مشكلة محمود عباس!

بقلم: زاهر أبو حمدة

اصدرت حركة فتح بياناً، جمعت فيه اسم الشهيدين خليل الوزير وعبد العزيز الرنتيسي. تتعلق مناسبة البيان بذكرى استشهاد الرمزين المؤثرين في تاريخ الحركة النضالية الفلسطينية، لكن جرأة فتح بذلك فلسطينية المبدأ، وهذا يحسب لها. في المقابل، لن تجد بيانا لحماس يشيد بشهيد فتحاوي او غير حمساوي. هذه اشكالية في منطق اقصاء الاخرين واحتكار الحقيقة والشهادة. هذه المشكلة منوطة بمحمود عباس، فهو القائد الاعلى لفتح وبالتأكيد اطلع على البيان وربما هو من أشار باصداره في هذا الوقت من عمر الانقسام الفلسطيني. فشخص أبو مازن تعرض للشتم والاهانة وتمزيق واحراق صوره كما حصل مع ياسر عرفات. من المستغرب، أن من داسوا صور ابو عمار، يقولون اليوم إنهم “يسيرون على نهج الشهيد ياسر عرفات”. نوع من الانفصام بفهم المراحل السياسية، لكنه وحده لم يتعرض لهذا النوع من الانفصام النفسي او السياسي. هو في أتم الوضوح منذ انتمائه للثورة الفلسطينية؛ ثوري السلوك ولو لم يحمل مسدساً كما قال مرة، لكنه المسؤول الاول عن تمويل عمليات الجناح العسكري لفتح في عملياته كافة. وهو المسؤول عن ربط الخلايا السرية لفتح في شرق اوروبا والاتحاد السوفياتي، وهو من مد جسور العلاقات مع الدول والاحزاب العالمية الداعمة للثورة الفلسطينية بالسلاح والتدريب. وليس معيبا ً القول إنه فاتح العلاقات مع واشنطن ايضاً والعواصم الاوربية الكبرى، وإنه وراء فتح مكاتب تمثيلية لمنظمة التحرير ومن ثم سفارات لدولة فلسطين في أكثر من 120 دولة في العالم. لم يتغير الثائر المغامر، لكنه عرف نقاط الضعف والقوة في المنظومة الدولية فاستخدم اوراقه لنيل الحقوق الفلسطينية تحت مسمى، يحبه المثقفون، “البراغماتية السياسية” علماً أن عباس ليس براغماتياً في الأصول إنما في الفروع. فهو من قال لاميركا بترامبها وأوبامها وبوشها، “لا” غير مرة حين مسوا بالثوابت وحاولوا قطع الخطوط الحمراء الفلسطينية. ليس خفياً على احد برنامج عباس، السياسي والاقتصادي والاجتماعي. تسلم الضفة المحتلة مدمرة، فأعاد اعمارها واعتمد “المقاومة الشعبية السلمية” اسلوبا جديداً في النضال؛ فأضحى خائناً بنظر من عادوا وقلدوه. مشكلة عباس، أنه ليس دموياً مع الاعداء والخصوم. لا يريد اهدار الدم الفلسطيني مع الاحتلال وكذلك بعد احداث عزة عام 2007. وهذه فلسفة خاصة في التعاطي وليس ضعفاً. في العادة يمكن لولي الامر أن يكون متهوراً فيعطي اوامراً يمكن فيها ازهاق ارواح من أنصاره لفرض سياسية معينة. لكن عباس لم يأمر بذلك، محافظاً على النسيج المجتمعي الفلسطيني ولانه يعرف نقاط ضعف الاحتلال ويعرف أن القبرة لم تقتل الفيل بالمواجهة المباشرة انما بفقأ عينيه بمقاطعته الاقتصادية والدبلومسية ونزع الشرعية عنه. وهو لم يسقط المقاومة العسكرية كما يدعي البعض، ودستور حركة فتح المعدل في المؤتمر العام السادس ثبت الكفاح المسلح نهجاً أيضاً. لكن المرحلة هذه لا تطلب “العسكرتاريا” انما التحضير وتراكم الانجازات على الاصعدة كافة.

مشكلة عباس، أنه لا يلعب على حبال المحاور الاقليمية مثلما يفعل من يريد الحصول على النفوذ. ومرة سألني مسؤول اقليمي: كيف أبو مازن مع عبد ربه منصور هادي في اليمن ومع بشار الاسد في سوريا؟ الاجابة كانت: ابو مازن ليس مع احد، انما مع الشرعية. فهادي والاسد شرعيان وفقا للامم المتحدة. لم يورط شعبه في الاعيب ومخططات اكبر من طاقته، لكنه مع وحدة الاراضي العربية والحوار الداخلي ويمكن ان يساعد بذلك، لكنه لا يتأمر مع جهة ضد اخرى.

مشكلة عباس، مع شعبه أنه لا يهتم كثيرا لـ”سيكولوجية الجماهير”. فالقائد يحتاج الى الكذب في مرات كثيرة لتبرير موقف او تمرير خطة. اما عباس، صادق لدرجة أنه أعلن مشروعه السياسي بالتفصيل من دون أي مواربة أو تزييف او عمليات تجميل سياسية. يمكنك معارضة هذا المشروع لكن لا يمكن لأي جهة لا تملك مشروعاً أن تنتقد المشروع المقابل من أجل المناكفة السياسية فقط. ليقدم الجميع مشروعهم السياسي والشعب وحده يقرر على اساس الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير.

مشكلة محمود عباس، أنه خلف ياسر عرفات. من الصعب لأي شخص أن يملأ مكانة عرفات مهما كانت قدراته. أبو عمار تسيد المشهد الفلسطيني لاربعة عقود متواصلة وصنع تاريخ فلسطين الحديث والتصق اسمه بالقضية وتناسقت كوفيته مع هوية شعب بأكمله. ولم يحتكم ابو مازن الى شعارات عرفات الرنانة المستقطبة للجماهير، فالثائر لديه طقوس الثورة بايدلوجيتها وخطاباتها، انما عباس رجل دولة يحتكم الى المؤسسات والقانون وليس الى الأبوية الرمزية والشعبوية في القيادة. مرحلة عباس، فرضت عليه رسم خط بياني في التعاطي مع محيطه الداخلي والخارجي وفقا للمصلحة العامة ومفهوم “الصحيح والأصح”. فالمسؤول يلجأ عادة لقرارات خاطئة لكسب المزيد من الجماهيرية. يمكن أن يلتف على القانون ليكسب ولاء شخوص او جماعات، لكن عباس، لم يفعل.

مشكلة عباس، أنه لا يفاخر بانجازاته ويظهرها للعلن. لكن الناس تلمس ذلك برفع الظلم عن الكثيرين وتغير منطق الحياة عندنا كشعب وليس كأفراد. هو صاحب نظرية “بالعلم والولد نحرر البلد”، فاصبح لدينا المدرسة الاولى والمعلم الاول والصندوق الاول لتعليم الطلاب مجانا. في عهده تحاسب المفسدون في المؤسسات، ولم يعد “مكافحة الفساد” شعارا انما تطبيقاً. في عهده رفع علمنا لاول مرة في الامم المتحدة، وكسبنا تأييد أكثر من 180 دولة واصبحنا عضواً في الجمعية العامة واليونيسكو. عرف كيف يحول الضغوط السياسية الى فرص، ولم يرهن قراره لظرف ما انما لثوابت لا تحتاج اثباتات، وقضية الاسرى ورواتبهم ورفض القرارات الاميركية الاسرائيلية خير برهان. تحت قيادته، تغير القطاع الصحي والرياضي والثقافي والاعلامي، وفي هذه المجالات الاثباتات كثيرة ومتعددة، تحتاج لمقالات تشرح ذلك.

مشكلة عباس، أنه مشكلة لمن يريد تصفية القضية الفلسطينية فيخطط للاطاحة به. وسيناريو عرفات، يتكرر بمشاركة ابناء جلدته بذلك. فمن كره عرفات، وتأمر عليه شوه صورته لدرجة النيل من عرضه واتهامه بأنه يهودي، ومن ثم بكاه ولعله يندم ولا يعيد تصوير المشهد نفسه مع عباس.

#بايعناك

شاهد أيضاً

قرية بيتا تقاوم الاحتلال وكورونا!

بقلم: بكر أبوبكر ثلاثة أحداث تسيطر على انشغالات الساحة الاسرائيلية الأمر الأول أو الثاني هو …

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!