجيدة وتبقيها متقدة، بين حرب وأخرى، بين ترحيل وآخر، بين انتصار وأمل وحق، وهاني جوهرية يعيدنا إلى معسكرات الفدائيين في الأردن، إلى معسكر عين السخنة، حيث كان يتلقى مئات الشبان الفلسطينيين تدريبات على مختلف الأسلحة والرمي، ينطلقون من بين الأسلاك الشائكة زحفا على صدور عارية، ويقفزون فوق النار والدخان الأسود، يخرجون من تحت الأرض يصرخون تحيا فلسطين، يتدربون القناعة والانضباط واللياقة البدنية، وكان قائد المعسكر يقوم بعملية الرمي بالذخيرة الحية في عمليات التدريب. كل ذلك كان يجري في أجواء حماسية من مدربين قادة تخرجوا من كليات حربية من دمشق والقاهرة والجزائر.

هاني جوهرية ولد عام 1939 في القدس، وتزوج من جانيت فتالة وأنجبا ‘هبة’ و’فخري’، ترك القدس عام 1966 بعد أن درس التصوير الفوتوغرافي والسينمائي في القاهر ولندن وذهب إلى الأردن حيث عمل في وزارة الإعلام بعمّان في تصوير الجريدة السينمائية في الفترة من 1967- 1969، وفي تصوير أربعة أفلام من إخراج علي صيام وهي: الخروج 1967، الأرض المحروقة 1968، وزهرة المدائن 1969، وجسر العودة 1969.

كان هاني يعشق عمله في مجال التصوير السينمائي، وسعيدا بعمله لأجل قضيته، عُرف عنه اعتزازه وفخره بصوره عن القضية، وسباقه نحو أرض الحدث، وروى من كان معه بعد أن يصور كادر أو مشهد يقول: أصبحت لدينا وثائق عن ثورتنا، عن قضيتنا، تعالوا شاهدوا هذا الفيلم عن القضية.

شاهد أيضاً

عامان على رحيل القائد الوطني الطيب عبد الرحيم

يصادف اليوم الثامن عشر من آذار، الذكرى الثانية لرحيل القائد الوطني الكبير الطيب عبد الرحيم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة عشر − إحدى عشر =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا
error: Content is protected !!