رسالة اليوم: حماس والكذبُ توأمان

لا تتوقفُ حماس عن الاستخفافِ بشعبِنا والإدمانِ على الكذبِ والتضليلِ، وليسَ هذا بالفعلِ الطّارئِ أو النزوةِ العابرةِ، لكنَّهُ نهجٌ مرتبطٌ بعقليةِ الإلغاءِ والتكفيرِ والتّخوينِ التي أدمنتْ عليها قيادةُ هذهِ الحركةِ التي أدخلتْ إلى القاموسِ الفلسطينيِّ لغةَ القتْلَ والسّحلَ وإلقاءِ من تختلفُ معهمَ من أسطحِ الأبراجِ. لكنْ أنْ تحترفَ حماس معاداةَ نفسِها فهذا هو العبثُ الذي يحيّرُ من يراقبُ أفعالَها الشّائنةَ وهي تغطّي عوراتِها بشعاراتِ الدّينِ والتّقوى وحبِّ الوطنِ وبادّعاءِ التمسّكِ بالمقاومةِ المستهدَفةِ من القاصي والدّاني. تعادي حماس نفسَها وتصدُّ يدَ الخلاصَ التي تمدُّها لها الشرعيةُ الوطنيةُ لتُخرجَها من غيّها كلما قاربت على تجاوزِ نقطةِ اللاعودةِ في مشروعِها الانقلابيِّ المتحالِفِ عملياً وعلى الأرضِ مع مشروعِ نتانياهو وترامب. وحتى لو تمسّكت حماس بأستارِ الكعبةِ وأقسمت أنّها ضدَّ صفقةِ القرنِ وضدَّ إجراءِ الانتخاباتِ بدونِ القدسِ، فإنَ ممارساتِها اليوميةَ لا تدعُ مجالاً للشّكِ في أنّ حماس وكلَّ ما تمارسُهُ برعايةِ حلفائها القدامى والجُدُدِ إنما هي جزءٌ أصيلٌ ومحوريٌٌ في مخططِ تنفيذِ خطّةِ فصلِ غزةَ عن الوطنِ ودفنِ الحلمِ الوطنيِّ بإقامةِ الدّولةِ الفلسطينيّةِ المستقلةِ وعاصمتُها القدسُ المحتلّةُ التي لا يضيرُ قيادةَ حماس أن يتمَّ استثناؤها من الانتخاباتِ بكلِّ ما يعنيهِ ذلك من اعترافٍ بالفصلِ الأوّلِ من صفقةِ القرنِ وهو فصلُ الاعترافِ الأمريكيِّ بالقدسِ عاصمةً موحّدةً لدولةِ الاحتلالِ الاستيطانيّ الإسرائيليّ.

سبقَ لحماس أن أعلنت التزامَها بتتنفيذِ تفاهماتِ القاهرةِ الموقّعةِ في العاشرِ من تشرين أول/ اكتوبر عام ٢٠١٧ والتي نصّت على تمكينِ حكومةِ الوفاقِ من ممارسةِ صلاحيّاتِها كاملةً في قطاعِ غزّةَ كمدخلٍ لا بدَّ منهُ للمضيِّ في تنفيذِ خطواتٍ متلاحقةٍ لوأدِ فتنةِ الانقسامِ الناتجِ عن انقلابِها على الشرعيةِ الوطنيةِ. وقد تفاءلَ بعضُ السذّجِ خيراً ببزوغِ نجمِ السنوارِ وتهديداتِهِ “بقطعِ رقابِ” من سيحاولُ تخريبَ جهودِ المصالحةِ. فماذا كانت النتيجةُ؟ لقدْ قطعت حماسُ رقبةَ المصالحةِ متذرّعةً بالتفجيرِ الآثمِ الذي استهدفَ موكبَ رئيسِ الوزراءِ ورئيسِ جهازِ المخابراتِ العامّةِ، وأكملت جريمةَ التّهرّبِ من استحقاقِ المصالحةِ بافتراءاتٍ لا تقنعُ طفلاً وذلكَ عندما حمّلت رئيسَ جهازِ المخابراتِ العامّةِ مسؤوليةَ الوقوفِ وراءَ محاولةِ تفجيرِ نفسِه!هكذا ودونَ مقدّماتٍ تنصّلتْ حماس من التزاماتِها مستهترةً بالوسطاءِ وبجهودِ القيادةِ الفلسطينيّةِ التي كانت تسعى إلى إنقاذِ غزّةَ المختطفةَ من شرِّ أفعالِ حماس وإنقاذِ حماس نفسِها من حماقاتها. لقد أثبتت الأحداثُ المتتاليةُ أنَّ حماس عاجزةٌ عن “قطعِ رقابِ” المتضرّرين من المصالحةِ الذينَ تعجُّ بهم صفوفُ قيادتِها، وأنّ قرارَ الحلِّ والرّبطِ هو في يد قيادةِ “الجماعةِ” التي ترهنُ الوطنَ العربيَّ كلّهُ لمزاجِها ولتحالفِها الآثمِ مع الإدارةِ الأمريكيّةِ على حسابِ أمنِ الأمّةِ ووحدةِ دُوَلِها وشعوبِها.

مرّةً أخرى حاولت حماس الانحناءَ أمامَ عاصفةِ المطالبةِ بوحدةِ الموقفِ الوطنيِّ في وجهِ “صفقةِ القرنِ” وبضرورةِ تجديدِ شرعيّةِ المؤسساتِ الوطنيّةِ عبرَ صندوقِ الانتخاباتِ. وأخذَ هذا “الانحناءُ” شكلَ الموافقةِ الشّكليّةِ على إجراءِ الانتخاباتِ، ليثبتَ بالدليلِ القاطعِ أنّ حماس لا تريدُ سوى كسبِ مزيدٍ من الوقتِ ولا تسعى سوى إلى تسجيلِ النقاطِ في سجالِها العقيمِ حول المرسومِ الرئاسيِّ بتحديدِ موعدِ الانتخاباتِ، بغضِّ النّظرِ عن توفّرِ الضماناتِ بأنْ تشملَ القدسَ المحتلّةً بصفتِها عنوانَ الصّراعِ مع العدوِّ ومحورَ العدوانِ الأمريكيِّ ضدَّ شعبِنا. لقد كُشِفَ خداعُ حماس لشعبِنا ولقواهُ الوطنيّةِ عبرَ فضيحةِ استهتارِها بمكانةِ القُدسِ ورمزيّتِها، ولم يبقَ أمامها سوى الرضوخِ لإرادةِ الشّعبِ المصرِّ على إجراءِ الانتخاباتِ وبأن تشملَ القدسَ كما تشملُ الضفّةَ وغزّة. وهنا لجأت حماس مرّةً أخرى إلى الكذبِ والتضليلِ ولم تتورّعْ حتّى عن تبرئةِ العدوِّ من اغتيالِ الشهيدِ بهاء أبو عطايا واتّهامِ جهازِ المخابراتِ العامّةِ بالمسؤوليةِ عن هذهِ الجريمةِ النّكراءِ. لقد شاهدَ شعبُنا كيفَ تخلّت حماس عن الأخوةِ في حركةِ الجهادِ الإسلاميِّ وتركتْهُم وأهلَ غزّةَ وحيدينَ في مواجهةِ العدوانِ الإسرائيليِّ دونَ خجلٍ أو حياءٍ وبشكلٍ أثارَ إعجابَ قادةِ العدوِّ وإعلاميّيهِ الذينَ كالوا المديحَ لموقفِ حماس “العقلانيّ” وأشادوا بصمتِها المطبقِ وبالتزامهِا الدقيقِ بتفاهماتِ التهدئةِ مع العدوِّ، وهي التهدئةُ التي دفعَ الشهيدُ أبو عطايا حياتَهُ ثمناً لها، أسوةً بشهداءِ وجرحى “مسيراتِ العودةِ” الذينَ باعتْ قيادةُ حماس دماءَهم “من أجلِ حفنةِ دولارات”.

مرّةً أخرى تتجاوزُ حماس كلَّ الخطوطِ الحمراءِ وتعبثُ بالسّلمِ الأهليِّ من خلالِ اتهاماتِها لجهاز المخابراتِ العامّةِ الفلسطينيّةِ بالمسؤوليةِ عن جريمة اغتيالِ الشهيد بهاء أبو عطايا وتبرئةِ قادةِ العدوِّ من دمِه. وإذا لم ترفع القوى الوطنيّةُ صوتَها عالياً فستُغرِقُ قيادةُ حماس شعبَنا في مستنقعِ فتنةٍ داخليةٍ تستغلُّها لتثبيتِ دعائمِ انقلابِها الأسودِ وتكريسِ فَصْلِ غزّةَ عن الوطنِ تنفيذاً لمشروعِ ترامب-نتانياهو الذي يتمُّ تسويقُهُ تحتَ إسمِ “صفقةِ القَرن”

٣٠-١٢-٢٠١٩

رسالة اليوم
رسالة حركيّة يوميّة من إعداد د.خليل نزّال -أمين سر حركة فتح – إقليم بولندا

شاهد أيضاً

بين «بيان العشائر» وإغلاق جامعة بيرزيت

بقلم: غسان زقطان بين “بيان العشائر” الذي أصبح شهيرا الآن، البيان الذي دعا دون أي …

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!